مجلة الرسالة/العدد 566/القرآن الكريم

مجلة الرسالة/العدد 566/القرآن الكريم

ملاحظات: بتاريخ: 08 - 05 - 1944


5 - القرآن الكريم

في كتاب النثر الفني

للأستاذ محمد أحمد الغمراوي

ويلتحق بزعمه الذي زعم لعرب الجاهلية من نهضة علمية سياسية اجتماعية الخ زعمه أن نشأة علوم العربية كالنحو والبلاغة والعروض قديمة، أي إنها نشأت قبل الإسلام لا بعده وهو يبنى هذا الزعم أيضاً على ما افترض من أن القرآن أثر جاهلي

وفي الحق أن جميع ما ارتأى وما افترض في كتابه هذا متصلاً بالقرآن لا يتسق ولا يستقيم في بحث باحث إلا على فرض أن القرآن من كلام عربي من العرب. وهو لم يصرح بهذا كما صرح بإنكار إعجاز القرآن من ناحية الأسلوب، إلا أن وصفه القرآن بكل ما لا يصدق إلا على نتاج البيئة دليل قاطع في الموضوع

اقرأ له زيادة على ما قدمنا قوله عن القرآن من صفحة 45 (فلننظر إذن أهو كتاب طبيعي، أم هو كتاب مملوء بالزخرف والصنعة المحكمة) وقوله (فمن الواجب أن يترك الباحثون ذلك الميدان الذي أولعوا بالجري فيه وهو عصر الدولة العباسية، وأن يجعلوا ميدان النضال عصر النبوة نفسه، وأن يحدثونا ما هي الصلات الأدبية والاجتماعية التي وصلت إلى العرب من الخارج فأعطت نثرهم تلك القوة وذلك الزخرف اللذين نراهما مجسمين في القرآن. هنالك نعرف بالبحث أكان القرآن صورة عبقرية أم تقليدية). فهذا نص لا يقبل شكاً ولا يحمل تأويلاً في أن صاحب الكتاب يرى القرآن من كلام العرب تأثر بما تأثروا أو يصح أن يكونوا تأثروا به من صلات أدبية اجتماعية جاءتهم من الخارج، وأن ما امتلأ به في زعمه من (الزخرف والصنعة المحكمة) ليس طبيعياً كالذي تراه في الزهر والشجر والشفق والسماء، ولكنه مكتسب مجلوب من الخارج! ونسى أنه لم يقل بأن القرآن أثر جاهلي إلا لينفى عن العرب أن يكونوا (أخذوا طرائق النثر الفني عن الفرس واليونان)، فهو يسلبهم كل ما أعطاهم، بل يشكك حتى في عبقرية القرآن لو كان من صنع عربي ووضعه، كما ترى من قوله (هنالك نعرف بالبحث أكان القرآن صورة عبقرية أم تقليدية). والتقليد هنا ليس هو تقليد عربي لعربي، ولكن تقليد عربي لأعجمي، لأن الصلات الخارجية التي يتساءل عنها في النص السابق هي صلات بين العرب ومن حوله الأعاجم. فتشكيكه في العبقرية وتجويزه التقليد على القرآن قاطع في أنه لا يرى القرآن من كلام واهب العبقرية وفاطر الإنسان، ولكن من كلام بشر مشكوك حتى في عبقريته

وصاحب الكتاب يعرف هذا الرأي من نفسه، ويعرف بعد ما بينه وبين ما عليه المسلمون، كما ترى من قوله بعد ذلك النص (ولكن مثل هذا البحث في رأيي خطر على الباحثين المسلمين في الوقت الحاضر: لأن الرأي العام في مصر والشرق الإسلامي لا يسمح بدرس القرآن درساً تحليلياً يبين ما فيه من العناصر العربية الصميمة والعناصر الدخيلة. والمستشرقون أيضاً لا يهتمون بمثل هذا البحث، لأن أكثرهم مقتنع بأن العرب لم يكن لهم وجود أدبي قبل الإسلام). فإذا صح ما نقله هذا الرجل عن المستشرقين فالمستشرقون أقرب منه إلى الإسلام إذ ليس بينهم وبين الإسلام إلا أن يكونوا منطقيين مع أنفسهم، ويتبعوا النتيجة الحتمية لوجود القرآن مع ما اقتنعوا به من أن العرب لم يكن لهم وجود أدبي قبل الإسلام. أما هو فقد رأيت ما قال

