مجلة الرسالة/العدد 617/القصص

مجلة الرسالة/العدد 617/القصص

ملاحظات: المارسلييز Марсельеза هي قصة قصيرة بقلم ليونيد أندرييف نشرت عام 1905. نشرت هذه الترجمة في العدد 617 من مجلة الرسالة الذي صدر بتاريخ 30 أبريل 1945



المارسلييز

للقصصي الروسي ليوفيداندرييف

ترجمة الأستاذ شكري محمد عياد

كان نكرة؛ له روح أرنب واستسلام دابة. وعندما رماه القدر بسخريته اللئيمة بين صفوفنا السود، ضحكنا كالمجانين حين فكرنا أن مثل هذه الأخطاء الشنيعة الفاحشة ترتكب حقاً. أما هو فقد بكى. وما رأيت قط رجلاً تهمي من عينيه الدموع بهذا اليسر والوفرة. كانت تسيل من عينيه وأنفه وفمه، كان أشبه بإسفنجة غمست في الماء ثم اعتصرت. ولقد رأيت في صفوفنا رجالاً يبكون، ولكن دموعهم كانت ناراً تجفل منها الوحوش الضارية. كانت تلك الدموع الجبارة تسرع بالوجوه إلى الهرم ولكنها ترد العيون شابة من جديد. كانت أشبه باللابة المنطقة من أحشاء الأرض الملتهبة، تترك على سطح الأرض آثار الحريق، وتدفن تحتها مدناً بأسرها من الخدع الحقيرة والهموم التافهة. أما هذا الفتى حين يبكي لا يحمر أنفه ويبتل منديله؛ ولعله كان يعلق مناديله صفاً لتجف؛ فقد كنت أسائل نفسي أبي له كل تلك المناديل؟

كان طيلة عهد النفي يلجأ إلى ذوي السلطان الحقيقي أو الموهوم، ينحني ويبكي ويحلف أنه برئ، ويتوسل إليهم أن يرحموا شبابه، ويعاهدهم ألا يفتح فاه طوال عمره إلا ضارعاً أو شاكراً. ولكنهم كانوا يضحكون منه كما كنا نفعل، ويسمونه (الخنزير الصغير الحقير)، وينادونه: تعال يا خنزير! فيهرع إليهم خاضعاً، راجياً في كل مرة أن يسمع نبأ عودته إلى وطنه ولكنهم كانوا يهزلون. كانوا يعلمون مثلنا أنه برئ، غير أنهم يظنون إذ يعذبونه أنهم يرهبون غيره من الخنازير الصغيرة، كأن هذه الخنازير الصغيرة في حاجة إلى مزيد من الخور. ولقد يأتي إلينا يدفعه فزع حيواني من الوحدة، ولكن وجوهنا كانت صلبة لا تلين، وكانت مغلقة من دونه، وعبثاً كان يبحث عن المفتاح؛ فإذا حار في أمره دعانا رفاقه وأصدقاءه، ولكنا نهز رؤوسنا ونقول:

- حذار! قد يسمعك أحد! فلا يخجل الخنزير الصغير أن يلتفت إلى الباب!

أكنا نستطيع عندئذ أن نمنع أنفسنا من الضحك؟ كلا، لقد كنا نضحك بأفواه ألفت الضحك منذ عهد بعيد. ثم يشجع ويهدأ، ويقرب مجلسه منا، ويحدثنا، ويبكي كتبه العزيزة التي خلفها على المنضدة، وأمه واخوته الصغار، الذين لا يدري أأحياء هم أم أهلكهم الروع والأسى.

أبينا قرب النهاية أن نتصل به. ولما بدأ الإضراب عن الطعام أصابه الفزع، فزع مضحك لا سبيل إلى وصفه. وكان من الجلي أن الخنزير الصغير المسكين نهم تلقامة، وكان شديد الخوف من رفاقه ومن السلطات أيضاً. فجعل يهيم بيننا جزعاً، يمسح بمنديله جبينه الذي نضج عليه شيء لا أدري أهو الدمع أم العرق ثم سألني متردداً:

- هل ستضربون طويلاً عن الطعام؟

فأجبته بغلظة:

- سنضرب طويلاً.

- أو لا تأكلون أي شيء خفية؟

فأجبته بجد وكأني أوافقه:

- سترسل إلينا أمهاتنا الفطائر.

فنظر إلي مرتاباً، وأومأ برأسه وذهب وهو يتبهد.

وفي اليوم التالي أجاب وقد أخضر لونه من الجوع فصار كلون الببغاء:

- أيها الرفاق الأعزاء! إني سأصوم معكم.

- فأجبناه بصوت واحد: صم وحدك!

ولقد صام! لم نصدق ذلك كما أنك لن تصدقه. فظننا أنه يأكل بعض الأشياء خفية، وكذلك ظن حراسنا. فلما أصابه تيفوس المجاعة في أخريات الإضراب عززنا أكتافنا وقلنا:

- يا للخنزير الصغير المسكين!

ولكن واحداً منا - ذلك الذي لم يضحك قط - قال واجماً:

- إنه رفيقنا. فلنذهب إليه.

كان يهذي وكان هذيانه المضطرب يثير الإشفاق كما كانت حياته كلها. كان يتكلم عن كتبه العزيزة، وعن أمه واخوته، كان يطلب حلوى، حلوى باردة كالثلج، حلوى لذيذة. وأقسم أنه برئ، وسأل العفو، ونادى فرنسا وطنه العزيز. ويا لضعف القلب الإنساني! لقد مزق قلوبنا بصيحته: يا عزيزتي فرنسا!

كنا جميعاً في الحجرة وهو راقد يموت. وأسترد وعيه قبل الموت، ورقد صامتاً ضعيفاً، ووقفنا نحن رفاقه صامتين. وسمعناه نحن جميعاً يقول:

- غنوا على المارسلييز حين أموت.

فصحنا وقد انتهبنا مزيج من الفرح والغضب المثار.

- ماذا تقول؟

فردد. غنوا على المارسلييز حين أموت.

ولقد كانت عيناه جافتين للمرة الأولى، ولكننا بكينا، بكينا جميعاً. وكانت دموعنا ملتهبة كالنار التي تجفل منها ضاربات الوحوش.

مات. وغنينا عليه المارسلييز. كنا نغني هذه الأغنية العظيمة - أغنية الحرية - بأصوات ظامئة شابة، والمحيط يرددها متوعداً، وأواذى الموج تحمل إلى وطنه العزيز فرنسا فزعاً شاحباً وأملاً فانياً.

أصبح إلى الأبد شعارنا ذلك النكرة، بجسمه الذي يشبه أرنباً أو دابة، وبروحه الإنساني العظيم! ركوعاً أيها الرفاق والأصدقاء!

كنا نغني! وكانت البنادق مصوبة إلينا، وأقفالها ترن منذرة، وأسنة الحراب موجهة إلى صدورنا تهدد، ولكن الأغنية المتوعدة ظلت تدوي عالياً عالياً، والتابوت الأسود يتأرجح في أكف عماليق.

كنا نغني المارسلييز!

شكري محمد عياد