مجلة الرسالة/العدد 594/القضايا الكبرى في الإسلام

مجلة الرسالة/العدد 594/القضايا الكبرى في الإسلام

مجلة الرسالة - العدد 594
القضايا الكبرى في الإسلام
ملاحظات: بتاريخ: 20 - 11 - 1944


10 - القضايا الكبرى في الإسلام

قضية فدك

للأستاذعبد المتعال الصعيدي

تمتاز قضية فدك على سائر القضايا الإسلامية بتدخل السياسة فيها، وما دخلت السياسة في أمر من الأمور إلا جعلته عرضة للاضطراب والتقلب. ولو أن السلطة القضائية انفردت بالحكم في هذه القضية لكان لحكمها فيها قداسته واستقراره، ولم تقع فيه تلك التقلبات التي استمرت حوالي قرنين من الزمان

وفدك بلدة بينها وبين المدينة ثلاث مراحل، وكان أهلها من اليهود، فلما فتحت خيبر أرسل أهل فدك يطلبون من النبي الأمان على أن يتركوا بلدهم ويرحلوا ففعل، وبهذا كانت فدك خاصة للنبي ، لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فكان ينفق منها ويأكل، ويعود على فقراء بني هاشم، ويزوج أيمهم، وينفق على أبناء السبيل ونحوهم

وكان للنبي غير فدك سهمه من خيبر، وصدقته بالمدينة، فأما سهمه من خيبر؛ فأنه كان قد قسمه نصفين: نصفها لنوائبه وحاجته، ونصفها بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهماً. وأما صدقته بالمدينة فقيل أنها كانت نخل بني النضير، أفاءها الله على رسوله فأعطى أكثرها للمهاجرين، وبقي منها له هذه الصدقة. وقيل أنها كانت أموال مخيريق من يهود بني قينقاع، وكان نازلا ببني النضير. وقد شهد أحداً مع النبي . وقال: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله

فلما مات النبي تولى بعده أبو بكر رضي الله عنه، آتته فاطمة رضي الله عنها فقالت له: إن رسول الله جعل لي فدك فأعطني إياه، وشهد لها علي بن أبي طالب، فسألها شاهداً آخر، فشهدت لها أم أيمن. فقال لها أبو بكر: قد علمت يا بنت رسول الله أنه لا تجوز إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وقيل أنها قالت لأبي بكر: أعطني فدك؛ فقد جعلها رسول الله لي. فسألها البينة، فجاءت بأم أيمن ورباح مولى النبي فشهدا لها بذلك، فقال لها: إن هذا الأمر لا تجوز فيه إلا شهادة رجل وامرأتين. ولا يقتصر الاضطراب في هذه القضية ع هاتين الروايتين، فقدري أيضاً أن فاطمة سألت أباها أن يهب لها فدك فأبى

وهناك روايات أُخرى تؤيد الرواية الثالثة، وتجعل قضية فدك قضية ميراث لا قضية هبة، فقد روي البخاري أن فاطمة والعباس عليهما السلام أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ، وهما حينئذ يطلبان أراضيهما من فدك وسهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال، ثم قال: والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله يصنعه فيه إلا صنعته. فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت

