مجلة الرسالة/العدد 657/في الأدب الإنجليزي:

مجلة الرسالة/العدد 657/في الأدب الإنجليزي:

ملاحظات: بتاريخ: 04 - 02 - 1946



ماثيو أرنولد

للأستاذ خيري حماد

(تتمة)

ولكن إذا كان الناس ينظرون للشعر هذه النظرة العظيمة، أليس من الخليق بهم أن ينهضوا به نهضة عظيمة، ويعلوا من شأنه إعلاء لا يجارى. أليس من الحرى أن يبوئوه مكانة بين العلوم الإنسانية حتى يمكنهم الحصول على ما يتوخونه له من نتائج هامة، فإن من أهم العوامل الضرورية في الشعر التفريق بين الغثّ والسمين، بين الجيد والسيء، بين الجميل والقبيح. فالشعر هو المرآة الحقيقية التي نصور بواسطتها الحياة في أحسن معانيها، وأبهى حللها، وهو المصلح الاجتماعي الأوحد الذي تتجاوز سلطته العقائد والقوانين، وتتعدى عرف المجتمع.

إن أحسن الشعر في رأي أرنولد ما أردنا إنشاءه ونظمه؛ فهو الذي باستطاعته أن يسرنا وأن يخلق فينا الأفكار والظنون التي نريدها. ويجب علينا دائماً عند دراستنا للشعر من مختلف نواحيه أن نخلق في أنفسنا روح الإعجاب بالحسن والاستنكاف للسئ أو الرديء. فإن أغراضنا وميولنا الشخصية لها قيمتها العظمى في الحكم على الشعر وتقديره بالميزان الحقيقي الذي لا غلط فيه ولا ميل. فكثيراً ما تقود الإنسان ميوله الشخصية إلى المبالغة في الأحكام التي يصدرها. وهذا مما يقود إلى ارتكاب الأخطاء، وتحمل المشاق في إصدار الحكم الذي يريده.

يعتمد جمال الشعر على المقدرة التقليدية أو الإبداعية عند الشاعر. ويختلف تقديرنا للشعر باختلاف جماله وابتداعه، فإن كان من النوع العالي، من النوع الخالد، وجب علينا تقديره والثناء عليه، وإن كان من النوع الرديء تحتم علينا أن نصب عليه جام غضبنا، وأن نظهره للناس بمظهره الحقيقي خالياً من الرونق والبهاء، وتقدير الشعر واستحسانه مصحوبان بالتمييز بين الحسن والسئ هما الغايتان الوحيدتان لدراسة الشعر والإقبال عليه. وكل ما يعوقنا عن نيل هذه الغاية فهو مضر وغير صالح.

وإذا كنا نرغب في دراسة الشعر الحقيقي كما هو دون أيما مبالغة أو عز، فما علينا إلا أن نظل مفتوحي الأعين بعيدين عن عالم الخرافة والكذب محاولين وزن القصيدة بقسطاس عادل، فنحكم على الشعر حكماً صادقاً. ويتحتم علينا عند دراستنا للشعر أن ننظر إليه نظرة نقدية من الوجهة التاريخية فنطلع تمام الإطلاع على الحقائق التاريخية ونحاول ربطها بما جاء في القصيدة أو الملحمة، ويجب على الشاعر عند انتخابه لأشخاص قصدته أن يتوخى الرجال المشهورين فيضع في كل ناحية من مناحي البطولة رجلها اللائق بها.

فأغنية رولند في رأيه تختلف تمام الاختلاف في معناها الشعري ومغزاها العاطفي عن قصائد هوميروس. وعندما ننقل بصرنا من هذه القصيدة إلى تلك نشعر كأننا انتقلنا من عالم إلى آخر مخالف له. وعلينا أن نزن كلمات الثناء والحمد وزناً فلا نضعها دون أي تمعن. وقد قال أرسطو قديماً: (إن الشعر يمتاز من التاريخ بميزات كثيرة أهمها الصدق والثبات اللذان لا يوجدان في التاريخ كوجودهما في الشعر. فإذا عبر الشاعر في قصيدته عن فكرة ما كان في شعره مثلاً أعلى للصدق والنزاهة يحاول جهده أن يعرض على قرائه وسامعيه أفكاره الحقيقية النزيهة دون أي رياء ونفاق. فمن الواجب المحتم على الشاعر إذن أن ينتقي مواضيع له سداها الصدق ولمحتها الثبات.

ويختلف شعر شوسر الشاعر الإنكليزي المعروف عن شعر سابقيه من ناظمي الملاحم والقصائد الطويلة في شيئين هامين: أولهما المادة، وثانيهما الأسلوب. فنشعر عند انتقالنا من قراءة شعر أسلافه إلى قراءة شعره أننا انتقلنا من عالم مادي إلى آخر ملؤه الخيال والابتداع. وامتيازه في مادة الشعر يتناول نظرته الواسعة نحو الحياة البشرية بما فيها من بساطة ودعة، جلاء ولطف، فله المقدرة الشعرية على اختراق حجب الحياة والتطلع بعين المستطلع نحو صور الحياة الحقيقية. وأما أسلوبه فيختلف عن أسلوب سابقيه اختلافاً واضحاً بيناً، فهو أول من وضع للشعر الإنكليزي صورته الحقيقية التي نشاهدها في عصرنا هذا. وقد أثنى عليه النقاد في مختلف عصور اللغة الإنكليزية، فمدحه جونسون، وأطراه درايدن.

