مجلة الرسالة/العدد 666/البريد الأدبي

مجلة الرسالة/العدد 666/البريد الأدبي

ملاحظات: بتاريخ: 08 - 04 - 1946



مجون كالجنون:

إذا جاز لغيرنا من أمم الغرب أن يستحلوا الكذب الطريف في أول أبريل لأنهم قلما يكذبون في سائر الأيام، فما الذي يجيز لنا نحن أن نتعمد الكذب في هذا اليوم، وحياتنا ومعاملاتنا وأخلاقنا ومبادئنا كلها كذب صراح في جميع أيام العام؟ لقد كان الأخلق بنا أن نستريح في هذا اليوم إلى الصدق ترفيها لأنفسنا وألسنتنا من عناء الكذب المتصل في كل ساعة وفي كل شيء. وإذا لم يكن بد من هذا التقليد البليد فمن لوازمه أن يتوخى الكذاب الطرافة والظرف فيما يكذب ليكون له من هذه الحال مبرر. ولا ندري أي طرافة وأي ظرف في هذه الكذبة المؤلمة التي صاغها ذلك الطالب الماجن حول حياة الأستاذ منصور جاب الله، وبعث بها إلى الرسالة فنشرتها في العدد الماضي! لقد روع أصدقاء الأستاذ منصور، وبخاصة صديقه الأستاذ كامل كيلاني، فقد بات بليلة الوفي المرزوء يكابد مرارة الحزن، ويعد كلمة الرثاء، ويتمنى مع ذلك على الله أن يرد علينا في الصباح خبر يكذب الخبر لأننا لم نقرأه في صحيفة ولم نسمعه من أحد. وقد حقق الله ما تمناه وجاءنا من الأستاذ منصور هذا الكتاب الذي يكذب والحمد لله ما نشرناه:

سيدي. . . رئيس تحرير (الرسالة)

تحية واحترام، وبعد، فقد دهشت أن يعمد أحد المجان غلى صحيفة الأدب الرفيع الوقور، فيتخذ منها متنفسا لمجونه العابث ومرتعا لهذه العادة السخيفة التي يسمونها (أكذوبة إبريل).

وإني ' ذ أشكر الصحب والأخوان الذين شملوني بعطفهم وأولوني برهم، أعجب لهذا العابث الذي يزعم أنه ينتسب غلى إحدى جامعاتنا، حين تزيد في القول فأدعى أني اكتب الرسائل الجامعية لأصحابها، وإني أحرر المقالات والمحاضرات للأصدقاء المعوزين.

من أين علم هذا؟ وكيف لي بهذا؟ إن مثل هذا التعريض لا يليق بشاب ينتظره مستقبل لامع وأمة ناهضة.

إنها على كل حال سانحة طيبة لأبادل إخوان الأديب وأهل الفضل شعورهم. جزاهم الله خيراً، وأجزل بين الأبرار ثوابهم. والسلام عليكم ورحمة الله.

(إسكندرية) منصور جاب الله

رسالة في القدر:

(لصاحب ديوان (وحي المرأة))

سيدتي الفاضلة:

تلقيت كتابك الكريم الحزين، وإني لألمس فيما يضطرم فيه من لاعج الألم: وفيما ينطوي عليه من احتياج كظيم وثورة مكبوتة، مبلغ السعادة التي فجعك فيها القدر، ذلك القدر الذي فجعني مثل فجيعتك.

وما أحسب أهل الحضارات القديمة من الأمم الحالية إلا على عذر في تصورهم أن الآلهة تحسد من تهيأت لهم السعادة في تمامها وكمالها من البشر، فتبتدرهم بما يقتضب تلك السعادة عليهم.

ولقد كنت في صدر حياتي أعجب للمأساة عند الإغريق وتصويرهم فيها للقدر يقضي قضاءه لغير موجب نعقله، فلا تجدي حيلة ولا شفاعة، لا حيلة في الأرض ولا شفاعة في السماء تقف في وجه القدر الطاغية فيما يروونه من أساطير تاريخهم. وذلك انهم كانوا - مع إيمانهم بسلطان الأرباب على البشر - يجعلون القدر فوق الأرباب.

وإنني لأذكر اليوم هذه الصورة للقدر التي كنت أعجب لها عند الإغريق الأقدمين، ثم أذكر هذا الذي ما نزال عليه نحن عامة المسلمين من الاعتقاد بالمقدور المكتوب من قديم لكل واحد منا، وما يستتبعه من الدعاء بدعائنا المأثور (اللهم لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه) فلا أملك نفسي من مراجعة النظر والتفكير. أجل، إني لأديم التفكير في هذا على الرغم مني.

ولست أزعم ولا أنت تزعمين يا سيدتي أن الفجيعة التي نزلت بنا لم تنزل قط بأحد غيرنا. ولكني لا أجد في ذلك عزاء وأظنك مثلي، وإنما ذلك أدعى إلى زيادة الأسى على حظ البشر المساكين.

