مجلة الرسالة/العدد 659/الرغيف القومي

مجلة الرسالة/العدد 659/الرغيف القومي

ملاحظات: بتاريخ: 18 - 02 - 1946



للدكتور محمد بهجت

حتى الرغيف نحاول أن نضفي عليه صفة القومية، فيصبح كالسياسة والتعليم واللباس وغيرها من المسائل العامة، وتصبح له مشكلة كمشاكلها العديدة! ولم لا تكون له مشكلة نعطيها من وقتنا وتفكيرنا شيئاً يتناسب مع خطره وأثره في اقتصاد الشعب وصحته؟

والرغيف كاللباس في مصر، يجمعهما شبه واحد، فبينا ترى للرؤوس أنواعاً شتى من العمائم والقلانس والطرابيش والقبعات، وللأجسام أشكالاً عديدة متباينة من الثياب لا تقارب بينها ولا تشابه، وللأقدام ضروباً متعددة من الخفاف والنعال والمراكيب والأحذية، حتى ليخيل للزائر الطارئ أننا أفراد أمم مختلفة امتزجت ببعضها على صعيد واحد، كذلك نرى لأكثر المدن رغيفاً معيناً، فلبعض مدن الوجه القبلي رغيفاً بشكل ولون خاصين، ولبعض قرى الوجهين البحري والقبلي أرغفة خاصة تشتهر بها، حتى ليقول لك خبير إن هذا الرغيف من ناحية كذا أو كذا، وترى للأجانب وأشباههم أرغفة مميزة ذات طابع خاص وهكذا.

وهذا الاختلاف الظاهر في أشكال وأحجام وألوان الأرغفة يتبعه بطبيعة الحال اختلاف باطني في طعومها وتركيبها الكيميائي ومشتملاتها الغذائية، ومن ثم اختلاف في تأثيرها على صحة الأجسام ونشاطها. وقد لا يعنينا هنا ظاهر تلك الأرغفة بقدر ما تعنينا قيمتها الغذائية وأثرها في الأجسام والعقول. ومما لا ريب فيه أن مكونات الرغيف تختلف كثيراً أو قليلا تبعاً للمواد الأولية التي يصنع منها والتي ينتجها إقليم ما. فإذا كان الإقليم ينتج قمحاً فرغيفه من القمح، وإذا كان ينتج ذرة فرغيفه من الذرة، بينما يكون الرغيف في إقليم ثالث خليطاً من القمح والذرة بنسب تتفاوت كثيراً أو قليلا تبعاً لغلبة أحد المحصولين على الآخر وهكذا.

ولا ينبغي أن ننسى أن للتقاليد والعادات الموروثة أثراً كبيراً في عمل الرغيف كما هو الأمر في عمل بعض ألوان الطعام الأخرى.

ومع قيام مثل هذه الاعتبارات وغيرها نرى أن الأرغفة المصنوعة من القمح تختلف فيما بينها أيضاً. فبعضها يكون أبيض اللون ناعماً قوامه الدقيق الخالص، وبعضها أسمر خشناً نوعاً تدخله كل عناصر الطحين، وبعضها يكون بين هذه وتلك. ومع أنها كلها مصنوعة من القمح أو من بعض أجزائه دون الأخرى فإن لكل منها تأثيراً مختلفاً في تغذية الجسم كما سنرى فيما بعد.

