مجلة الرسالة/العدد 659/العرب واليهود

مجلة الرسالة/العدد 659/العرب واليهود

ملاحظات: بتاريخ: 18 - 02 - 1946



للدكتور جواد علي

صلات العرب بالعبرانيين صلات قديمة، ترجع إلى عصور مضت قبل المسيح. وقد تعرضت التوراة والتلمود وكتب يهودية أخرى إلى أخبار العرب. ونحن نعول في أكثر ما نكتبه عن صلات العرب بالعبرانيين في العصور التي سبقت الإسلام على هذه الكتب.

وكانت صلات العرب بأرض فلسطين قديمة كذلك، ولعلها أقدم من علاقة العبرانيين بهذه الأرض. وكلمة (فلسطين) نفسها لا ترجع إلى أصل عبراني على رأي بعض العلماء، ولعلها كلمة عربية قديمة. وبهذه الصورة انتقلت إلى اليونانية واللاتينية ثم إلى سائر اللغات العالمية. ولعلها استعملت في العبرانية المتأخرة عن الاستعمال العربي القديم.

وقد أطلقت هذه الكلمة في الأصل على المنطقة الساحلية الضيقة التي تقع في جنوب الكرمل والتي كان يسكنها شعب يطلق عليه اسم (فلسطية ثم أطلقت من قبيل التعميم على جميع الأراضي المجاورة لهذه المنطقة. وقد وردت اللفظة في العهد القديم بأشكال مختلفة. جاء في سفر الخروج (يسمع الشعوب فيرتعدون تأخذ الرعدة سكان فلسطين). وجاء في سفر أشعياء (لا تفرحي يا جميع فلسطين لان القضيب الضارب بك انكسر فيه من أصل الحية يخرج أفعوان وثمرته تكون ثعباناً ساماً طياراً).

وتاريخ فلسطين تاريخ غامض جداً، ولا يمكن أن نجد أي أثر للشعب القديم الذي كان يسكن في هذه البلاد قبل ثلاثة آلاف عام قبل المسيح. والظاهر أن الشعب الذي أقام في هذه البلاد بعد هذا التاريخ كان على شيء من الانحطاط. فكانوا يسكنون الكهوف الطبيعية والكهوف الصناعية، والظاهر أنه لم يكن من السلالة السامية، وأنه كان من شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط. ولم يتمكن العلماء على كل حال من تشخيص ما تبقى من عظام هذا الشعب لقدمها وتلف أكثر ما تبقى منها، ولعل الحوريين الذين ورد ذكرهم في سفر التكوين من بقايا هؤلاء:

وأول سلالة سامية هبطت أرض فلسطين، هي سلالة: (الكنعانيين) أو (العموريين) والظاهر أنها نزلت في هذه البلاد بعد سنة (2500 قبل الميلاد).

وقد حاول بعض العلماء التفريق بين الكنعانيين والعموريين إلا أنهم لم يتمكنوا من إ حجج علمية قطعية، تؤيد هذا الرأي. وسكن هؤلاء العموريون في منطقة واسعة هي منطقة الهلال الخصيب في أرض بابل حيث كوّن ملكهم (حمورابي) مملكته في العراق وسكنوا في مختلف مدن سوريا كذلك.

ولما كانت أرض فلسطين على اتصال تام بمصر فقد بدأت تتأثر بالحضارة المصرية وبالسياسة المصرية منذ سنة 1500 قبل الميلاد، ثم أصبحت تابعة للإمبراطورية المصرية بعد أن فتحها تحتمس الثالث 3) (1500 و. م) ثم أمنهوتب الثالث (1450 و. م) فكان يحكمها مشائخ باسم حكام مصر.

ولم يتمكن الفرعون أمنهوتب الرابع 4) من الاهتمام بشؤون مصر ولا بشؤون سائر الأقطار الأخرى التي كانت تابعة للإمبراطورية المصرية، بسبب انشغاله بالإصلاح الديني ولاعتقاده بعقيدة التوحيد التي أراد جعلها العقيدة الرسمية للدولة ولمعارضة رجال الدين لهذا الإصلاح. فانتهزت المستعمرات المصرية تلك الفرصة وأخذت تستقل.

