مجلة الرسالة/العدد 675/الطاقة الذرية

مجلة الرسالة/العدد 675/الطاقة الذرية

مجلة الرسالة - العدد 675
الطاقة الذرية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 10 - 06 - 1946


لم يكن انطلاق الطاقة الذرية بالشكل الذي تبين حديثاً للعالم وليد فكرة

تخيلها العلماء وأخرجوها من حيز الفكر إلى حيز العمل في وقتنا

الحاضر. بل نتيجة لسلاسل طويلة من التفكير الطويل والبحث

المتواصل.

الاستنتاجات والبحوث الأولية:

منذ 2500 سنة مضت، عارض ديمقراطيس وهو أعظم فلاسفة اليونان القول بأن المادة قابلة للتجزئة من غير حد. وقرر وجود الجزء الذي لا يتجزأ، أو الجوهر الذي يقف عنده التجزؤ وتحلل إليه الأجسام. وكان يرى أن الجزء الذي لا يتجزأ (أي الذرات) صغير لا تدركه الحواس. وهو في حركة دائمة وباق لا يدركه الفناء. وقد تطورت تلك الأفكار على يدي ليوراطيس ووضعت في المنظومة المشهورة المسماة (في طبيعة الأشياء).

وقد اعترف الإنسان بداهة منذ أن بدأ في التفكير والتعليل والوصول إلى شرح العمليات الطبيعية في احتمال صحة النظريتين اللتين تنص إحداهما على (الاستمرار) والأخرى على (عدم الاستمرار)، فحبذ ديمقراطيس نظرية عدم الاستمرار، بينما حبذ (أفلاطون) وتلاميذه نظرية الاستمرار، أي النظرية التي تنص على أن الطبيعة مركبة من سائل شامل. أو بتعبير آخر (انشغال الفراغ بالهيولي) وكل من هاتين النظريتين صحيحة من الناحية الفلسفية. على أن هنالك اختلافاً ظاهراً بينهما إذا ما وضعا تحت البحث التجريبي العلمي. ولما كانت العبودية مسلماً بها في الحياة الاجتماعية في ذلك العصر اعتبرت الفلسفة الفكرية من مكملات الحياة الأرستقراطية، بينما العمل اليدوي مهين لكل من يزاوله. وترى من هذا أن فلاسفة ذلك العصر كانوا يعتبرون العمليات اليدوية، أو بعبارة أخرى البحث التجريبي العلمي أحط طريقة للوصول إلى حقيقة الأشياء. ولما كانت الفلسفة الأفلاطونية معترفاً بها في الفترة الأخيرة قبل ميلاد المسيح وكانت آراؤه وتعاليمه تمثل التفكير السائد في ذلك العصر أخذت نظرية الاستمرار مكانتها وسادت، وكانت هي النظرية المعترف بها لمدة 2000 سنة تقريباً.

نشوء العلم الحديث:

وفي أواخر العصر الأوسط نشأت حركة فكرية جديدة بظهور جيل جديد من الفلاسفة الطبيعيين. وربما كان السبب في هذه النهضة ارتقاء منزلة العامل اليدوي مثل البناء والرسام والمهندس والطبيب من ناحية، والتفكير في الفلسفة الرومانية واليونانية على أساس جديد، وذلك بظهور عصر الإصلاح، أو النهضة العلمية من ناحية أخرى. وقد ظهرت النظرية الذرية للمادة من جديد واستخدمها (فرانسيس باكون) كقاعدة لنظريته في الحرارة؛ واستخدمها أيضاً (روبرت بويل) لتفسير ماهية التغيير الكيميائي. وباستخدامها كذلك تمكن نيوتن من الوصول إلى قانون بويل وكان في هذا أول من توصل إلى تعبير رياضي لنظرية طبيعية. غير أن الفخر يرجع (لجون دالتون) الكيميائي الإنجليزي الشهير في وضع تلك النظرية في شكلها الحالي. فكانت هي الحجر الأساسي الذي بني عليه علم الكيمياء الحديث. وكانت تلك النظرية أيضاً بمثابة الهام لكل باحث كيميائي حديث.

ولما قارب القرن التاسع عشر على الانتهاء كانت نظرية دالتون للدقيقة في أنها النهاية القصوى لكل مادة كيميائية دقيقة لا تتغير ولا يمكن نفوذها يتميز بها كل عنصر عن الآخر، نظرية مقبولة اعترف بها كل علماء العالم تقريباً كأساس لطبيعة الأشياء.