دخلت مخبزاً من المخابز الإفرنجية أطلب شيئاً معيناً فشاهدت أرغفة من الخبز الأبيض الجميل مرتبة بجانب بعضها بشكل يثير الشهية ويغري بالشراء، ولا سيما بعد أن احتجبت عنا طوال مدة الحرب. فابتعت شيئاً منها وحملته إلى بيتي وهناك أكلناه في شراهة ولذة عجيبتين. ولم لا؟ إن نظافتها وطعمها ورائحتها لتبرر ذلك وتدفع إليه. وعند ذلك ذكرت رغيفنا الذي نأكله الآن بعد أن وضعت الحرب أوزارها وما به من عيوب وشوائب تجعل المرء يأكله في تحفظ، ثم ذكرت رغيفنا الذي كنا نأكله طول سني الحرب - ذلك الرغيف المخيف الذي كان يصنع من القمح مخلوطاً بالذرة أو الأرز، وبكل ما يمكن أن يختلط به من ردادة وسوس وطين وحصى وخيوط وحشائش أخرى تطحن معه وتعجن وتخبز، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله والذين كانوا يصنعونه، ولا يعلمه أحد ممن يأكلونه، حتى إذا خرجت منه أرغفة جاءت بشعة تنبو عنها العين وتعافها نفس الحيوان فما بالك بنفس الإنسان. نعم ذكرت ذلك الرغيف الذي كنت إذا اقتطعت منه لقمة أحاول مضغها وازدرادها لم أستطع فألفظها من فمي محنقاً مغضباً. ذكرت ذلك مما يذكره الكثرة من هذا الشعب المسكين الذي يخيل إلى أنه أذل بفرض هذا الرغيف البغيض الملعون عليه فرضاً. ولعمرك لا يمكن أن يستذل شعب بأكثر من أن يلقى إليه برغيف هذه بعض صفاته. وتزداد بشاعة هذا الذل إذا علمنا أنه ضرب على شعب مصر صاحب أخصب أرض في العالم، الذي تحترف كثرة أهله الزراعة والذي أرغم على زرع 60 بالمائة من أرضه حبوباً ومع ذلك لم يستطع أن يأكل رغيفاً نظيفاً، ذكرت ذلك وذكرت معه دوي الشكاوي التي جأر الناس بها على غير جدوى، وذكرت الكثيرين مماً أصابهم السوء وأنتابهم العلل من جراء سوط العذاب الذي سيطوا سبه في غير شفقة أو رحمة. ذكرت كل ذلك وكثيراً غيره ثم هززت رأسي أسى وقلت عسى أن يكون هذا بعض الثمن الذي اقتضاه نصر الديمقراطية!

وأخيراً انكشفت الغمة وعاد الرغيف الأبيض - وقد علت مكانته وقدر الناس قيمته - وها نحن أولاء نأكل منه شبع بطوننا، واختفى الرغيف الأسود أو كاد. ولكن مهلا فما الأول بخير كله ولا الثاني بشر كله. فقد ذكرت بعد الذي ذكرته أن الخبز الأبيض مصنوع من دقيق القمح الصافي بعد أن خلص بالغربلة من الردادة والنخالة التي هي عبارة عن القشور اللابسة للحبوب، وكذلك من حبيبات الأجنة التي بأطرف حبات القمح، فقلت بذلك قيمته الغذائية لحد كبير، إذ تذهب مع النخالة مواد غذائية عظيمة الفائدة يحتاج إليها الجسم في غذائه ونموه، أودعتها الطبيعة الحبوب المختلفة ولكن الإنسان يفصلها جهلا ويرمي بها إلى الحيوان والطير لتعلفها فتصح هذه ويعتل هو. أما هذه المواد فهي بعض العناصر المعدنية والحوامض العضوية والفيتامينات والألياف. وهذه كلها كان يحتويها الرغيف اللعين الذي لولا قذارة ولوثة به لكان صالحاً للجسم أي صلاح. وكلما بولغ في تبيض الدقيق ازداد فقراً في العناصر الغذائية.

وهاك بعض الفقد الذي يحصل من تصفية الدقيق الأبيض الناصع:

100 % من الألياف وفيتامين د والكاروتين ومعدن المنجنيز.

85 % من الثيامين وحامض النيكوتين (كلاهما فيتامين) والحديد.

75 % من الفوسفور والبوتاسيوم والنحاس والريبوفلافين (والأخير فيتامين).

50 % من الكالسيوم وبعض فيتامينات أخرى.

13 % من الزلال وحوامض زلالية هامة.

وعلى ذلك لا ينبغي أن نفرح الفرح كله بأكل الرغيف الأبيض، بل يجب أن نصنع الرغيف الصحي ونأكله، ولا يخرج هذا الرغيف عن حبة القمح بكل مشتملاتها الطبيعة.

ولما شعر العلماء بسوء التغذية تتفشى بين عامة الشعب في أمريكا فكروا في معالجة هذه المسألة بإضافة بعض الفيتامينات أو بعض المواد الغذائية الأخرى كالزبيب ولكن هذا لم يأت بالفائدة المطلوبة، ففكروا أخيراً في عمل رغيف قومي يأكله جميع أفراد الشعب مصنوع من الدقيق الأبيض مضافا إليه قليل من اللبن الفرز وبعض الفيتامينات الضرورية كالتي فصلت من الدقيق، ولازالت هذه أمنية تجول في أذهان علماء التغذية هناك ولما تخرج إلى حيز التنفيذ بعد.

