مجلة الرسالة/العدد 58/ثمالة كأس

مجلة الرسالة/العدد 58/ثمالة كأس

ملاحظات: بتاريخ: 13 - 08 - 1934



للأستاذ فخري أبو السعود

بقية أيام تَقَضَّى كثيرها ... بنعماَء أو بأساَء والعيش قُلَّبُ

غدوتُ أقضِّيها بأرضِ عَلقْتهاَ ... وطاب بها لي مستراد ومذهب

وطاب اجتلاء الحسن بين شعابها ... أشرِّق فيها تارة وأغرِّب

تَبَسَّمُ أحياناً فيعذب بِشْرُها ... ولستُ بِخاَشً سُخْطَهَا إذ تُقَطَّب

بها مُسَتجَمُّ للجسوم ومتعة ... وَرِىُّ وللنفس الشجية مهرب

إذا ما سقاها الغيث صفىَّ أديمها ... ونقَّى ثراها حيثما يتصبب

قرفَّ بها عشب وشفَّ بها صفاً ... وماد بها غصن ندىُّ مُرَطَّبُ

وفاح بها عطر ورقَّت نسائم ... وتاه على البلور قاعٌ ومَشْعَب

فكم ثَمَّ من حُسن نثير منظَّم ... وشِعْرٍ إلِهيّ هنالك يُكتب

على هَامهَا حيناً وفي وهَدَاتِها ... أُصَعَّدُ في جنح الدجى وأُصَوِّبُ

وفي نشوة الآصال أو يقظة الضحى ... وعند شروق الشمس أو حين تغرب

فكم ليلة قد جَمَّدَ البردُ ماَءها ... بأحشائها أقبلت لا أتهيَّب

وقد عَوتِ الأرواحُ فيها وأطفأتْ ... مصابيحها لم يَبْد ثمَّتَ كوكب

وكم مَشْرِقٍ بادرته في طلوعه ... ومازال ماء المزن في الغصن يضرب

وقد عظَّ أهلوها وَأقبلتُ مِثْلَ مَنْ ... له عند قرص الشمس في الأفقْ مأرب

يُنَقِّطُنى غصُن بُمنْهَلَّ قَطْرِهِ ... ويعبق من حولي نسيمُ ويلعب

صَحَابي هاتيك الشِّعابُ أَلِفْنَني ... ويعرفه خطوى حيثما رُحْتُ أدأَب

لقد آذنتْ بالبين صُحبتنا سوى ... ثمالة كأس عن قليل ستنضب

أُبَا كِرُها صَفْواً وأَعْلّمُ موقنا ... بأن ثَّماَلَ الكأس أشْهَى وَأطيَبُ

سأذكرها يوماً فَأَحْمَدُ عَهْدَها ... وأَهفُو إليها مستهامًاَ وأَطرب

فخري أبو السعود