مجلة الرسالة/العدد 671/بين الشرق والغرب

مجلة الرسالة/العدد 671/بين الشرق والغرب

ملاحظات: بتاريخ: 13 - 05 - 1946



قمر مصر. . .

في سماء باريس

للأستاذ راشد رستم

صديقي. . .

لقد عدتَ يا صديقي إلى مصر بعد أن أكملت في الغرب دراستك، وها أنت ذا اليوم من آحاد الوطن الذين بهم يستبشر، ومنهم الخير ينتظر.

ولقد أديت لك ما طلبت مني - فتزودت لك بما شئت من النظرات، ومررت على ما سألتني أن أمر عليه من المشاهد، وجست خلال ديار أردت مني أن أذكرك فيها، كما أني وصلت لك ما أنقطع برحيلك مع من كان بينك وبينهم مودة. . .

ولعل فيما قمت لك به من الرغبات ما يخفف عني ما أنت فيه الآن، كما تقول، من (وحشة المكان وغرابة السكان). . .

أليس غريباً حقاً أن يعود الوطن مكاناً للوحشة وأن يصير أهله موضعاً للغرابة!.

لا تحزن يا صديقي على عودتك من هنا (هكذا سريعاً) كما تقول، مع أنك مكثت فينا خمس سنوات كاملات! وأنك خلفتنا هنا بعدك (نستمتع بحياة الغرب الهنية طويلاً، ونرشف من بحرها الطامي كثيراً وكثيراً). . .

تأكد يقيناً أنك السابق في رحلتك، وأنك الفائز في عودتك، أما نحن فسنتحمل الغربة زماناً آخر، إلى أن نلحق بك لنجتمع كما كنا نجتمع، ونلتقي مثلما تلاقينا، ونلهو ونعمل كما كنا نلهو ونعمل، ولا تحسبن للفوارق التي بيننا وبينك الآن حساباً، فقد يستمتع المرء بالقليل كثيراص، ويلهو بالكثير قليلاً. . .

أتظن يا صديقي أنه في الإمكان أن يبقى هنا كل من يجيء إلى هنا؟ أم أن له أن يبقى ليكون عليه أن يعود!. . .

إن الأوطان تنتظر أبناءها. . .

(وهذه مصر أم الدنيا، ولعل الذين يقولون عنها ذلك هم الذين لم يروا غيرها. أو لعلهم هم الذين جاءوها من بلاد أقل منها) على رسلك يا أخي. . . ما هكذا يقال عن الأوطان. . .

ومالنا وهذا التحليل بل هذا التعلل!. لماذا فكرت فيه؟ ولماذا يخطر على بالك وقد عشت في بلاد كلها وطنية وحماسة للوطن! أليس بلاد كل إنسان هي (أم الدنيا) عنده؟

بلادي وإن جارت عليّ عزيزة ... وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام

إن مصر هي مصر، وهي أم الدنيا، وهي مما ليس منه بد، رضيت بذلك يا صديقي أم حملت به تحميلا. . .

وها أنا ذا أترك هذا الأمر القليل. . . فقد سرح مني الفكر أمام هذه الخاطرات الخطرات. . وما جئتنا به من النزعات الغريبات، بل النزوات الغربيات. . .

وقد لاحت مني نظرة إلى النافذة نحو العلاء في السماء. وقد سكن الليل إلا من دوىّ المدينة العظيمة الساهرة، فإذا بقمر باريس يطل خلال الستائر الشفافة، ساخراً من ضوء مصباحي الصغير، ضاحكاً مما أنا فيه من تفكير، وما جئت به أنت يا صديقي من تعيير. . .

إن هذا القمر يذكرني بأصفى سماء يسبح فيها قمر. . يذكرني (بأقمار) في مصر كثيرة. في شمالها وصعيدها، في غيطانها وعند غدرانها، في الريف والحضر، عند السوق وتحت الشجر، على رمال الصحراء، عند سفح الهرم. بين المعمور وبين المهجور، في البحر وفي النهر، في الليل وبعض النهار، وحيداً وغير وحيد، ثم قمراً في آخر الليل عالقاً بذيل الظلام، محتفياً بموكب الفجر، مختفياً أمام ذات الخدر وقد أزاحت عن وجهها الحجاب. . .

هذا القمر المصري لا أنساه وصوت المزمار البلدي الشجي آخر الليل عند سفح الهرم، والأربعون قرناً تشاطرنا الحظ والإيناس. . .