أما الإنجليز فقد وفقوا إلى اتخاذ رغيف قومي بمعنى الكلمة بل قل إنهم اضطروا إلى اتخاذه اضطراراً، وذلك عندما نشبت الحرب وقل الوارد وأصبح الاقتصاد في الغذاء أمراً محتوماً، والمحافظة على الصحة العامة بين أفراد الشعب الذي ينتج الميرة والذخيرة للجيش المحارب في المرتبة الأولى من الأهمية.

وبعد دراسة طويلة في بداية الحرب قرر علماء التغذية الإنجليز الحصول على دقيق يعادل 80 % من وزن القمح النظيف

بعد أن كان المتحصل منه قبل الحرب 75 %، وهذا معناه إضافة 5 % من قشرة الحبة إلى الدقيق الأبيض، وبعد ذلك بقليل قررت الحكومة زيادة النسبة إلى 85 % وذلك بعد أن أثبت العلماء أن خبزاً يصنع من هذا الدقيق يكون صحياً ومحتوياً على جميع العناصر الغذائية اللازمة لسلامة الجسم والعقل. ومن ثم كان الشعب الإنجليزي كله يأكل في زمن الحرب خبزاً موحداً مصنوعاً من دقيق القمح النظيف غير مخلوط بذرة أو أرز أو غيرهما من الحبوب الأخرى ولم يستبعد منه إلا 15 % من وزن القمح أي الأجزاء الخشنة فقط، ومع ذلك فإن هذا الجزء المستبعد به عناصر غذائية هامة أيضاً. وكان الخبز المصنوع من هذا الدقيق لذيذا ًشهياً إلا أنه أقل هضماً من خبز ما قبل الحرب بنحو 3 % غير أنه يفضله من حيث احتوائه على المواد الغذائية. ويكفي الفرد الكامل النمو رغيف واحد في اليوم زنته ثلاثة أرباع الرطل يحصل منه على أكثر ما يحتاجه جسمه من الفيتامينات وغيرها من مقومات الحياة. وفي يناير من عام 1945 أرادت الحكومة الإنكليزية الرجوع إلى حالة ما قبل الحرب بالتدريج فقررت خفض نسبة الدقيق المستخرج من القمح من 85 إلى 80 % ظناً منها أنها بذلك ترفه عن الشعب، فذعر العلماء من هذا القرار ونوهوا بما سيفقده الرغيف القومي من المواد الغذائية الهامة مما قد يؤثر على صحة أفراد الشعب وطالبوا بإبقاء النسبة التي كانت مقررة في زمن الحرب لثبوت فائدتها ثبوتاً قاطعاً. ولا يفوتني أن أقرر هنا أن رغيف الجيش الروسي كان من القمح الخالص بجميع أجزائه.

فلم لا نفيد من هذه التجربة القيمة ونعمل على إيجاد رغيف قومي تأكله الكثرة الغالبة من الشعب تتوفر فيه العناصر الغذائية حتى لو اضطررنا إلى خلطه بنسبة صغيرة من نوع آخر من الدقيق على أن يكون طيب الرائحة لذيذ الطعم، ومثل هذا الأمر يحتاج إلى دراسة وافية تقوم بها هيئه مكونه من الطبيب والاجتماعي والكيميائي والضابط الحربي وصاحب المطحن والمخبز والمزارع وغيرهم على أن تؤدي هذه الدراسة إلى وضع تشريع يحدد تركيب هذا الرغيف ودرجة نظافته بحيث يفيد منه الشعب في الظروف العادية وفي الظروف الطارئة كأية حرب محتملة الوقوع حتى لا ننكب برغيف خطر كالرغيف الذي فرض علينا في هذه الحرب الأخيرة.

ورجاؤنا أن نصل في هذا إلى قرار سريع، وأن لا يكون نصيب الرغيف القومي ما للسياسة والتعليم واللباس وغير ذلك من تذبذب وتأرجح واختلاف في وجهات النظر وعدم الاستقرار، وأن لا يبتلي بلجنة تنعقد وتنحل بضع مرات ثم لا تنعقد بعد ذلك أبداً فيموت المشروع بين يديها.

دكتور محمد بهجت

قسم البساتين