مجلة الرسالة/العدد 675/جلالة الفاروق ولويس الرابع عشر

مجلة الرسالة/العدد 675/جلالة الفاروق ولويس الرابع عشر

مجلة الرسالة - العدد 675
جلالة الفاروق ولويس الرابع عشر
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 10 - 06 - 1946


للدكتور محمد غلاب

الآن، وبعد أن تكسرت على صخرة أحداث المفاوضات موجة التأثر التي أثارها في النفوس التجاء ملك إيطاليا المتجرد من عرشه إلى مصر، فإننا نستطيع أن نرسم في إيجاز تلك العاطفة التي أحسسنا بها عندما طالعنا في الصحف وصف تلك الحفاوة الملكية الرائعة التي استقبل بها عاهل أرض الكنانة ذلك الملك المبعد عن بلاده. ولقد كانت في طليعة تلك الأحاسيس التي شعرنا بها حين قرأنا هذا النبأ عاطفة النشوة الناجمة عن الإحساس بأن مصر قد بدأت تسترد عزتها الداثرة، وتستعيد عظمتها الغابرة، وأن أشعة هذا الأمل العذب قد أخذت تتمثل في استعداد وادي النيل لإيواء الملوك اللاجئين والأمراء المبعدين، ولم لا؟ ألم يكن من أبرز مفاخر فرنسا إلى هذه السنين الأخيرة أنها قبلة اللاجئين، وغاية المهاجرين، ولا سيما الملوك والأمراء الذين لأمر ما تعذر عليهم الثواء في بلادهم. ولا جرم أن في هذه الخاصية من خصائص الدول معنى من أبهى معاني الرفعة والسمو، لأنه يلطف آلام فريق من أولئك التعساء، ويحيي الأمل في نفوس فريق آخر منهم، ويشعر فريقاً ثالثاً بأن الإنسانية لم تتحول كلها إلى وحوش ضارية، لان الإكرام العملي والحفاوة الواقعية يتركان في النفوس من محمود الأثر ما تعجز عن تأديته العبارات المعسولة التي لا تكلف المتفيهقين بها كثيراً ولا قليلاً. ونحن إذا نظرنا إلى هذه الظاهرة نظرة عميقة ألفينا أن الفضل الأول فيها عائد بالذات إلى حضرة صاحب الجلالة مليكنا المفدى الذي عرف كيف يكشف أسرار عظمة الدولة، ثم يطبعها بطابع خاص تتحقق فيه الدقة والرقة والمثالية إلى جانب ثماره الأساسية، وهي المجد والفخار والخلود. وكيف لا تكون هذه السماحة النادرة، وتلك البشاشة النبيلة، وذلك الإكرام الكامل من الأمور المثالية في هذا العصر الذي كادت الإنسانية فيه - مع الأسف الشديد - تفقد كل معالمها، والذي أصبح فيه الشغل الشاغل لأكثر الدول هو التفكير في وسائل ونتائج الاستيلاء على حقوق الغير واغتصاب ممتلكاتهم الشرعية تارة في مجون واضح وصفاقة بغيضة، وأخرى تحت ستار الدفاع عنهم أو تحسين حالاتهم الاجتماعية.

وفوق ذلك، فإن هذه الحادثة قد أعادت إلى مخيلتي ذكريات تلك المحامد النبيلة التي انفرد بها الشرق، وهي البشاشة التقليدية والسخاء الموروث وإكرام الضيف دون أية علة أخرى غير الالتذاذ النفساني بتحقيق العمل المجيد وما إلى ذلك من العواطف العالية التي أوشكت واقعية عصرنا الحاضر أن تسحب عليها أذيال النسيان.

