مجلة الرسالة/العدد 57/جواب عن سؤال

مجلة الرسالة/العدد 57/جواب عن سؤال

ملاحظات: بتاريخ: 06 - 08 - 1934



الإلياذة والأوذيسة

. . . أشرتم في كتابكم (تاريخ الأدب العربي) إشارة موجزة إلى ديواني الإلياذة والاوذيسة. فهل تتفضلون وانتم. . . بكلمة في الرسالة عن موضوعي هذين الديوانين. . .

(سنغافورة) م. ع. خ

الإلياذة والاوذيسة منظومتان يونانيتان نسبتا إلى هوميروس، واستفاضتا في الشعوب والأجيال تحملان اثر العبقرية الإغريقية، وترددان صدى الحرب الطروادية، وتمدان الآداب العالمية بالغذاء والقوة. موضوع الإلياذة غضب اخيل، وهو حادث بسيط من حوادث حرب طروادة وقع في السنة العاشرة من حصارها، واستغرق وأحدا وخمسين يوما، تبتدئ بشجار اخيل وأغاممنون وتنتهي بقتل هكطور. وتنقسم هذه الملحمة إلى أربعة وعشرين نشيدا تمثلت فيها صور الحياة اليونانية بأساطيرها وعاداتها وآدابها جلية رائعة مؤثرة. وأهم أبطالها من الإغريق أغاممنون ملك أرجوس ومسينا وأمير الجيش، ومينيلاس أخو اغاممنون وملك اسبارطة، واخيل ملك الفذيوتيد، وبتروكل صديق اخيل، ونسطور ملك بيلوس، وأوليس ملك اتيكا؛ ومن الطرواديين هكطور وفاريس ابنا فريام ملك طروادة، واينوس حمو فريام الخ. وللآلهة في الإلياذة شأن خطير واثر كبير: فزحل ومنيرقفا مع الإغريق، وابولون والمريخ مع الطراوديين. فهم يدبرون القتال، ويحمون الأبطال، ويتقارعون فيما بينهم انتصارا لطائفة على أخرى. وملخصها أن أبولون سلط الوباء على معسكر الإغريق، فاعمل فيهم منجله انتقاما منهم على سبيهم بنت كاهنة كريريس. ثم جل الخطب بوقوع الخلاف بين اغاممنون واخيل من اجل سبيه نفسها الأول على الثاني فاستأثر بها دونه من غير حق. ولما عجز اخيل الباسل عن الأخذ لنفسه من امير الجيش اعتزال الحرب وهو يكاد ينشق من الغيظ والحنق، فرجحت كفة الطرواديين باعتزاله، وحالفهم النصر منذ استراحوا من قتاله. ودارت الدائرة على الإغريق فجرح ديوميد وأوليس، وأخذ هكطور يحرق أسطولهم وأحدق بهم الخطر من كل جانب. فلما رأى ذلك بتروكل استعار سلاح اخيل وصمد إلى العدو فأجلاه عن موقفه. إلا أن أبولون أسعف الطرواديين فتصدى للبطل فاسقط خوذته ونزع درعه، حتى امكن هكطور ان يضربه الضربة القاضية. وجاء نعى بتروكل إلى صديقه اخيل فسارع إلى الخنادق، وما كادت العيون تأخذه حتى وقع الرعب في قلوب الطرواديين، وسرت الحمية في نفوس الإغريق. فاستخلصوا جثة بتروكل، وشق على اخيل أن يطل دم صديقه، فصالح الزعماء وأزمع قيادة الجيش. وأرسل أمه إلى فلكان اله النار تأتيه منه بسلاح ولامة. فلما تسربل بالحديد خاص المعركة فأوقع بالطرواديين وقذف بهم في نهر الاجزنت، والتقى بهكطور فحمل عليه وقتله، ثم شده إلى مركبته وطاف به مسحوبا على وجهه حول جدران طروادة على مشهد من أسرته الضارعة الحزينة. ثم احتفل بعد ذلك بجنازة بتروكل؛ واوحى اله من الآلهة إلى فريام أبي هكطور ان يذهب إلى اخيل يسأله جثة ولده؟ فذهب الشيخ يسترحم البطل المنتصر، ويتوسل إليه بذكرى أبيه حتى رق له ورد إليه أشلاء القتيل.

