مجلة الرسالة/العدد 535/قصة دائرة المعارف الإسلامية

مجلة الرسالة/العدد 535/قصة دائرة المعارف الإسلامية

مجلة الرسالة - العدد 535
قصة دائرة المعارف الإسلامية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 10 - 1943


للأستاذ صلاح الدين المنجد

الأنسيكلوبيدية الفرنسية، معجم شامل للمعارف الإنسانية؛ أخرجته طائفة من علماء قرن الثامن عشر وفلاسفته وضمنوه ثمرة دراساتهم الطوال، فبدت فيه روح العصر وعاداته، وطرائق أهله في المساجلات والمهاترات

لم ينشأ عن دائرة المعارف هذه، بعث أدبي أو علمي، فقد كانت نتيجة لعوامل شتى، لا سبباً لها، وكانت ملتقى تيارات تتعارض ونظريات تتضارب، ويلاحظ الأستاذ (أوبيرتان في كتابه: (روح القرن الثامن عشر) أن هذه التيارات تنحصر في الأمور التالية

1 - الانطلاق: وكان مدلوله في لقرن السابع عشر استقلال الفكر، وشنشنة ضد الدين. وكان معناه في القرن الثامن عشر تظاهراً بالدعة مع الجحود والكفران

2 - الروح العلمي. فقد هيمنت روح العلم على نفر كبير من الناس، فأضحوا يتعلقون بالحادثات الواقعة. نابذين وراء ظهورهم ما وراء الطبيعة، ثائرين على السلطان. وكانوا يفتخرون بالتقدم العلمي الذي رأوه آنذاك، ويعتقدون أن الوقت قد حان لوضع أسس جدد، ومناهج واضحة تسلكها الأجيال القادمة.

3 - الرغبة في الاستقلال السياسي، فقد مال الناس إلى احتقار سلطان الملكية، والثور عليه، والسعي في تحطيمه، ليتقوى سلطان الشعب

4 - الميل إلى تقليد الأجنبي وخاصة إلى تقليد إنجلترا؛ فقد كان الفرنسيون يرون في كل ناحية من نواحي السياسة والعلم والدين والأدب فيها مثلاً سامياً جديراً بأن يقتفى أثره، وأن يقلد

فهذه الميول المختلفة. كانت مظاهر عالم جديد يريد أن يحيى. وكانت هذه البيئة تحس في نفسها قوة وجلداً؛ وترى أنها قادرة على تحطيم ما خلفه لها الآباء والأجداد، ولا بد للناس أن يعلموا ما خلفته الأجيال الخالية، وما بذلته من جهود في سبيل رقي الإنسانية، ولابد لهم أن يدركوا كيف بدأ أجدادهم والى أية نقطة من طريق الإنسانية الطويل قد بلغوا. فدائرة المعارف كانت وسيلة إلى ذلك

ظهرت دائرة المعارف سنة 1745. فقد أذن لصاحب مكتبة آنئذ، أن ينقل إلى الفرن دائرة معارف العلوم والفنون ' التي ألفها الإنجليزي فاستشار، ذاك الكتبي عدداً من العلماء. وكانت هذه الاستشارات لا تجدي شيئاً. فعهد عندئذ إلى (ديدرو بهذا العمل، وكان ذا فكر ثاقب محيط. فرأى أنه يستطيع توجيه ذاك الكتبي نحو فكرة قد تكون أكثر جدوى، وأقرب نفعاً؛ فلماذا ينقل إلى الفرنسية معجم ذلك الإنجليزي؟ أليس من الخير لبلاده أن يكتب المعارف الإنسانية بفكر فلسفي ويقدمها للناس؟ لا جرم أن ذلك يساعد على انتشار آرائه، وتبيان ما يذهب هو والفلاسفة إليه، ويكون وسيلة لجمع شتات فلاسفة عصره. وزين ديدرو للكتبي فكرته فقبل. وعندئذ اتصل بدالامبير ' وانعكفا على وضع نهج العمل

على أن نهج العمل واضح لا يحتاج إلى جهد وتفكر، إنما الذي يدعو إلى التفكير هو الحصول على المال. فالمعجم سيكون كبيراً. وهو يحتاج إلى نفقات قد تثقل عاتق الناشر. وعمدوا إلى اكتتاب بالاشتراك. وساعد على ذلك محافل الماسونيين في العالم كله، واهتمت السلطات العامة بهذا الأمر. وتدفقت الأموال على الناشر وصاحبيه. وابتدءوا يعملون

وفي سنة 1750 أخرج ديدرو المجلد الأول، وفيه المنهج الذي سيكون المعجم عليه، وتبيان ما سيتضمنه ويحويه. ومقاله لدالامبير سماها:

ولم يكد يظهر المجلد الأول حتى تهافت الناس على شرائه؛ ونال رواجاً كبيراً، وأبدى كثير من الكتاب والعلماء رغبتهم في مساعدة ديدرو ودالامبير

