مجلة الرسالة/العدد 625/القصص

مجلة الرسالة/العدد 625/القصص

ملاحظات: بتاريخ: 25 - 06 - 1945



الدميم. . .

للأستاذ حبيب الزحلاوي

- 2 -

ألقت الباخرة (إيجبتو) مراسيها، وأخذ الركاب يتزاحمون ويلتفون حول الضابط المكلف بالتأشير على الجوازات، هذا يتوسل، وذاك يطلب، وذلك يتضرع، وهذه تتدلل، وتلك تغمز الضابط نستحثه التأشير على الجواز، أي السماح بالدخول إلى جزيرة (الورد) كما يسميها التليان.

لا بد من الانتظار الطويل ريثما ينتهي الضابط من أسئلة سخيفة كان يخص بها السيدات الجميلات.

اقتعدت مقعداً بعيداً عن الزحمة أنتظر دوري، وإذا برجل يقترب مني ويقول: إنه مصري مثلي جاء ليقضي فترة من إجازة الصيف في هذه الجزيرة التي قرأ وصفاً لها في الصحف فخال أنها قطعة من جنات عدن، وإنه ما جاء إلا منساقاً بفعل الدعاية التي أحدثتها الصحافة في نفسه، في حين أنه ألف الاصطياف في مدن (الكوت دازير) وأخذ يتكلم عن مصايف فرنسا وسويسرا وإيطاليا وألمانيا بلهجة حارة ولفظ عذب وعبارات مختارة من صحيح اللغة، وكان يدعوني صديقه.

نظرت إلى وجه هذا الرجل الذي طرح عليّ صداقته فإذا به يمثل الدمامة بله البشاعة خير تمثيل: أعمش، أمرط الحاجبين، أصلع، في جبينه وعلى خديه ندوب الجدري، وفي عنقه أخدود من أثر جراحة؛ وهو فوق هذا أستاذ علم الزراعة في الجامعة يحمل شهادة دكتور. . . وقد أدهشني عندما قال لي بأنه في الرابعة والثلاثين من عمره وقد كنت أظن أنه أكثر من ذلك.

لقد سحرني هذا الدميم بعذب حديثه وطيب بيانه وحسن اطلاعه فانقدت إليه. فذهبنا بعد أن تركنا الباخرة إلى أول فندق رضينا به اعتباطاً وقد أشر الضابط السمج على جوازي سفرنا.

ارتاحت نفسي إلى صداقة هذا الدميم لأن فيه من جمال الصفات الروحية والخلقية ما يستر تلك البشاعة الواضحة المنكرة؛ ولأن خفة ظله، وحضور ذهنه، وبراعته في التنكيت تلقي ستاراً على دمامته المنفرة.

اسمع يا صاحبي، أحسب أن المشوه كالأحدب والمخلع والأعرج وكل ذي عاهة يعتقد أنك ستسخر منه فيبادرك بسخرية مؤلمة. والظريف في أصحاب هذه العاهات أن البارع منهم يمزج سخريته بالابتسام والضحك وبذلك يبطن الانتقام بالمرح.

كنت ألقى صاحبي الدميم في الصباح على مائدة الطعام، ثم ننتحي ناحية في بستان أو حرج بعيدين عن الناس وضوضائهم لنقرأ؛ وكان رفيقي ولوعاً مثلي بقراءة الكتب، ثم نعود فنجتمع فنتحدث فيما قرأنا.

لم أسمع من صديقي هذا حديثاً يخرج عن دائرة الكتب أو أسماء مؤلفين. ومن غريب أطوار هذا الدكتور الجامعي أنه يقرأ الأدب ويتذوقه؛ وله في أدبائنا المعاصرين نظرات صائبات؛ وله آراء في كلية الآداب أسكت عن ذكرها، ولكنه يجهل الحياة بجهله المرأة. وقد قال لي: أنه لا يعرفها ويهرب منها لأنها هبة الشيطان، وعصا إبليس، وسم الحية، وأنه ما من رجل يطاوع هواه ويساير شهوته فيقترب من امرأة إلا وهو ضعيف العقل ملموس من خبال الغريزة!؟

ضحكت في سري من ضلال هذا الرأي وانتحلت لصديقي عذراً في إبدائه على هذا النمط المخالف لسنة الطبيعة وقدرت ظروفه الخاصة التي جعلته ينفر من المرأة ويتجنى في الحكم عليها، ولم يعد الحديث عنها يدور لنا على لسان.