أما موضوع الاوذيسة فهو مخاطر أو ليس بعد سقوط طروادة ورجوعه إلى اتيكا بعد أن عوقته عن هذه الأوبة أقدار الإلهة المعادين عشر سنين. وتنقسم هذه الملحمة إلى أربعة وعشرين نشيدا أيضاً، وقعت حوادثها في خلال أربعين يوما، وهي دون الإلياذة في الأسلوب والقوة والجاذبية، حتى كان هذا الاختلاف الشديد دليلا من أدلة الأستاذين الناقدين فيكو الإيطالي، وولف الفرنسي، على أن هاتين الملحمتين ليستا من صنع مؤلف وأحد. وملخصها أن أوليس لدى عودته من حصار طروادة حل عليه غضب نبتون اله البحر فأضله بين جزره وسواحله؛ وطال نزوحه عن وطنه حتى ندبه أهله وبكاه قومه، وحتى جرؤ الطغاة من الأمراء على أن يستبيحوا ذماره ويهلكوا ماله، ويكرهوا بنيلوب زوجه، على أن تختار أحدهم لها بعلا. وغضب تليماك ابن أوليس على حداثة سنه لانتهاك حرمته، وإنتهاب ثروته، وابتذال فنائه؛ فخرج في البحث عن أبيه عند رفاقه من أبطال طروادة، ائتماراً بمشورة الآلهة منيرفا. فذهب إلى نسطور في بيلوس، والى منيلاس في اسبارطة، فقص كل منهما عليه ما كابداه في أوبتهما من الأهوال، ونعيا إليه بتروكل واخيل واغاممنون واجاكس؛ اما أوليس فانهما لا يعلمان شيئا عن مصيره.

وكان أوليس في ذلك الحين أسيراً في جزيرة (اوجيجي) عند الحورية جاليبسو، فظفر بالنجاة على ظهر طوف، ولكن عاصفة هوجاء هبت عليه فقذفت به في ساحل جزيرة (الفياسين) على حالة بين الحياة والموت؛ فاقتاده أهلها إلى ملكهم السينوس، فقص عليه أوليس ما عاناه من الشدائد منذ غادر طروادة، فاعجب الملك بشهامته وفصاحته، واعد له سفينة أقلته إلى اتيكا، فلما وطئت قدمه أرضه تنكر في زي سائل، ونزل عند الشيخ (اوميه) حارس قطعانه؛ واتفق أن رجع تليماك إلى وطنه في ذلك الحين فلقى أباه وعرفه، وأخذ يديران الحيلة معا لهلاك أولئك الأمراء المعتدين بمعونة الخدم المخلصين. وكانت بنيلوب طوال هذه السنين قد نجحت في مماطلة هؤلاء الخطاب الملحفين بان علقت قبولها الخطبة على فراغها من الثوب الذي كانت تنسجه، وهيهات أن تفرغ منه، لأنها كانت تظل النهار كله تنسج فيه، حتى إذا جاء الليل نقضت ما نسجته. فلما طال الزمن وانقطع الرجاء من أوبة الغريب، وكلت الحيلة، وأهلك الخطابة الزرع والضرع، أوشكت ان تذعن لولا أن دخل أوليس متنكرا إلى قصره وفتك بأعدائه، وتعرف إلى زوجه الوفية بنيلوب، وجده الشيخ لابرت، وأخذ يجمع أهبته لمقاومة أهل المقتولين، إلا أن منيرفا حلت في شخص منطور صديق أوليس ومشير تليماك، فضمنت بحكمتها لمملكة اتيكا السلام الدائم والرخاء العميم.

(الزيات)