وفي شعر شوسر نرى عذوبة وسلاسة لا نشاهدهما في شعر غيره من أسلافه ومعاصريه، فقد كانت له المقدرة اللغوية التامة للتحكم بألفاظ ووضعها في أوضاعها الحقيقية دون أي تكلف، ومع كل هذه الميزات فإن شوسر لا يعد من كبار الشعراء المقلدين. فقد كانت تعوزه المقدرة على ضبط الوزن والموسيقى الشعرية التي نجدها كثيراً في شعر الشاعر الخالد دانتي الإيطالي، ولكن يمكننا أن نجزم أن هذه الموسيقى لم يستطع أحد من الشعراء الإنكليز حتى عصر وليم شكسبير أن يأتي بمثلها أو يقلدها.

واعتقد أرنولد أن عصر درايدن وما تلاه من العصور كان عصر تأليف وابتداع وترقية للشعر عما سلفه من العصور. وكان درايدن يظن أن أسلافه لم يفهموا الشعر الإنكليزي حق فهمه. وكولي نفسه لم يؤمن بشاعرية شوسر ونبوغه. وعندما أراد جوزيف أديسن أن يمتدح شعر درايدن اتخذ من قصائده مثلاً أعلى للمقابلة والمقارنة. وكان الاعتقاد السائد طوال القرن الثامن عشر أن درايدن وجونسون وبوب وأديسن هم فحول الشعر الذين لم يجارهم سابق ولا لاحق.

وهنا يسائل أرنولد نفسه: أنعتبر درايدن وبوب شعراء مقلدين؟ وهل التقدير التاريخي في معظم الكتب الأدبية لهذين الشاعرين تقدير صحيح؟ فقد أنكر وردزورث وكوليردج على هذين الشاعرين مقدرتهما الشعرية. ولكن القرائن والدلائل تشير بأنه سيأتي يوم عما قريب، ترجع فيه سطوة القرن الثامن عشر الشعرية، ويرجع الناس إلى تقدير شعرائه وكتابه.

وينتقل أرنولد بعد هذا البحث الطويل في الشعر إلى تطور النثر وأثره في الأدب الإنكليزي. وفي هذا الكتاب تتجلى لنا عظمة أرنولد في النقد، وكيف ينقد بأسلوبه اللاذع الكتاب والشعراء من أسلافه ومعاصريه.

ولأرنولد كتب أخرى أهمها كتاب: (الثقافة والفوضى) وكتاب: (القديس بولس والبروتستنية). وكتاب: (الأدب والعقائد) وكتاب: (الله والتوراة) وغيرها من الكتب الكثيرة.

خاتمة:

مما تقدم في بحثنا عن حياة ماثيو أرنولد وفنه، يمكننا أن نتأكد من أن حياته كانت مثمرة مفيدة. فقد كتب قبل وفاته أكثر من عشرين كتاباً اعتبر البعض منها من أحسن ما كتب في اللغة الإنكليزية.

ويجدر بنا قبل أن نختم مقالنا أن نضيف بعض الحقائق التي لا غنى لنا عنها. لقد هجر أرنولد الشعر وسنه لم تتجاوز الأربعين حيث اعتقد أن الشعب الإنكليزي لا يفهم الفن والشعر مطلقاً، وإنما يهتم بالأمور المادية فحسب، وهذا ما حمل أرنولد على أن يهاجم مجتمعه هجمات شديدة في كتابه الأول الذي أصدره في عالم النثر. ومن هذه السنة إلى يوم وفاته يندر أن نجد له قصيدة مشهورة، فقد وجه معظم انتباهه إلى النقد والنثر والسياسة.

كان أرنولد من أنصار المدرسة الكلاسيكية التقليدية في أفكاره، ولذا نراه يحاول أن يعيد لهذا العصر بهاؤه ورونقه بعد أن طغت عليه صروف الزمان وظهرت تلك الثورة الأدبية المخيفة التي بدأ بها الشاعران وليم وردزورث وكولردج سنة 1798، عندما أخرجا إلى العالم كتابهما الخالد: (القصائد الغنائية)، فقضت على الأدب الكلاسيكي قضاء مبرماً. ولكن أرنولد بدوره رغب في الرجوع إلى المواضيع الكلاسيكية القديمة، فنظم بها عيون قصائده كقصة تريسترام وامبدوكليس وميروب، وكان ينكر على الرومانتيكيين فرديتهم ومحاولتهم إشباع رغبتهم فحسب، بينما في الحقيقة على الشعب أن يهتم بالآداب العالية في جميع اللغات، ولا يقتصر بحثهم على الآداب الإنكليزية فقط.

وقد حمل حملة شعواء على المتطهرين لاعتقاده أن هذه الفكرة أو هذا المذهب يحصران الدماغ في محيط لا يتجاوزه ولا يتعداه، وهذا مما يضيق نطاق الأدب، ويهدم ذلك الصرح الذي بناه الأدباء من سالف العصور.

وعلى الإجمال فإن أرنولد يعد من خير حملة الأدب في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، وشهرته آخذة بالازدياد شيئاً فشيئاً، فلا غرو أن رأيناه بعد مدة ليست بالطويلة يتبوأ محله اللائق به في عالم الفن والنقد والأدب.

خيري حماد