مجلة الرسالة/العدد 535/مهمة تجديد الأدب العربي بين الشباب وبين الشيوخ

مجلة الرسالة/العدد 535/مهمة تجديد الأدب العربي بين الشباب وبين الشيوخ

مجلة الرسالة - العدد 535
مهمة تجديد الأدب العربي بين الشباب وبين الشيوخ
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 10 - 1943


للأستاذ دريني خشبة

سألني بعض أصدقائي لماذا أومن بالشباب دون الشيوخ، ولماذا أرجو أن ينهضوا دونهم بعبء إنهاض الأدب العربي، وسد تلك الثغرات الشائنة فيه، تلك الثغرات التي تجعل مصر والشعوب العربية جمعاء تعيش في الماضي وتنجذب إليه أكثر مما تعيش في الحاضر وتتشوف إلى المستقبل. . .

وأريد أن أصحح لأصدقائي ما وقر في أذهانهم من أنني لا أومن بأدبائنا الشيوخ، إذ أنا، وقد جاوزت حد الأربعين، أكاد أنحاز إلى معسكرهم، منفتلاً من معسكر الشباب الذي يعز علي أن أفارقه، ويسرني أن أعيش فيه بقلبي ونشأتي وأفكاري وجهادي الأدبي المتواضع. . . أريد أن أصحح لأصدقائي هؤلاء ما وقر في أذهانهم من ذلك، إذ أنا أول من يجل أدبائنا الشيوخ، وأول من يعرف لهم حقهم الذي لا يماري في نهضتنا الفكرية والأدبية، وفي تبوء مصر تلك المنزلة الفريدة بين الأمم العربية. . . صحيح أنني أغضيت عن ذكر أحد من شعرائنا الشيوخ في سياق كلامي عن الدرامة المنظومة. . . وقد أغضيت كذلك عن ذكر أحد من الشعراء غير المصريين. . . أما لماذا أغضيت عن ذكر أحد من شعرائنا الشيوخ فليس سببه عدم الإيمان بهؤلاء الشعراء الإجلاء الأعزاء الذين سبقونا وعبدوا لنا الطريق وأبانوا معالم النهضة ووصلوا ماضي الأدب العربي بحاضره. . . إنما سببه تلك الروح الشؤمية السوداء المنتشرة في معسكر هؤلاء الشعراء الشيوخ. . . فأنت لا تكاد تتحدث إلى واحد منهم عن تخلف الأدب العربي على العموم والشعر العربي على الخصوص في مسايرة الآداب العالمية ومواكبة ما يجد فيها من مذاهب واتجاهات حتى يعبس وتحس بالضيق الذي يكربه، ويأخذ في الشكوى التي لا معنى لها من قلة التقدير في هذا البلد الذي قضى أن يعيش أدباؤه غرباء فيه. . . ثم يضرب لك الأمثال. . . فهذا العقاد لم يملك إلى اليوم قصراً ولم يقتن بعد ضيعة. وذاك المازني ما يزال يجالد بقلمه ويجاهد بدمه وبينه وبين شراء عزبة أو اقتناء أبعادية ما بين الأرض والسماوات. وهذا أحمد محرم لا تستحيي الدولة من أن تمن عليه بأنها رثت لحالته وأرادت أن تقدرها قدره فعينته أميناً لمكتبة دمنهور الإقليمية بهذا الراتب الضئيل النحيل القليل الهزيل من الجنيهات. ثم هذ أحمد الكاشف الذي لا أرى أن أجرح كبرياءه - هكذا يقول محدثي - فأذكر لك كيف يعيش. . . ثم ذاك طاهر الجبلاوي الذي يسهر الليالي في نظم درامته (ديك الجن)، تلك الدرامة الشائقة التي تعجب بها وزارة المعارف، ويقرها تفتيش اللغة العربية، وتكتب عنه إدارة التمثيل التقارير الشافية الوافية. . . ماذا كان جزاءه وماذا كانت مكافأته؟ هل رأت درامته ضوء الشمس؟ هل نفذت إلى أنوار المسرح؟ هل أحس بها إنسان؟ لقد نامت فيمن نام من أهل الكهف يا سيدي. . . ثم هذا الشاعر النابغة (رشاد راضي) ناظم درامة (جميل وبثينة)، ماذا لقي من زمانه وماذا لقي زمانه منه؟ أشهد لو أنك قرأت تلك الدرامة أو شهدتها على خشبة المسرح لفضلتها ألف مرة على مجنون ليلى للمرحوم شوقي بك؟! وذاك الشاعر النابه علي أحمد باكثير. . . لقد سهر المسكين عاماً وعاماً ثم عاماً ثالثاً فنظم درامة السماء أو إخناتون ونفرتيتي، ودرامة إبراهيم باشا بطل مصر الأول، ودرامة كذا وكذا وكذا. . . وفكر في الذي تفكر فيه من استحداث الشعر المرسل والشعر الحر في الشعر العربي، وابتدع في ذلك وأبدع، فهل أحس أحد به؟ هاهي ذي درامته (السماء) مطبوعة، وقد قامر بطبعها إبان جنون أزمة غلاء الورق، فهل تدري كم نسخة بيعت؟ وهل سمعت أن المسرح المصري شهد تلك الدرامة الشائقة الفائقة؟