أخذت الوحشة من الوحدة يدب دبيبها في نفسي، والسأم يرين عليها من هذه البلدة الصغيرة الخالية من وسائل التسلية، والتي لا أنيس لي فيها ولا سمير سوى الكتاب وصديقي الجامعي اللطيف.

كل ما في طبيعة (رودس) هاديء، البحر والأشجار، السماء والناس، والقلوب كلها هادئة أو شبه متحركة. وقلما رأيت حتى في الفتيات الروسيات المرحات عيوناً تتطلع إلى القلوب أو ترميها بنظرات. فإن فعلت فهي تتطلع إليها خلسة تشتهيهم شهوة هادئة ولا ترميها رمية صائبة.

كيف آلف الهدوء وطبيعة رفيقي على النحو الذي وصفته لك؟ وكيف لا تتوق نفسي إلى صخب الحياة وقد اتخذت (بيرون) وكل مؤلفاته رفيقاً لي وسميراً ومعلماً في اعتكافي في هذه الجزيرة الهادئة؟ كيف أجمع بين حياة هادئة فاترة فرضتها علي طبيعة وجودي في هذه الجزيرة الساحرة مع هذا الصديق الدميم عدو المرأة البعيد عن الحياة، وحياة قلقة حيرى، صاخبة فياضة تضطرب في صدر رفيقي (بيرون) العظيم وقد سارت عدواها إلى صدري؟

صممت على الرحيل. . . ولكن إلى أين؟

قال لي رب الفندق: إن في أعالي الجزيرة فندق جميلاً قائماً على القمة بين إحراج الصنوبر تحسن الإقامة فيه فترة من الزمن؛ فقطعت الرأي على الذهاب إليه. ومن المدهش أني ما كدت أضع حقيبتي في السيارة حتى رأيت حقائب صديقي الدميم تلقى في السيارة ووجدت هذا الصديق نفسه ينحط في المقعد ويجذبني إليه جذباً

وقال: أتهرب مني إلى الجبال وتتركني وحدي في هذا البلد الميت؟

قلت قلبك هو الميت يا صديقي! إن الحياة هي الحياة التي نعرفها نحن الأصحاء، أما أنت المريض ميت القلب فلا تعرفها ولا تحس بوجودها.

لم يعر فوره نفسي التفاتاً. . . وأشار إلى سائق السيارة أن يسير. ولما كانت السيارة تدرج على شاطئ البحر وتنعرج وتتسلق جبالاً هي مجموعة من حدائق وبسلتين كان صاحبي ملتزماً الصمت، وما كنت أعرف أكان صمته ذاك وسيلة لتهدئة نفسي، أم لعلك ما رميت به قلبه بالموات ولوك هذه الفرية.

ما أكثر وجوه الشبه بين فندق (الأيل) ويسمونه باللغة الإيطالية (شيرفو) وبين الأديار في لبنان! سكان الأديرة قساوسة جرفتهم الأقدار إلى هذا المحيط الضيق فأخذوا يمنون أنفسهم بمحيط واسع تتحقق فيه الأماني وتظهر الغاية الإلهية من الوجود الإنساني عقب الخلاص من هذا العالم الفاني!

سكان فندق (شيرفو) أكثرهم مرضى ينتجعون العافية في هذه المصحة، وشيوخ يأملون في العودة إلى الحياة، حياة الشباب عن طريق الاستراحة وطيب التغذية، وفتية صغار يضيق بهن ماء الفندق فيسترخون في الخرج القريب ويمرحون. وكنت أنا وصديقي الدميم كمريضين أو قسيسين ننتجع العافية أو نمني النفس بسعادة لا نجدها إلا في قراءة الكتب وفي شيء آخر محبوب أكثر من الكتب.