هذا القمر لا أنساه مع نغمات الغاب، في جلسة الحصير بالريف، وقد نام أهل القرى في غسق الليل من قسوة النهار، إلا قليلاً منهم الساهر السامع، يستمتع وينتعش بنغمات الصبا والبياتي على صوت هذا الغاب، والهمّ به قد غاب، وتلك المواويل الحمر وفيها أجناس الناس أجناس، وفيها غرام أهل الغرام موكول إلى من هو رابض بين الضلوع، وإلى ما هو صاعد مع الأنفاس. . .

هذا القمر الساخر لا أنساه وهو ينظر إلينا صامتاً ونحن في البيداء. . فيزيد التيه تيهاً، ويجعل من الحقيقة خيالاً ومن العقل خبالاً، ومن الرمال حبالاً. . . ومن النفس حالاً وحالاً - هنالك في العراء، وسط رهبة السكون المخيف يزداد المجهول في علمنا مجهولاً. . .

هذا القمر الباسم لا أنساه في بيتنا الكبير العتيق ذي الحركة المدوية نهاراً، والسكوت المهيب ظلاماً، وقد أطل القمر عليَّ صغيراً كما يطل الليلة علي كبيراً. وكانت مربيتي العجوز، وقد احتوتنا رهبة الجدران العالية والغرف الواسعة، تقول لي: أطفئ المصباح يا ولدي. فهذا القمر ما أحلاه، وهذا السناء ماأبهاه، ثم تتولانا وحشة الليل فتأخذنا سنة من النوم، ثم نصحوا فإذا القمر قد تحرك في بروج السماء قليلاً. . . فتقول العجوز: سبحان الخلاق!. . .

وها أنا ذا اليوم هنا في باريس أطفئ الليلة هذا المصباح كما أطفأت أخا له من قبل، في تلك الليالي الخوالي، وهذا هو القمر لا يزال ما أحلاه، وهذا هو الضياء لا يزال ما أبهاه. . .

وأنت يا قمر باريس! هل أنت قمر ذاك الزمان، وقمر ذلك البيت الكبير العتيق، وقمر مربيتي العجوز! أم زادتك هذه السنون الثلاثون تحويلاً وتحويراً، كما زودتني الليالي والأيام تحميلاً وتعذيراً. . .

هنالك كنت تسمع أيها القمر حديثاً ساذجاً، بين صغير وعجوز، كلاهما مغرم بالقمر المنير وبما يغرى الوجه المنير في خيال هادئ ولطف جميل.

هنالك كان يسمع الصغير أحاديث العجوز، وهي تناجي القمر تسأله عن كل شيء وتطلب منه كل شيء، تدعوه أن يحمل لها في رهبة الليل وجلال الصمت سؤالها عند ربها (فالق الحب والنوى، وفاطر السماوات العلا) تسأله أن يحمل سلامها إلى أهلها فرداً فرداً، وأن يعود إليها في غدها لتراه في غدها. . .

ثم تقول وكأنها قد أدت صلاتها - نم يا ولدي. نم وادع ربك يستجيب لك، وأنت يا قمر مُسّيت خيراً وفي حفظ الله. . .)

ثم تقرأ الفاتحة وتنام إلى الصباح. . .

نعم إن وجه هذا القمر يذكرني الليلة تلك الأحاديث وذاك النغم وذلك الجو السحري البريء، فيثير مني في هذا الغروب وفي هذا السن تفكيراً. . قد يكون عن تلك السذاجة تكفيراً. . .

وإن المرء لينعم بالخيال كما يشقى بالذكرى، على أنه لا يدري أكان خيراً له أن تقف به الليالي أم أنها به تجري. . .

وهاهو ذا القمر يختفي وراء السحب وإلا فستخفيه منازل باريس. . فأين سهلك الفسيح يا مصر. . حيث يمتد البصر فيذهب فيه مع النهاية إلى اللانهاية. . .

أين النخيل يا مصر لكي يختفي هذا القمر خلالها كما يختفي وجه الحسناء خلال أصابع الحسناء. . .

يا صديقي. . .

هذا القمر أول ما عرفناه كنا في مصر، وحقاً إن لمصر قمرها كما أن لها غير القمر.

أما أن يكون لمصر كل ما لغيرها، فتلك أمنية يرجوها الجميع لها، ولكن أين الشرق من الغرب، وأين ما بينهما من خيالات الحقيقة، وحقائق الخيال. . .

فاجعل الأمر سهلاً، ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، ولا تجعل مصراً من الغرب وهي في الشرق، بل اجعل لمصر في الشرق ما لمثلها في الغرب.

اجعل من مصر أعظم ما يمكن أن يكون من مصر، وستجدن منها إذن كل ما تطمع من حياة ذقتها غرباً وتريدها شرقاً. . .

راشد رستم