مجلة الرسالة/العدد 570/الألغاز في الأدب العربي

مجلة الرسالة/العدد 570/الألغاز في الأدب العربي

ملاحظات: بتاريخ: 05 - 06 - 1944



للأستاذ محمود عزت عرفة

(تتمة)

ألغاز منثورة

لم تسلك الألغاز سبيلها إلى النثر الفني كغرض من أغراضه إلا في عصور الأدب المتأخرة عندما انحط الشعر والنثر جميعاً. فخاض الأول مجارى ضحلة من الأفكار والأخيلة والأساليب، وتهافت إلى معان ضئيلة ليس أدل على مبلغ ضؤولتها من أنهم لم يكونوا يصوغونها في أكثر من أبيات لا تتجاوز في تحديدها (البضع)؛ يضمنونها من متكلف التورية ومستكره الطباق والتجنيس ما قد يكون توفر لديهم في لحظات تفكيرهم الآلي، واعتكافهم الطويل على تصيد الألفاظ من معجماتها. فاقتحم النثر على الشعر حرمه وقد زايلته قداسته، وشاركه سائر فنونه وأغراضه. ولم يبق إلا أن يجوس معه خلال مجاهل الألغاز التي حلا لأكثر الشعراء المتأخرين أن يلتاثوا فيها. . . وهكذا نجد الألغاز المنثورة منحصرة في هذا النوع المريض الدنف. . . المتحامل على سندٍ واه من أغراب لفظ، أو لي تركيب، أو تعمية إعراب، أو تصحيف أو تحريف أو عكس أو قلب أو غير ذلك

ومن أمثلته قول الصاحب بن عباد لأبي العباس الحارث في يوم قيظ: ما يقول الشيخ في قلبه؟ أراد قلب (الشيخ) وهو (خيش)

ومن طريف الألغاز المنثورة قول العماد الكاتب للقاضي الفاضل: (سر فلا كبا بك الفرس) فهذا الكلام إذا قوى معكوساً - بالابتداء من آخر أحرف الفرس - حصلنا منه على العبارة بنصها! ويناظره جواب القاضي الفاضل على دعاء العماد بقوله: (دام علا العماد)

ومن رسالة لفضل الله بن عبد الرحمن بن مكانس ملغزاً في الورد: ما عاطل تتحلى به المجالس، ويتفكه به المجالس، تحمر وجناته من الشرب، وتحمد آثاره في البعد والقرب. . . إن حذفت أوله وحرفت باقيه وجدته أمراً بالشراب، وإن فعلت كذلك في ثانيه رأيت ما بقى يؤكد المحبة بين الأصحاب. و (وَرّ) إن حذفت آخره كمن ورَّى، وغص في بحر الفكر على عكس ثلثيه لتستخرج (درا). . .

وكتب بدر الدين بن الدماميني من لغز في (روضة): ما قول مولانا أبقاه الله تعالى. . . في دار ينعم بها الجاني، وتطرب في مرابعها الألحان المغنية عن المثالث والمثاني. . . طالما تحركت بها السواكن وهاجت البلابل، ونهر من سأل عنها فاستعذب نهرها السائل. . . إن عرف لفظها كان علماً لمحل لا يطرقه محل، ولا ينكر تأنيثه فحل. يحدث المصري بحلاوته، ويخبر عن لطفه وطلاوته. وإلا فعلم على جملة يعرفها الطالب ويستحسن ارتكاب المهالك لينال ما فيها من المطالب. قد فتحت لأرباب المقاصد أبوابها، ومنحت الأفهام الضالة هديها وصوابها. . . الخ

ونحن لا نطيل بإيراد الأمثلة من هذا الباب وإنما نترك للقارئ أن يطلب المزيد منها - إن شاء الله - في مظانها ومواطن طلبها من مجاميع الأدب المتأخرة. . .