المواد الرديومية. أو المواد ذات الفعل الرديومي:

ظهر كشفان خطيران في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر: الأول هو الكشف عن المواد الرديومية في عام 1896، والثاني الكشف عن الإليكترون في عام 1897. لما كان الهدروجين هو أخف العناصر وزناً ظن العلماء أن ذرة الهيدروجين هي أصغر الدقيقات الممكن الحصول عليها، والإلكترون دقيقة وزنها 1 على 2000 من وزن ذرة الهيدروجين. وعلاوة على ذلك يمكن الحصول على الإلكترونات من أي نوع من الذرة. ويمكن القول من هذا أن الذرات لا بد أن تكون ذات تركيب وأنها قادرة على التغيير. وقد أمكن إثبات هذه النتيجة بعد دراسة ماهية المواد الرديومية دراسة شاملة. وقد كان (أندرو بكرل) هو أول من كشف عن المواد الرديومية في عام 1896 إذ لاحظ أن أحد العناصر (اليورانيوم) ينبعث منه إشعاعات دائمة تخترق المادة وتؤثر على الألواح الفوتوغرافية وتنتج في الوقت نفسه على ما يظهر مقداراً من الحرارة لا ينفد. وقد تابع (بيير ومارى كوري) بحوث بكرل وكشفا عن مادة الرديوم. وهي مادة رديومية أقوى بكثير في تأثيرها من اليورانيوم.

وقد ظهر في هذا الوقت عالم نيوزيلاندي اسمه (أرنست رثرفورد) وهو من أعظم علماء هذا العصر شهرة وأعلاهم مكانة. كان رثرفورد يبحث في أشعة إكس والإلكترونات تحت إشراف العالم البريطاني المشهور (السير جوزيف تومسون) في كامبردج. ولما علم رثرفورد بالكشف عن المواد الرديومية وخواصها تاقت نفسه في الحال للبحث فيها وعلى تركيز قواه الفكرية ومعلوماته التجريبية في بيان ماهيتها. وقد عين رثرفورد فيما بعد أستاذاً لعلم الطبيعة بجامعة مونتريال بكندا. وفي بضع سنوات تمكن من وضع الخواص الأساسية للمواد الرديومية. وقد اقترح رثرفورد وزميله (سودي) في عام 1902 أن الأصل في الفعل الرديومي هو (الاستحالة) الذاتية للذرات. وقد بينا أيضاً أن الذرات تستحيل على ما يظهر حسب قوانين المصادفة. وكانت هذه النظرية الخطيرة هي الثالثة من النظريات التي وضعت للكشف عن ماهية المواد الرديومية، ويتبين من هذا أن قوانين المصادفة على ما يظهر هي في الواقع أساس كل العوامل الطبيعية. وهذه نتيجة خطيرة يعد حدوثها مثالاً جديداً من أمثلة الاستحالة.

الطاقة:

جاء الكشف الذي نص على أن في داخل الذرة مقداراً هائلاً من الطاقة في وقت كانت فيه النظريات التي وضعت في تفسير الطاقة قد تطورت تطوراً خطيراً أمكن بها تفسير ماهية الطاقة في العناصر الرديومية. ولم يضع الباحثون قبل القرن التاسع عشر نظرية يمكن بها تفسير طبيعة الطاقة تفسيراً ظاهراً مبنياً على التجارب. ولما تطورت الآلة البخارية تقدم (جيمس وات) بالتعبير السائد وهو (قوة الحصان). وبعد أن بحث العلماء في آلات الحرارة تبين أن هناك تعادلا صحيحاً مضبوطاً بين مقدار الشغل الذي تعمله الآلة ومقدار الطاقة التي توضع فيها. وقد وضع (ماير وجول) في منتصف القرن التاسع عشر تقريباً برهاناً قاطعاً بينا به أن الطاقة على اختلاف أنواعها سواء كانت ميكانيكية أو كهربائية أو طبيعية أو كيماوية أو حرارية كلها متعادلة يمكن تحويل كل منها إلى الأخرى. ثم أمكن في الوقت نفسه الحصول على تعبير رياضي دقيق لمقدار الطاقة الممكن الحصول عليها من قطعة من الفحم وذلك بوضعها تحت ظروف خاصة. ثم وجد العالم الألماني الطبيعي (ماكس بلانك) في عام 1900 أنه من المستحيل تفسير توزيع الطاقة في الأشعة الملونة المختلفة في الضوء المنبعث من مصدر ساخن مثل الشمس بدون الفرض أولاً بأن الطاقة قد انبعثت في شكل حزم صغيرة ذات حجم محدود. ويظهر من هذا إذن أن الطاقة لا بد أن تبقى في شكل ذري.