وظهر المجلد الثاني؛ وفيه طعن ديدرو على القديم طعناً موجعاً، وثار الناس على مقالة كتبها الأب دبراد محرر دائرة المعارف في الإلهيات. وهب رجال الدين يطعنون على هذا المعجم الذي يسوق إلى الإلحاد ويدفع إلى الكفر، واضطربت السلطة، واضطرت إلى مصادرة الجزأين. وكاد ديدرو أن يسجن في الباستيل، ولكن الناشر ما زال يسعى حتى أذن له مرة ثانية بإخراجها

وما كادت سنة 1757 تطلع على الناس حتى حدث ما لم يكن بالحسبان. فقد أثرت الأحداث السياسية في فرنسة فكانت مؤامرة داميان الذي طعن لويس الخامس عشر بطعنة موسى، وكان فشل روسباخ مما سبب يقظة الشعور الوطني والأخلاقي. ودعا إلى شن هجوم شديد على أولئك الفلاسفة المخربين الهدامين. ومما ساعد على ذلك مقالة عن (جنيف) كتبها دالامبير، وكتاب (الفكر الذي كتبه (هيلفيتيوس فازداد الطعن على دائرة المعارف ورجالها، حتى اضطر الملك إلى إيقافها، ولكن الناشر استطاع بعون من مدام دبومبادور حظية الملك أن يصدرها. فصدرت وحمتها رجال الشرطة. وظلت تصدر حتى عام 1772 إذ انفض عن ديدرو، دالامبير وروسو، وبقي وحده

كانت دائرة المعارف كما ذكرت معجماً رتب على الحروف الهجائية. وكان يبحث في الرياضيات والطبيعيات والإلهيات. وكان مراسلوها يذكرون ما وصلت إليه الإنسانية في كل علم أو فن. ويلاحظ دوكرو في كتابه (رجال دائرة المعارف) أن ديدرو تنبأ بمستقبل الفنون الميكانيكية، فكتبه مقالات كثيرة عن كل صناعة وبين خططها وصورها

ولكن على رغم ذلك فإن دائرة المعارف ظلت خليطاً من أمور غامضة تارة ومضطربة أخرى. لا جرم أنه كان فيها الجيد، ولكن كان إلى جانبه الرذيل الرديء. وسر ذلك أن مباحثها كتبت بسرعة دون تأمل أو روية

على أن الذي يدهشني حقاً فيها تلك الروح المهيمنة عليها في كل صفحة من صفحاتها، بل في كل سطر من سطورها. فلقد استطاع ديدرو، بل وفق إلى انتقاء مراسليه من الفلاسفة الذين كان بينهم وبينه نسب في الفكر والمذهب. فإذا تصفحت دائرة المعارف بدا لك هذا الفكر الفلسفي الذي لا يؤمن بكل أمر خفي، ويسخر من كل أمر مطلق أو خارق، ولا يعتقد بما وراء الطبيعة، ويدعو إلى حرية الفكر والكلام والعمل

وما كانوا يصرحون بذلك تصريحاً تاما، ولكنهم كانوا يدسون السم في الدسم، ويحشون مقالاتهم أفكاراً تسوق إلى ما يريدون. وقد كان من أشد ما يدعون إليه أن يحاربوا المذاهب والآراء التقليدية الموروثة، وأن يسخروا منها فيصيبها التهديم

ومهما كان من أمرها، فلقد كانت وسيلة لاجتماع رجال كبار. فقد كتب فيها: مونتسكيو ورسو وفولتير، وكتب ديدرو ودالامبير ودجوكور وديبنتون ومارمو نتيل وغيرهم. . .

ويلاحظ روستان في كتابه (الفلاسفة والهيئة الاجتماعية في القرن الثامن عشر)

, أن مراسلي دائرة المعارف كانوا أشد حماسة من القائمين عليها. نرى ذلك عندما نقرأ مقالات كوندياك تلميذ لوك، وهلفيتيوس الذي دعا إلى المادية أجرأ دعوة، وغيرهما

وما زالت دائرة المعارف تتستر، حتى ظهر جلياً ما تدعو إليه. وعندئذ تركها روسو، وراح يطعن عليها وينعتها بأنها آلة تهديم، ويعتذر لنفسه بأنها كتب فيها عن الموسيقى، وقد خفي عليه ما يريدون

ولكن طعن روسو، ومن قبله طعن رجال الدين لم يفيدا شيئاً، فقد انتشرت انتشاراً سريعاً، فقرأها البرجوازيون المثقفون، وقرأها بعض الكهنة، وأعجب بها المحامون. ولئن انفض عنها رجالها، ثم توقفت، فلقد غرست في العقول الشك، وساقت الناس إلى حدث اجتماعي عظيم هو الثورة الفرنسية.

(دمشق)

صلاح الدين المنجد