تتمة في الملغزين وبعض تصانيفهم

نختم هذا البحث بذكر بعض من كانت لهم شهرة الاختصاص بالألغاز وسمة البراعة والحذق فيها، دون من ألموا بها غير مكثرين، في أشعارهم أو تصانيفهم، كأكثر الذين أشرنا إليهم. فمن برزوا في هذا الفن: الحسين بن علي المعروف بالنديم قال ياقوت: (كان أديباً كاتباً شاعراً له اليد الطولى في حل الألغاز العويصة)، ومن طريف أمره أنهم وضعوا له أبياتاً على صورة الألغاز ولم يلغزوا فيها - يختبرون بذلك فطنته - فقالوا له:

وما شئ له في الرأس رجلٌ ... وموضع وجهه منه قفاه

إذا غمَّضت عينك أبصرته ... وإن فتحت عينك لا تراه

ونظموا له أيضاً:

وجارٍ وهو تيار ... ضعيف العقل خوار

بلا لحم ولا ريش ... وهو في الرمز طيار

بطبع بارد جداً ... ولكن كله نار

فقال عن الأول إنه طيف الخيال وعن الثاني إنه الزئبق؛ وعلل إجابته في ذلك بكلام مقنع!

وبرع في هذا الفن أيضاً محمد بن أحمد الهاشمي الملقب أبي العبر، له فيه طرائف أورد ياقوت كثيراً منها في معجمه وذكر أيضاً عن محمد بن سعيد الموصلي أنه كان (ذكياً فهماً إماماً في استخراج المعمي والعروض)، ووصف ابن عنين الدمشقي بقوله: (لغوي أديب. .

برع في الشعر وحل الألغاز)

وممن اشتهر بالألغاز في مصر تاج الدين محمد بن أحمد الدشنائي (646 - 722). ذكره تلميذه كمال الدين الأدفوى في الطالع السعيد فقال: (كان لشيخنا تاج الدين يدٌ جيدة في نظم الألغاز والأحاجي وحلها) ثم أورد بعض ألغازه شعراً. وتحدث أيضاً عن الشريف فتح الدين علي بن محمد القنائي (المتوفي سنة 708) فقال: (وله يد عليا في حل الألغاز وله فيها نظم كثير. كان شيخنا تاج الدين الدشنائي يكتب إليه بالألغاز ويحلها، وكذلك علم الدين يوسف بن أبي المنا) وذكر عن هذا الأخير - وقد توفى عام 728هـ - أنه كان ذا (معرفة جيدة بحل الألغاز والأحاجي، ونظم فيها أشياء كثيرة) ثم أورد له شيئاً من كلامه

وممن لهم تصانيف في الألغاز أشارت إليها المصادر الأديبة - وإن لم يصلنا أكثرها -: ثابت بن قرة مؤلف رسالة السبب الذي لأجله ألغز الناس في كلامهم؛ وأبو الحسن بن كيسان النحوي صاحب كتاب (المعمى)؛ ومحمد بن أحمد ابن طباطبا صاحب كتاب المدخل في معرفة المعمى من الشعر؛ ومحمد بن أحمد الكاتب المعروف بالمفجع، وله كتاب: الترجمان في الشعر ومعانيه، يشتمل على ثلاثة عشر حداً آخرها حد للغز. وللحسن بن أسد الفارقي كتاب في الألغاز؛ والزمخشري صاحب الكشاف وأساس البلاغة معروف أيضاً بكتابه: الأحاجي النحوية. وقد قام الإمام السخاوي (أبو الحسن علي ابن محمد) بشرح هذا الكتاب. قال السيوطي في بغية الوعاة: وله من التصانيف - يعني السخاوي - شرح أحاجي الزمخشري النحوية، من أجل الكتب في موضوعه، والتزم أن يعقب كل أحجيتين للزمخشري بلغزين من نظمه

إلى هنا نقف الحديث. ونحن لا نحاول أن نستوعب أو تستقصي في مثل هذا المبحث المستفيض؛ وإنما نضع أمام القارئ خلاصة نرجو أن تكون وافية ملمة من الموضوع بأكثر أطرافه. . .

(جرجا)

محمود عزت عرفة