وضع (إينشتين) في عام 1905 نظريته المعروفة في (تبادل الانتساب) لشرح الحقيقة الغريبة التي تنص على أن سرعة الضوء ثابتة في المادة بقطع النظر عما إذا كان منبع الضوء متحركاً أو غير متحرك. وتخالف هذه النظرية النظريات القديمة المألوفة للمسافة والزمن مخالفة تامة، بل تؤدي إلى نظرية جديدة تبين فيها المسافة والزمن كعاملين مختلفين لنفس الأساس الواحد. ولما تبع هذا البحث الكشف عن العلاقة العضوية بين المسافة والزمن، بين إينشتين أن هناك علاقات مماثلة بين الخواص الأخرى المميزة للمادة كانت تعتبر حتى هذا الوقت كأنها خواص مميزة ظاهرة لا يرتبط بعضها مع بعض. وقد بين إينشتين أيضاً أن كلاً من الكتلة والطاقة قابلة للتغيير والتبديل، وأنهما خاصتان من أساس واحد. ويمكن الاستدلال من هذا أن المادة هي عبارة عن طاقة متجمعة.

ولم يمض من الوقت غير القليل حتى تنبه العلماء إلى أن هذه النظرية يمكن بها شرح أصل تلك الكميات الهائلة من الطاقة التي تنبعث من الشمس والنجوم شرحاً وافياً كاملاً. فقد أشرقت الشمس من ملايين السنين، وهي مستمرة في الإشراق ولم تنقص طاقتها إلا بكمية ضئيلة جداً.

نشوء علم طبيعة النواة:

كان المعروف إذن في أوائل القرن العشرين أن كل الذرات تحتوي على جوهر مشترك وهو الإلكترون، وأنه يمكن تحويل ذرات العنصر إلى ذرات لعنصر آخر، وأن هذا التحويل يلازمه انطلاق الطاقة.

وقد تابع رثرفورد بحوثه، وتصور في مخيلته فكرة جريئة جداً نصت على استخدام تفكيك الذرات للبحث عن تركيبها، أو بعبارة أخرى البحث في الدقيقات المنبعثة من الذرة للكشف عن ماهية موضوعها أو أصلها في الذرة. وأعقب ذلك أن أجرى سلسلة من التجارب تعد من أمهر التجارب العلمية وأدقها. وضع من نتائجها نظرية النواة للذرة في عام 1911. وقد بين رثرفورد أن ظاهرة التشعيث أو سلوك الدقيقات المندفعة بانفجار الذرات تدل على أن الذرة تتركب من نواة صغيرة جداً تكاد تحتوي على الكتلة الكلية للذرة. ويحوط النواة إلكترونات عدة موزعة حول النواة على أبعاد شاسعة نسبياً، وعلى هذا تعتبر الذرة وكأنها شيء فارغ فسيح جداً، وأن الكتلة الذرية الكلية للذرة تقريباً مركزة في دقيقة في وسطها (أي في النواة) وأن النواة مشحونة بشحنة كهربائية موجبة، وأن هذه الشحنة الموجبة توازن تماماً الشحنة السالبة التي تحملها الدقيقات الأخرى (أي الإلكترونات) الموجودة في الأجزاء الخارجية من الذرة، وقد ظهر أيضاً أن الذرة إذا استحالت نشأ هذا عن تفكك النواة نفسها، وليس نتيجة لفقد بعض الإلكترونات الخارجية الموجودة في الفراغ حول النواة، أي أن المقدار الهائل من الطاقة المنبعث من المواد الرديومية يتأتى من داخل النواة.

التشعيث الصناعي:

ولما كانت المواد الرديومية مثل اليورانيوم والراديوم تتفكك باستمرار بالمصادفة كان من الجائز الفرض إمكان تفكيكها صناعياً، وقد بدأ رثرفورد في تحقيق هذا.