وعلى هذا النحو أراد الشيخ أن يأكلني ويشربني لينتزع مني إقراراً بالموافقة على وجهة نظره التي تفيض بالشؤم - أقصد التشاؤم؟! - والتي تصدر عن روح كئيبة سادرة لم تعرف كيف تستهزئ بهذا الذي يسميه صاحبها قلة تقدير أو سوء إنصاف يقضيان أن تنحل أوصال الأدب وتفتر أعصاب الأدباء فلا يكون ثمة نشاط ولا يكون هنالك إنتاج، لأن الحكومة قاتلها الله لا تبيح خزائنها لهؤلاء الأدباء، ولأن الأمة صنع الله لها لا توليهم رعايتها، ولأنهم يأمرون فلا يطاعون، وينشدون فلا يجدون سميعاً. . . ألا رحم الله شاعر المعرة الذي اعتذر لقاضي قضاة مصر، أن يعيش في دنيا من ذهب، مؤثراً عيش الكفاف الذي جعل منه شاعر العربية وفيلسوفها الأكبر. ورحم الله دستونفسكي وولتر سكوت وكارل ماركس، ومئات الأدباء والشعراء الذين كانوا يذوبون جوعاً في حين تتخم آدابهم وأشعارهم وأفكارهم أدمغة العالم. . . إننا ما سمعنا قط أن أحدهم اتخذ من مسغبته حجة للانصراف عن الأدب أو التقاعس عن قرض الشعر. . . لقد رجوت محدثي أن يبحث لي عن شاعرنا الكبير عبد الرحمن شكري أين هو من عالم الشعر ودنيا الأدب. . . وهو والحمد لله - غير محسود ولا مغبوط - في سعة من الرزق، ولم يفرض عليه أن يجالد بقلمه أو يجاهد بدمه ليعيش. . . أين هو اليوم يا ترى؟ أين بلبله الصداح وشحروره المغني؟ أين قيثاره وأين نايه وأين موسيقاه؟ ثم رجوته أن يخبرني لماذا هجر المازني الشعر. . . فلما عجز عن الإجابة توليتها أنا فأكدت له أنه عز عليه ألا يستحدث جديداً في الشعر العربي، وهو أعرف الناس بما عليه الشعر الإنجليزي من سمو وثروة واتساع ويسر، فغثيت نفسه وضاقت بأوزان الشعر العربي التي لم تتجدد قط مدى ألفين من السنين، اللهم إلا قليلاً. . . ولو أن الأستاذ المازني احتفظ للشعر العربي بميزته الشخصية التي هي الترجمة لأفاده فائدة جليلة القدر. . . إلا أن الكسل قاتله الله صرفه عن ذلك أيضاً. . . أما العقاد العظيم فهو سيد شعراء المعاني غير مدافع، والذين زعموا أنه لا شأن له بالشعر هم قوم قليلو البصر بالشعر، بل ربما كان الأحسن ألا يكون لهم هم شأن بالشعر. . . ولو أن العقاد كان يعنى بديباجته وتجويد أسلوبه الشعري لخر أمامه أولئك النقاد جثياً. . . لقد كان لنا في العقاد أمل ضخم رددناه يوم أصدر ديوانه الضخم المشتمل على ملحمة (الشيطان)، وكنا ننتظر أن يغزو العقاد للشعر العربي ميادين جديدة في الملحمة والشعر القصصي والدرامة. . . إلا أن العقاد انصرف عن ذلك إلى القصائد والمقطوعات. ولسنا نبالي السبب الذي صرفه عن ذلك، إنما نبالي أنه أضاع أملنا فيه بعد إذ كان أملنا معقوداً به. . . على أننا لا نزال نعلل النفس بالأماني في العقاد، لأننا أعرف الناس بقدرته في الإنتاج وصبره على الكفاح الأدبي نحو المثل العليا. . . أما أحمد محرم فلسنا نعرف عن جهوده في النظم المثالي شيئاً بعد إسلاميته الرائعة الطويلة الجديرة بالإعجاب. ونحن نتوجه إليه بالرجاء أيضاً أن يستيقظ، إذ هو في نظرنا في مقدمة شعرائنا تجويداً وطول نفس وتفضيلاً لفخامة العبارة وإشراق الأسلوب. وبهذه المناسبة أذكر شاعرنا الجارم الشيخ. . . ذلك الشاعر الغزل الرقيق. . . ماذا صنع في دنياه غير تلك القصائد التي يوجد من أشباهها الشيء الكثير في الشعر العباسي والشعر الأندلسي. . . لعل المعاش الهانئ الذي يتمتع به الشيخ، بارك الله لنا فيه، أن يوفر له من الوقت ما يعينه على نظم ملحمة أو قصة وإن كنا نطمع أن ينظم ملاحم وقصصاً كثيرة. . .