وليس ذلك كل ما قال، فقد قال أيضاً في صفحة 46 (وليس أمامنا أي دليل على أن القرآن متأثر تأثراً محسوساً بآداب أخرى أجنبية وإن كان هذا ممكناً لأن العرب قبل الإسلام كانوا على اتصال قليل أو كثير بمن جاورهم)

وقال أيضاً من صفحة 47 (ويمكن الحكم بأن اللغة الأدبية التي سبقت الإسلام لم تكن تخالف كثيراً لغة القرآن، لأن التطور الكبير الذي ينقل اللغة من أسلوب إلى أسلوب ومن روح إلى روح لا يتم في خمسين سنة مثلاً، وإنما يتطلب مدة طويلة، خصوصاً في أمة بدوية محافظة قليلة الاختراع والتبديل في لغتها وأسلوبها). اقرأ هذا واحكم ما رأى صاحبه في القرآن، أأنزله الخالق معجزة للخلق على الدهر، أم هو من كلام الناس تطور روحه وأسلوبه كما يتطور الروح والأسلوب في كلام البشر؟

ثم اقرأ له من صفحة 51: (وإنما ينبغي أن نعتقد أنه كان لهم أدب قوي متين يقرب في روحه وأسلوبه من روح القرآن وأسلوبه، فإن البيئة واحدة، واللغة واحدة، والعصر واحد) فإذا قرأت له عقب ذلك (ولم يكن محمد إلا بشراً ألهم هداية قومه كما صرح القرآن غير مرة) عرفت أن صاحب الكتاب يرى القرآن من كلام محمد، وعرفت أيضاً أنه يفتري على القرآن فإن القرآن وإن قال إن محمداً بشر لم يقل إنه ألهم هداية قومه، فإن مادة (ألهَم) لم ترد قط في القرآن

فإذا قرأت له من صفحة 60 (فإن القرآن يسجع أحياناً ولكنه لا يلتزم السجع، لذلك نجا من التكليف والابتذال) عجبت لهذا الكاتب المدعي البصر بالفصاحة والبيان، كيف لم يجد ما يقوله في سجع القرآن إلا أنه نجا من التكلف والابتذال! وهو ثناء يشبه الذم لو أنه قيل في سجع أحد الفصحاء مثل ابن العميد الذي يستحسن صاحب الكتاب سجعاً له كل الاستحسان (صفحة 157)، فكيف به وقد قيل في القرآن

ولعلك لاحظت أنه حين (نجى) القرآن من التكلف والابتذال في السجع رد ذلك إلى أنه يسجع أحياناً، أي إلى قلة السجع لا إلى السجع نفسه. فإذا قرأت له قول من صفحة 65 (ولو تركنا المشكوك فيه من الآثار الجاهلية، وعدنا إلى نص جاهلي لا ريب فيه وهو القرآن، لرأينا السجع إحدى سماته الأساسية) لعجبت لهذا الرجل كيف يكتب. ألم يقل قبل إن القرآن يسجع أحياناً؟ فكيف يجعل السجع الآن إحدى سماته الأساسية؟

ومثل آخر من إنزاله القرآن منزلة كلام البشر قوله من نفس الصفحة (والقرآن نثر جاهلي، كما أوضحنا ذلك من قبل! (والتعجب من عندنا لأنه لم يوضح بأكثر مما قدمنا لك) والسجع فيه يجري على طريقة جاهلية حين يخاطب القلب والوجدان. ولا ينكر متعنت أن القرآن وضع للصلوات والدعوات ومواقف الغناء والخوف والرجاء سوراً مسجوعة تماثل ما كان يرتله المتدينون من النصارى واليهود والوثنيين ولا تنس أن الوثنية كانت ديناً يؤمن به أهله في طاعة وخشوع، وكانت لهم طقوس في هياكلهم. وكانت تلك الطقوس تؤدي على نحو قريب مما يفعل أهل الكتاب من النصارى واليهود)!

