مجلة الرسالة/العدد 60/القصص

مجلة الرسالة/العدد 60/القصص

ملاحظات: بتاريخ: 27 - 08 - 1934



القابلة

للأستاذ محمود خيرت

تقيم تلك القابلة مدام دوبوا في ركن عند ملتقى شارع سان لازاك وشارع روشفوكولد حيث كتبت اسمها على باب منزلها بخط كبير.

وهذا المنزل أو تلك (العيادة) التي لا تقتصر في اريس على مساعدة الحاملات عند وضعهن. . . لا تجرؤ الفقيرات على الدنوّ منها، لأن مدام دوبوا تشتطّ في الأجر فلا تستقبل فيها إلا طبقة السيدات الغنية التي ترى في الحمل عبثاً ثقيلاً.

وفي ذات يوم نزلت من العربة أمام تلك الدار فتاة رشيقة ثم صعدت إلى الطابق الثاني. وبعد أن استقبلتها الخادمة وأدخلتها عند سيدتها أخذت هذه تطيل النظر فيها كأنها تستطلع أمرها، لأن الزائرة كانت مع حسنها وصباها يشق جبينها من وقت لآخر خط ينم عن تفكيرها وتكتّمها حالتها.

على أن القابلة لم يخْفَ عليها من أول نظرة أن هذه الفتاة حامل، ولكنها مع ذلك تجاهلت أمرها، وسألتها عن سبب زيارتها وقد عادت إليها حالتها العصبية السالفة:

(لقد اقتضى مجيئي إليك كثيراً من الشجاعة يا سيدتي لأنني لم يعد في وسعي الأحجام بعد ذلك الصبر الطويل الذي غلبني. بل إنني لا أدري كيف قدرت على كتمان أمري إلى الآن. لذلك قصدتك وأنا أرجو السلامة على يديك فما أنا بذات بعل ولا أنا مخطوبة، حتى إنني لأخشى أن يفتضح أمري فيلحقني العار ويلحق بأهلي)

وعند ذلك عادت القابلة تسألها: لماذا لم توحي لأمك بذلك فلعلها كانت تهيئ لك أسباب السفر إلى مكان قصي تضعين فيه حملك. ولكنها كانت يتيمة من أمها، وما كانت لتجد شجاعة على مكاشفة أبيها بأمرها وإن كان يحبها ويُعزّها خشية أن تنغص حياته وتكدر صفوه.

وقد علمت منها القابلة أن عشيقها مات قبل أن تشعر بهذا الحمل الذي مضى عليه أربعة شهور، فلامتها على إهمالها شأن نفسها إلى تلك اللحظة قائلة إنها لو كانت قصدتها قبل ذلك فربما كانت وُفّقت إلى الأخذ بيدها. أما بعد هذه المدة الطويلة. . .

وعند ذلك سقطت الفتاة باكية عند قدميها تستصرخها وتتوسل إليها صائحة: أنقذيني يا سيدتي فإنك قديرة على ذلك. على أنني ما قصدتك إلا بعد أن هدتني إليك إحدى صاحباتي.

أما القابلة فتجاهلت تلك الصاحبة قائلة إنها ما أقدمت مرة على عمل ممقوت كهذا، فأخذت الفتاة تنوح وتستعطفها وتنشد مروءتها إن لم يكن إكراماً لتلك الصاحبة فشفقةً بها، ثم قالت إنني لن أبخل بما تطلبين، وأقسم لك أيضاً أنني لا أخرج من هنا إلا صمّاء فلن يعرف أحد شيئاً من أمرك وأمري.

ولقد هدّأت هذه الأقوال من روع القابلة سيما بعد أن اطمأنت على أجرها، ولذلك قالت لها إني أعرف هنا جرّاحاً شهيراً في وسعه أن يخلصك من هذا الحمل بغير عناء ما دمت تدفعين له ما يطلب، ولكنه لا يقبل أقل من ثلاثة آلاف فرنك. فلما قبلت المسكينة أوصتها بالعودة إليها في صباح اليوم التالي.

وفي الموعد وقفت عربة الدكتور تيسو عند باب منزل خلوي كان يعدّه لعملياته الجراحية المحرمة. وكان قد علم من القابلة بأمر هذه الفتاة وأنها جاءت كما أوصتها، وناولته الأجر الذي اتفقت معها عليه. وعند ذلك سألها ما إذا كانت قد عرفت من هي أو من هم أهلها، فقالت له إنها لم تشأ أن تذكر لها شيئاً من ذلك، ولكنها سلمتها خطاباً أوصتها أن لا تفضه إلا إذا كتب لها أن تموت لا قدر الله.

وعند ذلك هز الطبيب كتفيه ثم قصد إلى معمله قائلاً، إذهبي أنت فخدريها بينما أغسل أنا يدي وأعقم سلاحي.

وبعد لحظة كان الطبيب بغرفة العملية، والفتاة نائمة عارية إلا أن وجهها كان مختفياً تحت حجاب المخدر.

وعند ذلك شرع في عمله بغير شفقة على هذا الشباب المنطرح أمامه، ولكنه فوجئ بمضاعفاتأخطأ حسابها، وقطع القطن تتساقط من يديه فوق الأرض وقد صبغها الدم بينما القابلة تراقب تأثير المخدّر في ضربات القلب، وكان قد مضى على بدء العملية عشرون دقيقة. غير أنه صاح فجأة: ما هذا؟ لقد ثقبت الجدار. فصرخت شريكته، إذن هلكنا.

ولقد اضطر الطبيب إلى اتباع آخر وسيلة كانت أمله الأخير فأخذ يقتطع من لحم الفتاة، والغضب والاضطراب باديان على وجهه ولكن القابلة صاحت فجأة صيحة مزعجة: لقد وقف قلبها. ماذا تعمل الآن. وكيف ندفع عنا شر هذه الخاتمة المشئومة. ثم أخذت تستر جسم الفتاة بغير أن تنزع عن وجهها ذلك القناع.

أما هو فبعد أن غسل يديه كما يغسل القاتل يديه من دم قتيله صاح: كيف حصل هذا؟ وما عسى أن نفعل بعد ذلك؟ لقد قضى الآن علي وعلى اسمي وشهرتي، وابنتي التي تعلم أنني رجل شريف ماذا يكون الآن حكمها عليّ؟ ثم تحقيق النيابة ثم محكمة الجنايات. . اسمعي يا دوبو: قولي إذا سئلت أنها لم تكن حاملاً وأنها. . ولكن القابلة أفهمته أنه لن يصدّقها أحد ثم ذكرته بأهلها الذين قد لا يسكتون أيضاً. وعند ذلك تضاعف يأسه وتذكر ذلك الخطاب الذي نوهت له به فطلبه منها لعله يهتدي منه إلى مكان أهل الفتاة، وربما إذا غمرهم بالمال اكتفوا ووقفوا عن الشكوى.

ولكن ما كادت تقع عيناه عليه وأصابعه ترتجف وعرقه يتصبب حتى صرخ صرخة دوت لها الغرفة ثم أسرع فنزع ذلك القناع، فإذا بتلك الفتاة ليزا ابنته!

ولا تسل بعد ذلك عما حلّ به فقد أخذ يلطم خديه ويدق صدره ويدفع رأسه دفعاً شديداً في الحائط كمن جُنّ. وأخيراً جحظت عيناه فأخذ مبضعاً قريباً منه وغيبه في صدره حيث سقط ميتاً بعد أن جر ابنته إلى جانبه عند سقوطه.

محمود خيرت