حضر في هذا الوقت من كوبنهاجن أخصائي هولندي في علم الطبيعة حديث السن اسمه (نيل بور) للبحث مع رثرفورد في مدينة منشستر، وقد كان أن وضع بور قبل مقدمه تفسيرات للكثير من الخواص المعروفة للذرات، أساسها أنموذج رثرفورد للذرة والنظرية الكمية للطاقة التي وضعها ماكس بلانك، وقد أمكن باستخدام (النظرية الكمية للذرة) التي وضعها بور تفسير عدد كبير من الحقائق الطبيعية في التحليل الطيفي تفسيراً صحيحاً شاملاً، وكذلك تفسير وجود (جدول مندليف) للعناصر.

استمر رثرفورد إبان سني الحرب (1914 - 1918) في محاولة شطر الذرة وتجزئتها صناعياً، وتوصل إلى أول نتيجة أثبت بها نجاحه قبل انتهاء الحرب، وبعد انتهاء الحرب مباشرة في عام 1919 توصل وهو في كامبردج إلى برهان قطعي في إمكان شطر ذرات الهيدروجين والألومنيوم، وقد توصل إلى ذلك بتصادم تلك الذرات بدقيقات مندفعة من مواد رديومية.

وقد كان من الطبيعي البحث في إمكان استخدام تلك الطريقة في شطر الذرة بطرق ميكانيكية، وقد تحقق هذا بتصميم زميله المهندس الكهربائي (كوك كروفت) لجهاز استخدم فيه ذرات الهيدروجين التي حصل عليها صناعياً في تفريغ كهربائي، والتي زيدت سرعتها زيادة كبيرة باستخدام مجال كهربائي لتحطيم ذرات عنصر متوازن آخر وهو عنصر (الليثيوم). وقد وجد أن ذرات هذا العنصر تتحطم، وأن الطاقة المنبعثة هائلة جداً بالنسبة إلى تفاعل صغير جداً مثل تحطيم نواة واحدة، ولما كانت التفاعلات النووية قليلة في نفس الوقت كانت كمية الطاقة المنبعثة نتيجة للتفاعل صغيرة جداً بالنسبة لمقدار الطاقة الكلي وهناك ثلاثة عوامل ساعدت على الوصول إلى هذه النتيجة وهي: أن الدقيقات المصادمة شحنت بشحنة موجبة التكهرب، أي مثل شحنة النواة المطلوب التصادم معها، وإن الدقيقات ذات الطاقة العالية جداً هي التي تتحمل التنافر الناتج، وإن حجم النواة صغير جداً جداً بالنسبة إلى حجم الذرة؛ وأخيراً إن التفاعل لا يتولد ذاتياً.

النيوترون:

وفي الوقت الذي كان كوك كروفت يجري فيه بحوثه كان زميله (جيمس شادويك) يبحث في الطرق التي يمكن بها شرح النقط الدقيقة المرتبطة بشطر الذرات صناعياً، وذلك باستخدام مواد رديومية طبيعية. ففي الفترة الأولى من عام 1932 عقب بحوث أجراها (بوذ، بيكر، جوليو) بين شادويك وجود دقيقة أخرى. شحنتها الكهربائية متعادلة. لها نفس الكتلة في النواة كذرة الهيدروجين، ولكنها تختلف عن تلك النواة وذلك في أن ليس لها أي شحنة كهربائية. فكان من المنتظر حينئذ أن يكون لتلك الدقيقة الجديدة التي سميت (بالنيوترون) قوة اختراق (أي نفوذ) هائلة. فإذا تصادم النيوترون بذرة ما لا ينجذب نحو الإلكترونات السالبة التكهرب التي تحوط الذرة، كما أنه لا يتنافر مع نواة تلك الذرة الموجبة التكهرب. أو بعبارة أخرى يكون من السهل نسبياً للنيوترون أن يؤثر على الذرة التي يتصادم معها فيحدث تحطيمها. وخلاصة القول أن العلم قد كشف عن طريقة جديدة قوية جداً لتحطيم نواة الذرة، بل كشف عن طريقتين لتحطيم هذه النواة في بحر أسابيع قليلة

البقية في العدد القادم عن النشرة العلمية الإنجليزية