أفترى هذا الكلام يحتاج إلى تعليق؟! أم هل تريد كلاماً أوضح وأدل على رأى هذا الأفاك؟ إذن فاقرأ له ما قال بعد ذلك: (والقرآن وضع لأهله صلوات وترنيمات تقرب في صيغتها الفنية مما كان لأهل الكتاب من صلوات وترنيمات، والفرق بين الملتين يرجع إلى المعاني ويكاد ينعدم فيما يتعلق بالصور والأشكال. ذلك بأن الديانات الثلاث الإسلام والنصرانية واليهودية ترجع إلى مهد واحد هو الجزيرة العربية. فاللون الديني واحد، وسورة الأداء تكاد تكون واحدة)! فقد رأيت الآن! لقد صارحك صاحب النثر الفني بذات نفسه، لا عن القرآن فقط وتقليده حتى الوثنيين في الصورة والشكل، ولكن عن الأديان الثلاثة كيف أنها كلها بنت البيئة، بنت الجزيرة العربية، ولك أنت أن تعلل لماذا أغفل الوثنية فلم يجعلها رابعة البنات!

الرجل بقوله هذا قد وضع بين أيدي الناس المفتاح إلى مذهبه في القرآن والدين، وليس النص السابق فلتة فاتت الرجل، فقد ذكر رأيه في الدين وفي القرآن فيما كتب بعد النثر الفني بما يتفق مع هذا الذي كتب في (النثر الفني) وأين؟ سأخبرك ببعض ذلك، وفي البعض بلاغ

كان الأستاذ أحمد أمين علل فقدان الملاحم والمنظومات الطويلة في الشعر العربي بتقيد الشعراء بعد العصر الجاهلي بقيود الشعر الجاهلي، فرد الدكتور زكي مبارك عليه يقول في صفحة 1393 من العدد 315 من الرسالة (إن عبقرية العرب ليست في القصص وإنما عبقرية العرب في الغناء والتعبير عن الأنفاس الروحية. وفي بلاد العرب نشأت الديانة الموسوية والديانة العيسوية والديانة المحمدية؛ فإن امتازت لغات الشرق والغرب بالمنظومات الطويلة في القصص والتاريخ، فقد امتازت لغة العرب بأكرم أثر عرفه الوجود وهو القرآن. وهو حجة اللغة العربية يوم يقوم التفاخر بين اللغات بالأحساب) والأستاذ أحمد أمين كان يتكلم عن أدب العرب مقارناً إياه بأدب غيرهم من الأمم والشعوب؛ فهذا الرد من زكي مبارك لا يصلح رداً إلا أن تكون الديانات الثلاث من وضع العرب؛ وإلا أن يكون القرآن من أدب العرب كذلك

وبعد، فقد كنت أسندت إلى زكي مبارك تهماً ثلاثاً: أنه يدعو إلى نقد القرآن، وأنه ينكر إعجاز القرآن وأنه يكاد يصرح بأن القرآن من كلام البشر، وطلبت إليه أن يتبرأ أو أثبت، فأجاب إني لا أفهم كتابه، وأنه لا يتبرأ منه ولو ذهب معه إلى جهنم الحامية، فكان لابد من الإثبات. وقد فعلت، وإن لم أستقص ما في كتابه وما كتب بعده من دليل. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

محمد أحمد الغمراوي