استقلت فلسطين قبل مجيء القبائل الآرامية إليها، وقد وردت كلمة في نص تل العمارنة إلا أن تلك الكلمة لا ترادف كلمة عبري التي وردت في التوراة.

وليست هنالك أدلة علمية تثبت ترادف الكلمتين.

والذي يفهم من المصادر العبرية هو أن اليهود كانوا مستعبدين في مصر، ثم خرجوا من هذا الاستعباد في أوائل القرن الثالث عشر قبل المسيح إلى أرض كنعان (فلسطين) وكان زعيمهم جميعاً (يشوع)، وذلك ما يفهم من سفر يشوع (وكان بعد موت موسى عبد الرب، إن الرب كلم يشوع بن نون خادم موسى قائلاً: موسى عبدي قد مات. فالان قم اعبر هذا الأردن أنت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم أي لبني إسرائيل. كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسى من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات. جميع أرض الحيثيين وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم، لا يقف إنسان في وجهك كل أيام حياتك.

والذي يظهر من مصادر قديمة أخرى هو أن اليهود عندما دخلوا أرض كنعان، دخلوا على صورة قبائل متفرقة وبأوقات مختلفة، فلم يكن عليهم زعيم واحد. ويؤيد مضمون نص تل العمارنة هذا الرأي غير أنه يحتاج إلى فحص وإلى تدقيق تاريخي عميق، لمعرفة كيفية هجرة اليهود إلى أرض كنعان.

لم يتمكن الإسرائيليون من الاستيلاء على أرض فلسطين دفعة واحدة، بل كان ذلك تدريجياً، ظلت الأرض الساحلية السهلة في قبضة الفلسطينيين وهنالك نظريات مختلفة عن أصل هذا الشعب. وتدعي أحدث نظرية من هذه النظريات بأن أصل الشعب الفلسطيني من جزيرة (كريت) على أنها نظرية لا زالت في حاجة إلى أدلة علمية.

وظل (الجعبونيون) والكنعانيون والفرزيون والحويون واليبوسيون وأمثالهم أماكنهم يقاومون اليهود.

وبدخول اليهود إلى أرض فلسطين ولا سيما بعد استقرارهم فيها تكونت الصلات التاريخية فيها بين العرب واليهود. وقد كان العرب يسكنون في أرض فلسطين ذاتها وفي جوار شعوب فلسطين. فلما تمكن اليهود من بعض هذه الشعوب احتكوا احتكاكاً مباشراً بالعرب.

يرى المستشرق الإنكليزي مارجليوت أن صلات العرب باليهود مرت في أدوار ثلاثة:

أما الدور الأول فهو الدور الغامض الذي تعرف فيه العرب باليهود بعد دخول اليهود إلى أرض كنعان، ومعلوماتنا عن هذا الدور لا تكاد تكون شيئاً. وهي تستند على الدراسات المقارنة فقط، على دراسة الخصائص اللغوية والكلمات المشتركة فيما بين اللغتين العبرية والعربية وعلى الأساطير والعقائد الدينية القديمة، وتشير مثل هذه الدراسة، إلى وجود احتكاك قديم بين العرب واليهود.

وفي المرحلة الثانية اتصل اليهود بالعرب اتصالاً مباشراً. وقد ذكر ذلك الاتصال في التوراة في مواضع مختلفة منه، وقد كانت صلات العرب باليهود صلات حسنة نوعاً ما في بادئ الأمر، ثم ساءت تلك الصلات على أثر ما ظهر للقبائل العربية من ميل العبرانيين إلى الاعتداء عليهم، ومحاولة الاستيلاء على أرض فلسطين. وأكثر معلوماتنا عن هذا الدور من التوراة ومن المصادر العبرانية ذاتها ونادراً ما تشير المصادر العربية إلى ذلك.

وفي المرحلة الثالثة والأخيرة ينتقل اليهود من فلسطين إلى الحجاز واليمن والعراق بعد احتلال الرومان لأرض فلسطين وبعد العبث بالهيكل، فيتشتت شمل اليهود، وتسقط آخر حكومة لليهود. وتكاد تكون المصادر العربية الإسلامية في طليعة المصادر التاريخية بالنسبة لهذا العهد.

البقية في العدد القادم

جواد علي