قال لي صاحبي ذات مساء وقد عاد من رحلة في تسلق الصخور: (لقد وجدتها، لقد وجدتها).

كانت نبرات صوته تدل في هذه المرة على شعور لم أتبين مثله في كلامه معنى من قبل، فقلت: وجدت من؟ من هي التي وجدتها؟

ولما لم يجب على سؤالي ولو بكلمة واحدة لم أعر تاء التأنيث اهتماماً لأني عرفت فيه نفوراً من الأنثى وسمعت حكمه الصارم على كل من يقترب منها.

تغيب عني في تلك الليلة فلم أر له وجهاً في غرفة المائدة ولا في قاعة الجلوس. وفي صبيحة اليوم التالي لمحته يهرول صوب وادي (أبولون) يحمل هراوة ليلحق بطائفة من النسوة ولم أرها انحدرت فيه قبله

من أين أقبلت هذه الزمرة من النساء؟ ما علاقة صاحبي بهن؟ من هي التي وجدها؟ هل هي واحدة منهن؟ لا أدري!

الفندق الذي أقيم فيه محدود مساحة وارتفاعاً، أكاد أعرف نزلاءه بملامحهم ووجوههم واحداً واحداً، وواحدة وواحدة، من شيوخ وأطفال كأن عنصر الكهول والشباب لا وجود له ولا حساب، فمن أين أقبلت زمرة النساء التي لحق بها صاحبي واندمج فيها حتى صرت لا أرى له وجهاً لا في الصباح ولا في وقت تناول طعام الظهر أو العشاء؟!

نضوت ثوب البلادة، واطرحت الكتب جانباً، وقمت أسعى. هداني السعي إلى فندق ملحق بفندقنا قائم على مرتفع ليس ببعيد، تحجبه غياض الصنوبر عنا، وتعج فيه الحياة، ويصطخب مرح الشباب بأمواج من السرور، ورأيت صاحبي الدميم تحف به جماعة من فتيان وفتيات يقهقهون. تقدمت قليلاً وما كدت أدنو منهم حتى أحاطوا بي وأخذوا ينهالون علي بأقوال فيها ضحك ومزاح وعدم تورع في السخرية من شاب مثلي دأبه القعود والقراءة والنوم، وآفته الكبرى مصاحبة رجل تتمثل فيه الدمامة.

أدركت مبلغ تسامح صاحبي معهم في المزاح حتى تجرءوا علي أنا الذي لم أرهم قبل هذه اللحظة، وكالوا لي بذات الكيل الذي رضى هو به.

أنقذت موقفي بتصويب سخرية لاذعة إلى جمال أبرز فتاة، وإلى رجولة شاب مسكين في الزمرة، ولم أتعفف عن صد كل مازح أو مازحة بضحكة المستهزئ.

شعرت بأني كدت أعكر الجو، وأجلب حق النفوس علي، التفت إلى رئيس الموسيقى وطلبت إليه أن يعزف رقصة (الفالس)، واجتذبت فتاة ليست على شيء من الجمال، وأخذت أرأقصها برشاقة وبراعة. . . تقلبت خمس رقصات على ذراعي. ولم تكف الفرقة الموسيقية عن العزف لأني دغدغت كيف رئيسها فصار طوع إشارتي.

صفا الجو الذي عكرته بسلاطتي التي ما كان لي محيص عن التوسل بها لإنقاذ نفسي من المأزق الذي حشرني فيه صاحبي على غير قصد. ولما فرغنا من الرقص تكونت حولي الراقصات اللاتي أعجبن برقصي فأخذت أحدثهن حديثاً طريفاً في فن الرقص ثم في الأزياء والعواطف وما تركت القاعة وقد كاد الصبح يتنفس حتى أيقنت أن سلطاني مد رواقه على الفتيات والسيدات والشبان النازلين في ملحق الفندق

لم أنس أن آخذ صاحبي الدميم حين عودتي إلى الفندق، ولما انفردنا قال لي إنه أنتقل إلى ملحق الفندق، فعرف فيه فتاة جذابة أذكت بفتنتها الجذوة الكامنة في قلبه. وقد عقد عزمه على الاقتران بها وأنه سيتزوجها لا محالة.