وروي البلاذري أن فاطمة بنت رسول الله أتت أبا بكر فقالت له: من يرثك إذا مت؟ فقال: ولدي وأهلي. فقالت: فما بالك ورثت رسول الله دوننا؟ فقال: يا بنت رسول الله، والله ما ورثت أباك ذهباً ولا فضة ولا كذا ولا كذا. فقالت: سهمنا بخيبر، وصدقتنا فدك، فقال. يا بنت رسول الله سمعت رسول الله يقول: إنما هي طعمة أطعمنيها الله حياتي، فإذا مت فهي بين المسلمين، وروي البلاذري أيضاً أن أزواج النبي أرسلن عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألنه مواريثهن من سهم رسول الله بخيبر وفدك، فقالت لهن عائشة: أما تتقين الله، أما سمعتن رسول الله يقول: لا نورث ما تركنا صدقة، إنما هذا المال لآل محمد، لنائبتهم وضيفهم، فإذا مت فهو إلى ولي الأمر بعدي. فأمسكن عن طلب ذلك منه. وقد مضى الأمر على هذا مدة ولاية أبي بكر، ولم يسلم له حكمه في ذلك إلا أزواج النبي . أما فاطمة وزوجها علي وعمه العباس فلم يسلموا له هذا الحكم وتمسكوا بحقهم في ذلك الإرث. ولا شيء في أن تغضب فاطمة مع احتجاج أبي بكر بذلك الحديث السابق، وهي أولى الناس بالخضوع لحديث أبيها، فلعلها قام بنفسها أنها كانت أولى الناس بمعرفة هذا الحديث، لأنها صاحبة الحق في الإرث، ولم يكن هناك ما يمنعها أن تسمعه كما سمعه أبو بكر. وقد قالوا في تسويغ ذلك أنها كانت تعتقد تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله - لا نورث - ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن يورث عنه. وروي بعضهم أن أبا بكر عاد فاطمة في مرضها، فقال لها علي: هذا أبو بكر يستأذن عليك. قالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم. فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتى رضيت، ولكنها رواية مرسلة لا تقوى على معارضة ما سبق من أنها ماتت وهي مغاضبة له

وقالوا أيضاً في حكمة أن الأنبياء لا يورثون: إن الله بعثهم مبلغين رسالته، وأمرهم إلا يأخذوا على ذلك أجراً، كما قال تعالى (قل لا أسألكم عليه أجراً) وقال نوح وهود وغيرهما نحو ذلك، فكانت الحكمة في ألا يورثوا لئلا يظن انهم جمعوا المال لوارثهم

ومن الشيعة من يروي الحديث بنصب - صدقة - على أنه حال، فلا يفيد نفي إرثه على الإطلاق، وقد رد عليهم بأن أبا بكر احتج بهذا الحديث على فاطمة فيما التمست منه مما خلفه النبي من الأراضي؛ وهما من أفصح الفصحاء وأعلمهمبمدلولات الألفاظ، ولو كان أمر هذا الحديث كما ذكره بعض الشيعة لم يكن فيما احتج به أبو بكر حجة، ولم يكن جوابه مطابقاً لسؤالها، ومما يؤيد أنه بالرفع ما ورد في بعض طرقه - ما تركناه فهو صدقة - ولا شك أن هذا ليس بقاطع في رد ما ذكره بعض الشيعة، لأن فاطمة لم تقتنع باحتجاج أبي بكر، فيجوز أن يكون قد فهم الحديث كما يفهمه أهل السنة على أنه بالرفع، ويجوز أن تكون قد فهمت الحديث كما يفهمه الشيعة على أنه بالنصب، وأما رواية ما تركناه فهو صدقة فيجوز أن تكون مروية بالمعنى ممن فهم الحديث كما يفهمه أهل السنة

وهنا أمر لم ينتبه إليه أحد في هذه القضية، وهو في الحقيقة السبب في أن فاطمة لم تخضع لحكم أبي بكر، وفي أن ورثتها من بعدها لم يخضعوا له أيضاً، وهذا الأمر هو أن أبا بكر في هذه القضية كان خصماً وحكماً، والخصم في قضية من القضايا لا يصح أن يكون حكماً فيها، وكان الواجب أن تعرض هذه القضية على بعض كبار الصحابة ليحكم فيها بين أبي بكر وفاطمة، نزولا على ما هو الواجب من الفصل بين السلطتين، حتى يكون حكم القضاء نافذاً في الحاكم والمحكوم، ولا يكون لأحد وجه في أن يقف منه هذا الموقف الذي كان من فاطمة وورثتها من بعدها

وقد مكثت هذه القضية على هذا الوضع مدة خلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، ثم أتى علي والعباس عمر فطلب منه على نصيب امرأته من أبيها، وطلب منه العباس نصيبه من ابن أخيه، فدفع عمر إليهما صدقة النبي بالمدينة، وأمسك خيبر وفدك، وقال: هما صدقة رسول الله ، كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر. وقد أخذ عمر عليهما عهد الله وميثاقه ليعملان في الصدقة التي دفعها أليهما بما عمل فيها رسول الله ، وبما عمل فيها أبو بكر، وبما عمل هو فيها إلى أن دفعها أليهما، فكانا بذلك نائبين عنه في النظر عليها. وقد اختلف علي والعباس بعد ذلك فيها، فأتيا عمر وطلبا منه أن يقسمها بينهما، فأبى أن يقضي فيها بغير ما قضي به، وطلب منهما أن يدفعاها إليه أن عجزاً عنها