وكل ما يستطيعه الإنسان في رأيي ويليق بكرامته أن يواجه الحقيقة وينظر إلى وجهها سافرة معتصما بذلك الاستسلام الجليد النبيل الذي عرف به الفلاسفة الرواقيون. فهل نحن مستطيعون؟

وقبل أن اختم هذه الكلمة اليائسة التي كنت أود لو قلت غيرها من قبل الكلام الذي تعوده الناس في هذه المناسبات الحزينة، أعتذر مخلصاً للسيدة الفاضلة عن خروجي عن المألوف، وأرجو أن تتقبل اعتذاري. أما اعتذار السيدة عن ترديدها لشعر الديوان في بكاء حبها الضائع وإلفها الراحل فهو حقها، فالديوان ديوانها مثل ما هو ديواني؛ إنه ديوان كل من أصيب في حبيب. أما ثناؤك الكريم يا سيدتي على ناظم الديوان، فأنه ينصرف إلى صاحبة وحيه ولك أجزل الشكر مني

عبد الرحمن صدقي

حول نقل الأديب

تتحف الرسالة الغراء قراءها الفينة بعد الفينة بما يعتمي الأستاذ الجليل النشاشيبي في (نقل الأديب) ويشغفه بالبيان والنقد مما لا يذر طلبة لمستزيد.

وفي عدد الرسالة الأخير رقم 665 الطرفة الأولى (قضية خمرية) التقطها الأستاذ من (شرح المقامات) للشريشي. غير انه لم يعقب عليها بالرد على تفسير القاضي عبيد الله بيتي حسان في زعمه انه يريد بقوله (كلتاهما حلب العصير) الخمر ومزاجها، فالخمر عصير العنب والماء عصير السحاب. كدأبه في التنقيب والاستيعاب.

إن تلك الطرفة الأدبية (على ما زعم القاضي) سبق بقصها الأصبهاني في الأغاني، أخبار الواثق ج9 ص 288 طبع الدار، وحكاها الحريري استطراداً في درة الغواص الوهم 108 ثم نقلها عنه أبن حجة الحموي في أوائل (ثمرات الأوراق) كما ذكر الشريشي.

وقد فند ابن الشجري في أماليه تفسير القاضي بأوجه ثلاثة: الأول أن (كلتاهما) للمؤنث والماء مذكر؛ والثاني أن (أرخاهما) للمشاركة والزيادة والماء لا إرخاء منه؛ والثالث التدافع بين قولي القاضي الخمر عصير العنب وحسان حلب العصير للزوم إضافة الشيء إلى نفسه. ثم ارتأى بعدئذ أن الشاعر أراد كلتا الخمرتين الصرف والممزوجة حلب العصير.

نقل ذلك كله عن الأمالي الشهاب الخفاجي في شرح الدرة، وكذا البغدادي في خزانة الأدب ج2 ص 240.

ولسيدي الأستاذ الجليل آي الإكبار والإجلال.

محمد الطنطاوي

مدرس بكلية اللغة العربية

المرأة ووظائف النيابة والقضاء:

(الرسالة) مهبط الوحي الشعري ومنار النثري فلا غرابة في أن يتسع صدرها لعرض موجز لقضية طريفة أثيرت أخيراً في إحدى المجلات وهي قضية المرأة وحقها في تولي وظائف النيابة والقضاء. . . فقد سألت المجلة سعادة النائب العام فتركزت إجابته في نقط ثلاث: هي أن طبيعة العمل في النيابة. وأن حرمان المرأة هذا الحق هو في الواقع - عند رأيه -

هذا رأي النائب العام. وللرد عليه نقول: أفليست المرأة تحمل ليسانس الحقوق كالرجل؟ وإذا كانت قد استوعبت قواعد التقنين وأصول التشريع ووسائل التحقيق وطرائق المرافعات كما استوعبها الرجل سواء بسواء، فما المانع الجدي الذي يحول دون الانتفاع بها في وظائف النيابة ما دامت الأداة والوسيلة بين يديها. . .؟

وإذا احتج حضرة النائب العام بأن هناك بعض القضايا التي قد تخجل من ممارستها وتحقيقها (النائبة) فاحتجاجه هذا يدفعه أن المرأة بطبيعة الحال قد درست مثل هذه القضايا، والدراسة مهما كانت تحمل لون التصور والتخيل للوقائع والتطبيقات العلمية.

وإذا طلبت المرأة أن تتولى النيابة ففي طلبها هذا رضاء ضمني منها للقيام بسائر تبعات وظيفتها. . . وعندئذ تسقط الحجة القائلة بأنهم يحرمونها لا ظلماً لها وإنما محاباة لها وإكراماً. . .

هذا ويعرض سعادة النائب العام بطلب زميلة فاضلة أرادت الاشتغال بالنيابة مع أشترطها أن تعمل وكيلة النائب العام في قضايا الأحداث. . . ولست أدري. . . أكان يجب أن تشكر على اختيارها هذا القائم على المنطق والدراية والقياس. . . أم كان ينتظر أن تمنع ويعرض برأيها. . . الحقيقة أن خير من يزن ويقدر أحوال ودوافع الجريمة عن الأحداث هن المرأة. . . وإنها وحدها التي تحمل التوجيه والتربية في عطفها الأموي. ثم ألم تتجه الإدارة والرغبة إلى تخصيص قضاة للأحداث، فلم لا تترك هذه الوظائف للمرأة. . . وظائف قضاة الأحداث ونيابة الأحداث. . .

وبعد فهذه مشكلة نعرضها على صفحات (الرسالة) الغراء راجين من كتابها القانونيين أن يسارعوا إلى دراستها. . .

(إسكندرية)

عواطف بيومي