قلت: أفي النساء عليلة نظر وحس وذوق ترضى بدمامتك وشناعتك؟

أخرسني الخبيث بإشارة فضحكت.

أعدت إلى مسمعه قوله في المرأة أنها هبة الشيطان وسم الأفعى، وعصا إبليس؛ وحكمه على الرجل الذي يدنو منها بأنه خفيف العقل، ممسوس بخيال الغريزة فأجاب.

كان حكمي ذاك قبل أن أصعق بفتنتها.

قلت اذهب إلى فراشك لأنك متعب وسنتحدث في النهار في أمر زواجك.

قال محتجاً: لا، لا أذهب إلى فراشي ولن أذهب إليه، لا أطيق النوم. وارتمى على كتفي كطفل وقال بصوت باك كبكاء الطفل (لقد أحببت سمسم. بكل جوارحي العطشى، ما عرفت الراحة منذ عرفت الآنسة سمسم) ولن يستقر بي قرار حتى أبني بها

قلت: أجاد أنت فيما تقول أم هازل؟

رفع رأسه عن كتفي ونظر إلي نظرة استفسار حادة فتابعت قولي: كيف تكون جاداً وقد اضطرني موقف أصحابك من فتيان وفتيات منك ومني، وإمعانهم في الضحك والاستهزاء بك إلى مخاشنتهم، وكانت الآنسة (سمسم) هذه إحدى الضاحكات، وهل يشاد بناء الزواج على غير قواعد مكينة من الرصانة والجد؟

قال: مصيبتي الكبرى في وجهي المشوه الذي يثير الضحك، ثم ما شأني فيمن يضحكون مني فأسخر بهم فأهملهم للحظة واحدة وأنكرهم كأن لا وجود لهم؟ أما الآنسة (سمسم) فما ضحكت قط مني ولا هزأت بي، كنت أراقبها وأستشف معاني ضحكها، كنت أحس نظراتها تهز مشاعري، وحنوها يظللني كغمامة موسى الكليم، وأن شفقتها علي قد تدفع بي إلى اقتحام الصعاب وتذليلها لأجل إسعادها، وسأسعدها إذا رضيت بي زوجاً لها، سترضى وسأتزوجها.

قلت: أتعرف حكاية الشاب الفلاح مع ابنة الملك التي أحبها؟ قال: لا أعرف الملك والحكايات، بل أعرف حكاية عرشي في قلبي تستوي عليه مليكتي (سمسم).

قلت: (سمسم) هذه هل سألت عنها، هل عرفت أهلها، هل كشفتها الحب، هل عرضت عليها الزواج، هل رضيت بك بعلاً؟

صرخ في وجهي صرخة شعرت بحرارتها تغلب دويها وقال: هذه أمور أترك لك تذليلها، أما أنا فلست براغب فقط بل أريد حتماً الزواج من (سمسم) وسأرغمها على الرضى بي.

عجباً، كيف ترغم فتاة على قبول زواج؟

قال: يا لك من أبله، لقد لمحت شفقتها بي ترتسم في نظراتها، والشفقة عنصر قوي من عناصر الرضى والحب.

قلت أوافقك جدلاً على استنتاجك، ولكن هب أنها ليست على دينك فكيف يكون الحل؟

قال: من منا لا يقدم الدين الإنساني على نواميس الأديان السماوية وكلها في الجوهر واحد؟

قلت: دستور الدولة والعرف.

قال: أستهين بالعرف وبالشرائع التي تحول دون اتحاد قلبين وأدار كتفه وانصرف.

(يتبع)

حبيب الزحلاوي