مجلة الرسالة/العدد 523/أدباء عالميون

مجلة الرسالة/العدد 523/أدباء عالميون

مجلة الرسالة - العدد 523
أدباء عالميون
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 12 - 07 - 1943


موريس ماترلنك

للأستاذ صلاح الدين المنجد

(تتمة)

إن درامة ماترلنك (بلياس وميليزاند) لتقطر سحراً وجمالاً. . . وفيها مشاهد مترعة متعة ولذة؛ تمثلهما وهما يتناجيان هذه النجوى:

- أنت لا تعلمين لم يجب علي أن أبتعد. . . أنا أحبك!

- وأنا أحبك أيضاً. . .!

- آه. . .! ماذا تقولين يا ميليزاند؟. . . لم أسمع، لم أسمع ما تفوهت به، كأنما حطم الجليد بالحديد المحمر. . . أأنت تقولين هذا بصوت كأنه آت من اللانهاية. . . لم أسمعك يا ميليزاند. أتحبينني. . .؟ تحبينني أيضاً. . .؟ منذ كم وأنت تحبينني يا ميليزاند. . .

- منذ بعيد. . . منذ رأيتك!

- آوه! أنت تقولين هذا. . . كأنما مر صوتك فوق البحر، في الربيع، كأن غيثاً هطل على قلبي. . . بصراحة تقولين هذا؟ أنا لا أصدق! ميليزاند لم تحبينني؟ ألا تخدعينني بقولك، ألا تكذبين لا سر؟

- لا، لا أكذب أبداً عليك، ولكن أكذب على أخيك. . .

- يا لصوتك، يا لصوتك! إنه ندى مبلل، أندى من الماء، كأن الماء يجري بين شفتيك

أفرأيت إلى هذه السذاجة الحلوة، وهذا الطهر الناعم، وهذا السحر الأخاذ. إنها نجوى واحدة من النجويات!

وأخرج ماترلنك بعد ذلك درامة المسماة وقد بلغت هذه الدرامة الصغيرة الكمال، فهو يصور لنا فيها حياة أسرة برجوازية تصاب بالمصائب، ويسلط عليها الرعب والخوف. . .

وقد تجد في هذه الدرامة من الطرفة ما لا تجده في غيرها. فأشخاصها خرس مجتمعون في غرفة تكاد تكون مظلمة، وهم أب وأم، وبنتان وطفل. (أما الأب فجالس إلى النار يشيعها بالحطب، وأما الأم فقد ارتفقت الطاولة، وأخذت تنظر من خلال النافذة ساهمة في ح ارتدت البنتان ثوبين أبيضين، وجلستا تطرزان)

كل شئ يبعث في النفس الطمأنينة، ولكن لا. . . أنظر، فها هو ذا عجوز يدب في الحديقة، يتبعه جمهور من الناس يمشون بحزن ووجوم. إنهم يعلمون ما كان يجهله أولئك المطمئنون الهادئون.

أتدري ماذا وقع؟ لقد غرقت الأخت الثالثة في النهر. وهاهم أولاء يحملونها جثة هامدة. ليت شعري كيف يطلعون عليهم بهذا النبأ الفاجع وهم ينتظرون عودتها؟ ويمعن ماترلنك في تصوير أولئك الوادعين الذين كانوا يفعلون في هذه الليلة ما فعلوه ليلة أمس، ويظهر الفرق بين ما هم فيه، وما هم آتون عليه، بين الواقع الذي يجهلونه ولا يحسبون له الحساب، وبين ما هم مطمئنون إليه

ويتقدم الموكب، ويراه الجيران، وتثرثر جارتان:

- آوه. . يا لكثرتهم. . إنهم يسرعون

- سيأتون. . وأنا أراهم أيضاً، إنهم يقربون!

لقد كانت المصيبة تسعى. . . (فالقدر يمشي. . . لا يتعب ولا يمل. . .)

والحق أن هذا المنظر الفاجع ليبعث في الأنفس القلق. هذا مصيرنا نحن أيضاً. إننا نستسلم جميعاً للطمأنينة والراحة. وإننا لنفرح ونضحك. . . بل نعتقد أحياناً أننا سعداء، ولكن الموت والألم والمصائب، تسعى نحونا مسرعة لا يوقفها إنسان، ونحن غافلون مطمئنون

لقد كانت هذه الفكرة تهيمن على آثار ماترلنك حتى مطلع هذا القرن. . . ولقد حاول في روايته (أجلافين وسيليزيت أن يجعل الألم والموت يتراجعان أمام الحياة والفرح. ولكنه لم يدرك ما ابتغاه، ووجد نفسه مجبراً على أن يصور هذه المصائب التي تنغص عيش الإنسان في هذه الحياة الدنيا

هذه أشهر آثار ماترلنك في الحقبة الأولى من تفكيره الفلسفي. فلما طلع هذا القرن، كان لماترلنك وجهة أخرى سنعود إلى التكلم عليها بعد حين

(انتهى البحث - دمشق)

صلاح الدين المنجد