ولكن علياً غلب العباس بعد ذلك على هذه الصدقة، ثم كانت بعده بيد الحسن، ثم بيد الحسين، ثم بيد علي بن الحسين والحسن بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسن، ثم كانت بيد عبد الله بن حسن، ثم ولي بنو العباس فقبضوها، وغلبوا أبناء علي عليها، وكان من يتولى منهم يولي عليها من قبله من يقبضها ويفرقها في أهل الحاجة من أهل المدينة، ومكث الأمر فيها على ذلك إلى رأس المائتين من الهجرة، ثم تغيرت الأمور فيها بعد ذلك، وزالت الأوضاع فيها عما كانت عليه إلى ذلك العهد

وأما سهم النبي من خيبر وفدك فقد مكث بيد أبي بكر وعمر مدة خلافتهما، وكانا يقدمان منه نفقة نساء النبي وغيرها مما كان يصرف منه، وما فضل بعد ذلك يجعلانه في المصالح، ثم اختلف في أمره بعدهما، فقيل أن عثمان بن عفان أقطع فدك مروان بن الحكم، لأنه رأى أن الذي يختص بالنبي يكون للخليفة بعده، فاستغنى عن فدك بأمواله ووصل بها مروان بن الحكم: وقيل أن الذي أقطعها مروان بن الحكم معاوية بن أبي سفيان، فوهبها مروان لأبنيه عبد العزيز وعبد الملك، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز وللوليد وسليمان بن عبد الملك، فلما ولي الوليد سأله عمر حصته منها فوهبها له، ثم سأل سليمان حصته منها فوهبها له أيضاً، فاستجمعها كلها في يده، وكانت أحب أمواله إليه. فلما ولي الأمر بعد سليمان جمع بني مروان فأشهدهم على أنه ردها إلى ما كانت عليه مدة النبي والخلفاء الراشدين

فلما كانت سنة عشر ومائتين أمر المأمون بدفعها إلى ولد فاطمة رضي الله عنها، وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة: أما بعد، فإن أمير المؤمنين بمكانه من دين الله، وخلافة رسوله ، والقرابة به، أولى من استن سنته، ونفذ أمره، وسلم لمن منحه وتصدق عليه بصدقة منحته وصدقته، وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته، وإليه في العمل بما يقربه إليه رغبته، وقد كان رسول الله أعطى فاطمة بنت رسول الله فدك، وتصدق بها عليها، وكان ذلك أمراً ظاهراً معروفاً، لا اختلاف فيه بين آل رسول الله ، ولم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدق عليه، فرأى أمير المؤمنين أن يردها إلى ورثتها ويسلمها إليهم، تقرباً إلى الله تعالى بإقامة حقه وعدله، والى رسول الله بتنفيذ أمره وصدقته، فأمر بإثبات ذلك في دواوينه، والكتاب به إلى عماله، فلقد كان ينادي في كل موسم بعد أن قبض الله نبيه أن يذكر كل من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك، فيقبل قوله وينفذ عدته، أن فاطمة رضي الله عنها لأولى بأن يصدق قولها فيما جعل رسول الله لها. وقد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله ، بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها، وما فيها من الرقيق والغلات وغير ذلك، وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لتولية أمير المؤمنين إياهما القيام بها لأهلها، فاعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين، وما ألهمه الله من طاعته، ووفقه له من التقرب إليه، والى رسوله ، وأعلمه من قبلك، وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله بما كانت تعامل به المبارك الطبري، وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ووفور غلاتها أن شاء الله، والسلام - وكتب يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة عشر ومائتين

وقد مكثت فدك بعد هذا لآل فاطمة إلى أن ولي المتوكل على الله، وكان يعادي آل فاطمة عداء شديداً، فأمر برد فدك إلى ما كانت عليه قبل المأمون

عبد المتعال الصعيدي