أسند بعض الكتاب ذلك المظهر الملكي الجليل الذي استقبل به مليكنا ضيفه اللاجئ الأخير إلى فضيلة عرفان الجميل من جانب جلالته نحو أسرة سافوا، وتلك بلا ريب عاطفة جليلة جديرة بأن تدفع النفوس الملكية أكثر من غيرها إلى رد خير الصنيع إلى أهله، ولكن أليس تعليل أولئك الكتاب هذا المظهر الفاتن بتلك العاطفة وحدها يخفي كثيراً من جوانبه الأخرى الخلابة وعناصره الجوهرية التي نحن على يقين من أنها قامت بدور أساسي في تصرف جلالة مولانا الملك وبواعثه؟ ومن هذه العناصر الأولية التي غفل عنها أولئك الكتاب تلك الدوافع التي فطرت عليها النفوس النبيلة والطباع الكريمة، والتي لا تزال تنعش ذوي المحاتد العريقة وتدفعهم إلى القيام بالأفعال الخليقة بالخلود في ذاكرة التاريخ تتخذ منها الكافة نبراسها في دياجير الحياة، وتجد فيها الخاصة دروساً في العظمة، والتي تنشئ لدى الشعوب ملكة تذوق المجد المجرد من النفعية، وهل يحسب أولئك الذين طغت عليهم روح الواقعية أنه من الممكن أن تستغني الإنسانية عن هذه الأحاسيس السامية، وأن تكتفي بتلك المدنية المادية مهما بلغت أعلى آواج السطوع والإخصاب؟

نحن لا نحسب أن الإنسانية مقصورة على هذه الروح الواقعية منحصرة في هذه الدائرة العملية الضيقة، وإلا فما هو سر جاذبية تلك الصور التاريخية الساحرة التي فتن جمالها القلوب، وخلب سموها النفوس، والتي قدمت إلى أهل الحياة العملية فريقاً آخر من البشرية ضحوا براحتهم وهدوئهم، بل بحياتهم أحياناً في سبيل الشهامة والمروءة المثاليتين. وهكذا لم أطالع في الصحف نبأ تلك الحفاوة الرائعة المؤثرة التي قام بها جلالة مليكنا المفدى نحو ملك عريق مهاجر من وطنه حتى أحسست بذكريات تنبثق من غياهب التاريخ وتنقذف إلى ذاكرتي، وسرعان ما أحسست بتوثق وجه الشبه بين تلك الأحداث التي طوت العصور ممثليها ولم تقو على محوها من سجل الزمن، وبين ذلك الحادث الكريم الرفيع. ولقد كان في طليعة هذه الذكريات الخالدة حفاوة لويس الرابع عشر ملك فرنسا العظيم بجاك الثاني ملك إنكلترا حين قلب له الدهر ظهر المجن.

ومجمل ذلك أنه لم تكد سنة 1688 تشرف على الانتهاء حتى كانت الثورة الإنجليزية الثانية قد بلغت أقصى حدودها وأعلن الثوار - في مقدمة ما عابوه على مليكهم جاك استوارت - أنه كاثوليكي، وأن الأمة بروتستانتية، فلا ينبغي أن يجلس على عرشها من اختلف دينه مع دينها، ثم دعوا للتملك عليهم الأمير الهولاندي جيوم الثالث. وعلى أثر نزول هذه الكارثة بالأسرة المالكة، كان ذلك الملك المنكوب بين عاملين متعارضين: أحدهما يدفعه إلى الالتجاء إلى فرنسا والاحتماء بعاهلها الأعظم والعيش في كنفه المنيع، وهو عامل الصلة الأسرية التي كانت تربطه بالبيت المالك فيها. والعامل الآخر هو ذلك العداء الذي كان مستحكماً بين دولتيهما في ذلك الحين، إذ أن شارل الثاني والد هذا الملك التعس كان قد أعلن الحرب على فرنسا في سنة 1678 أي قبل هذه الصدمة بنحو عشرة أعوام. وأكثر من هذا أن شارل الثاني نفسه كان يحنق على فرنسا حنقاً خاصاً ويحسدها على أسطولها، وأنه سجل هذا الشعور الإنجليزي التقليدي البغيض الذي يجري في نفوس أفراد هذا الشعب جريان الدماء في أوردتهم وصوره في هذه العبارات التالية:

(إن كبرى العقبات التي تعترض سبيل الحلف الفرنسي هي تلك العناية العظمى التي يبذلها الفرنسيون الآن لينشئوا لهم كياناً تجارياً، وليكونوا قوة بحرية تفرض إرادتها، إذ أن كل خطوة تخطوها فرنسا في هذه السبيل، تخلد الحسد بين هاتين الدولتين).