وأما الشاعر الكاشف فليس لدينا ما نقوله فيه، ولا نملك إلا الدعاء له بحسن الحال ورغد العيش. . . وأما شكوى صديقنا الجبلاوي من تعطيل درامته (ديك الجن) وما كان لهذا التعطيل من نكسة أدبية في نفسه، فأنا لا أقر وجهة نظره وأنا بالرغم مما سقته في مقالاتي عن المسرح المصري من لوم الوزارة، لا أرى أن يتكل أدبائنا على العون الذي يحلمون به من الدولة، بل أرى أن يثور الأدباء على طريقة الإنتاج الأدبي القديم - أدب القصيدة والمقالة والمقطوعة - وإغراق السوق الأدبية بأدب القصة والدرامة - المنظومة والمنثورة - والملحمة والقصة المنظومة. . . ثم أنا زعيم للصديق الجبلاوي بأن اليوم الذي يستطيع الأدباء أن يدووا بأصواتهم في آذان الوزارة فتصيخ لهم وتستجيب لندائهم قريب لا ريب فيه، وإن لم تستجب الوزارة طوعاً فثمة وسائل لا حصر لها لإغرائها بالاستجابة. ويجب أن نستعد لهذا اليوم بأن نملأ أيدينا بهذه الألوان من الأدب التي يفتقر إليها الأدب العربي. . . وفرصة الأدباء وافية مؤاتية، فزعيمهم وعميد الأدب العربي لن يملك إلا أن يمد يده لتلك الحركة بالعون والمساعدة، والعون والمساعدة إنما ينبغي أن ينحصرا أول الأمر في أن تطبع الدولة على نفقتها ثمرات قرائح أدبائها المجددين ثم مكافئتهم ولو في حدود (جهد المقل!). . . وقبل أن أفرغ من استعراض شعرائنا الشيوخ لا أرى بداً من التنويه بالأستاذ فريد أبى حديد وكيل دار الكتب الآن وناظم مقتل عثمان وغيرها وغيرها. . .، فلقد سألته مرة ماذا أعد لسوق الأدب، فتبسم ضاحكاً ثم قال مازحاً: (إن صواميله قد نعمت! وأن لا رجاء في عودتها للعمل!) وأنا أسأل الله أن تخشن هذه الصواميل ليعود دولاب أبى حديد إلى المساهمة في ثورة الأدب العربي من جديد

هذا هو موقفنا من شعرائنا الشيوخ صريحاً لا لبس فيه. . . أما شعراؤنا الشباب فهم بكل صراحة أملنا ومعقد رجائنا في مستقبل الشعر العربي. . . وقد بدأ كثيرون منهم يستجيبون لدعوتنا. . . وقد وصلتني (عينات) شائقة بالفعل تنبئ بتباشير نهضة رائعة. ولست أذيع سراً إذا بشرت القراء الأعزاء بأن صديقي الشاعر النابه الأستاذ محمود الخفيف قد فرغ بالفعل من نظم ملحمة باكية في مقتل الحسين رضي الله عنه. . . ولست أذيع سراً آخر إذا بشرتهم بما بشرني الأستاذ الخفيف من أن الشاعر المبدع علي محمود طه أوشك على الفراغ من نظم درامة رائعة سيفاجئ محبيه بها قريباً ولا يفهم القراء من هذا الكلام الطويل أنني أقصر نهضة الأدب العربي على ميدان الشعر فحسب، فهنالك أدب القصة الطويلة الذي لم يستو على سوقه بعد، وأن ظهر عندنا كتاب مبدعون قدموا لنا أقاصيص رائعة تبشر بمستقبل باهر لهذا اللون الهام من ألوان الأدب. . والظاهرة التي أحب أن أفتح عيون أدباء الشباب عليها وألفتهم إليها هي أن شيوخ الأدباء عندنا يملكون زمام هذا الميدان كله تقريباً، ولا سيما في القصة المتوسطة. . . فليلق شبابنا الأدباء بالهم إلى ذلك، وليتنبهوا له، ولتكن منهم فئة يعنون بأدب القصة الطويلة، حتى إذا آل إليهم زمام الأدب في المستقبل القريب كانت معهم مؤنه تكفي لبناء شهرتهم وتخليد ذكرهم. . . وليذكروا كذلك أن معظم روائع الأدب الغربي المترجمة هي من إنتاج الشيوخ دونهم، وعلى هذا، فينبغي عليهم أن يساهموا في الترجمة بنصيب

أما الأدباء غير المصريين فإلى مقال قريب إن شاء الله.

دريني خشبة