بيد أن ذلك الملك السيئ الحظ بعد أن وازن بين الحالتين رجح الالتجاء إلى فرنسا لثقته بنبل مليكها وكرم خلقه، وسمو طبعه. وفي أواخر ديسمبر سنة 1688 نجحت ملكة إنجلترا وولدها ولي العهد في اجتياز المانش إلى كاليه بفضل تلك المحاولة الجريئة التي قام بها أحد النبلاء الفرنسيين، وهو دوق دي لوزان مدفوعاً إلى ذلك بالشهامة البريئة التي تتغلغل في فطرته النقية من العلل النفعية. ولما كان الملك قد وعدها أن يلحق بها في كاليه فقد انتظرته هناك بعض الوقت، ولكن لويس الرابع عشر لم يلبث أن بعث إليها بموكب فخم يحف بها إلى باريس لتنتظر رفيق حياتها في العاصمة مكرمة معززة. وفي اليوم السادس من يناير سنة 1689 وصلت الملكة وولدها إلى ضواحي باريس، فلم يكن من ملك فرنسا - هو ذلك الملك الأريستوقراطي النزعة - إلا أن انتقل ترافقه حاشيته لاستقبالهما، وعندما لمح المركبة الملكية ترجل واتجه إليها، فعانق ولي العهد في حنان أبوي ثم هرول إلى الملكة، وبعد أن حياها تحية رقيقة مفعمة بالاحترام والإكبار، أصعدها إلى مركبته وأجلسها إلى يمينه كما تقتضي أرقى مراتب الذوق واللياقة. ولما وصلوا إلى العاصمة وضع ذلك الملك الكريم تحت تصرف ضيوفه قصر سان جيرمان، وهو ثاني قصر في الدولة بعد قصر فرساي، ثم بذل كل ما في وسعه لإسعادهما وللحيلولة بينهما وبين الشعور بغيبة أدنى الكمالات. وفي أثناء رحلة الملكة إلى باريس ظفر زوجها بعد عناء شديد بنعمة الوصول إلى الساحل الفرنسي.

وفي اليوم السابع من يناير وصل بدوره إلى ضاحية سان جيرمان حيث كان لويس الرابع عشر في انتظاره. وعندما أعلن قدومه أسرع لاستقباله وتعانقا عناقاً مؤثراً أحس أثناءه ملك إنجلترا بالحقيقة المرة وقدر منزلته الراهنة تجاه أعظم ملوك الدنيا في عصره، فانحنى حتى ركبتي لويس الرابع عشر، ولكن هذا الأخير تأثر كثيراً وأبى أن يعامله إلا معاملة الند للند، وبعد أن تسارّا ملياً اقتاده إلى حيث تقيم قرينته وولده ثم ودعه قائلاً له: (هذا هو منزلك تستقبلني فيه كما أستقبلك في فرساي). ولم يكتف ذلك الملك الجليل بهذه البشاشة الفائقة، وإنما خصص الأيام التي تلت يوم قدوم ضيفه الكبير للاحتفالات بمقدمه والحفاوة بشخصيته، وليس ذلك كل شيء، بل إنه أمر أن يعامل ذلك الملك المخلوع في البلاط الفرنسي معاملة ملك على عرشه. وما أبهى ما تحدثنا به ما دام دي سيفينييه في تعليقها على هذه الحادثة إذ تقول: (إن الملك قد سلك بازاء جلالتي ملكي الإنجليز مسلكاً إلهياً بحتاً، أفليس من أوصاف ذي القدرة والجلال إعانة ملك طريد لفظته بلاده، وغدر به أصدقاؤه وهجره أنصاره؟ لا شك أن نفسية الملك العالية قد راقها أن تقوم بهذا الدور العظيم).

وهكذا بقي جاك الثاني في ضيافة ملك فرنسا عزيزاً محترماً حتى فارق الحياة في سنة 1702.

وأخيراً ألست ترى معنا أن وجه الشبه بين هذين الملكين: فاروق الأول ولويس الرابع عشر قوى متين إلى حد يلفت النظر ويسترعي الانتباه.

محمد غلاب