مجلة الرسالة/العدد 7/ابن خلدون في مصر

مجلة الرسالة/العدد 7/ابن خلدون في مصر

ملاحظات: بتاريخ: 15 - 04 - 1933



للأستاذ محمد عبد الله عنان

- 3 -

ثم عين المؤرخ في وظيفة أخرى هي مشيخة (نظارة) خانقاه بيبرس، وهي يومئذ أعظم الخوانق أو ملاجئ الصوفية؛ فزادت جرايته، واتسعت موارده. ولكن أمد سكينته لم يطل، فقد نشبت فتنة خطيرة أودت بعرش الظاهر برقوق بطلها ومدبرها الأمير يلبغا الناصري نائب حلب؛ وكانت نظم البلاط القاهري وظروفه وما يضطرم به من الدسائس والخيانات مما يسمح بتكرار هذه الفتن؛ وكان يلبغا الناصري نائب السلطنة من قبل، وزعيم عصبة قوية من الأمراء والفرسان؛ وكان الظاهر برقوق من جملة أمرائه وتابعيه؛ ولكنه استطاع في فتنة سابقة (رمضان سنة 784) أن يظفر بالعرش دونه، وأن يجرده من سلطته ونفوذه، وأن يقصيه إلى الشام. ثم سنحت فرصة الخروج ليلبغا، فسار إلى القاهرة في أتباعه وتحول أنصار برقوق عنه، ففر من القلعة، ودخل يلبغا الناصري القاهرة، وأعاد الصالح حاجي السلطان المخلوع إلى العرش، وقبض على برقوق وأرسله سجينا إلى الكرك (جمادى الأولى سنة 791). ولكن ثورة أخرى نشبت بقيادة أمير آخر يدعى منطاش، فقبض على الناصري، وسار إلى دمشق لمحاربة برقوق الذي استطاع أن يفر من سجنه؛ فهزمه برقوق وعاد إلى القاهرة ظافراً منصوراً، واسترد عرشه في صفر سنة 92، لبضعة أشهر فقط من عزله. ويخصص ابن خلدون في (تعريفه) فصلاً لهذه الحوادث، ويمهد له بشرح فلسفي اجتماعي يتحدث فيه عن نهوض الدولة بقوة العصبية واتساع ملكها، ثم طغيان الحضارة والرفاهة عليها، وخروج الأقوياء منها عليها، وبثهم فيها روحاً جديداً من القوة، وتكرر هذه الظاهرة، ثم يطبق نظريته على دول المماليك المصرية منذ صلاح الدين، ويقص تاريخها باختصار. وهنا يبدو ابن خلدون كما يبدو في مقدمته، ذلك الفيلسوف الاجتماعي الذي يعنى بتعليل الظواهر والكائنات، واستقرائها في حوادث التاريخ.

والظاهر أن ابن خلدون قد عانى من جراء هذه الفتنة، ففقد مناصبه وأرزاقه كلها أو بعضها بسقوط الحزب الذي يتمتع بعطفه ورعايته. فلما عاد الظاهر برقوق إلى العرش ردت إليه. يدل على ذلك قوله في التعليق على عود الظاهر: (ثم أعاده إلى كرسيه للنظر في مصالح عباده، وطوقه القلادة التي ألبسه كما كانت، فأعاد لي ما أجراه من نعمته).

ولبث ابن خلدون على ذلك أعواما ينقطع للبحث والدرس، وهو يقف بالتعريف بنفسه عند هذه المرحلة، حتى مستهل سنة سبع وتسعين (797) في الترجمة المتداولة الملحقة بتاريخه. ولكنه يمضي في هذا التعريف مراحل أخرى، في النسخة المخطوطة التي أتينا على ذكرها؛ ويفصل حوادث حياته حتى مختتم سنة 807، أعني قبل وفاته ببضعة أشهر. والنسخة المخطوطة أكثر تفصيلا وإسهاباً حتى فيما تتفق فيه مع النسخة المتداولة من مراحل الترجمة؛ ولهذا آثرنا الرجوع إليها إلى جانب النسخة المتداولة في كل ما هو أوفى وأتم مما تقدم ذكره من المراحل. غير أن النسخة المخطوطة ستكون منذ الآن وحدها مرجعنا فيما سيأتي من تفاصيل حياة المؤرخ حتى وفاته.

ليس في حياة ابن خلدون في هذه الفترة ما يستحق الذكر سوى سعيه إلى عقد الصلات بين البلاط القاهري وسلاطين المغرب ويجمل ابن خلدون ذكر هذه الصلات الملوكية، ويصف المراسلة والمهاداة بين صلاح الدين وبني عبد المؤمن ملوك المغرب؛ وبين الناصر قلاوون وملوك بني مرين؛ ويصف الهدايا المصرية والمغربية؛ ثم يعطف على مساعيه في عقد الصلة بين الملك الظاهر وسلطان تونس؛ وملخصها أنه كتب إلى سلطان تونس بحثه على إهداء ملك مصر، فأرسل إليه هدية من الجياد النادرة، ولكنها غرقت مع السفينة التي كانت تحمل أسرة المؤرخ كما قدمنا. ورد الملك الظاهر بإهداء سلطان تونس؛ ثم بعث سنة تسع وتسعين إلى المغرب ليشتري عدداً من الجياد، فزود ابن خلدون الرسل بالإرشاد والتوصية. ولكنهم عادوا بهدية فخمة كان سلطان تونس قد أعدها وتأخر إرسالها؛ وعدة هدايا أخرى قدمها أمراء المغرب، ومنها خيل مسومة، وعدد وسروج ذهبية. ويصف لنا ابن خلدون يوم تقديم الهدايا وعرضها ثم يقول لنا إنه شعر يومئذ بالفخر وحسن الذكر بما (تناول بين هؤلاء الملوك من السعي في الوصلة الثابتة على الأبد).

لبث ابن خلدون بعيداً عن منصب القضاء زهاء أربعة عشر عاما، يحول بينه وبين توليه، على قوله، ذلك الجناح من البلاط الذي شغب في حقه، وأغرى السلطان بعزله؛ فلما ضعف ذلك الحزب وانقرض رجاله، انتهز السلطان أول فرصة لرده إلى منصبه وكان ذلك في منتصف رمضان سنة إحدى وثمانمائة (مايو سنة 1398م) على أثر وفاة ناصر الدين التنسي قاضي المالكية. وكان ابن خلدون عندئذ بالفيوم يعنى بضم قمح ضيعته التي يستحقها من أوقاف المدرسة (القمحية) فاستدعاه السلطان وولاه القضاء للمرة الثانية. ثم توفي السلطان بعدئذ بقليل؛ في منتصف شوال؛ فخلفه ولده الناصر فرج، وسرى الاضطراب إلى شئون الدولة، واضطرمت الفتن والثورات المحلية حينا. فلما استقرت الأمور نوعاً، استأذن المؤرخ في السفر إلى بيت المقدس، فأذن له؛ وجال ابن خلدون في المدينة المقدسة، يتفقد آثارها الخالدة؛ وشهد المسجد الأقصى، وقبر الخليل، وآثار بيت لحم، ولكنه أبى الدخول إلى كنيسة القيامة (قبر المسيح). يقول لنا (وبناء أمم النصرانية على مكان الصليب بزعمهم، فنكرته نفسي، ونكرت الدخول إليه) ثم عاد من رحلته ووافى ركاب السلطان أثر عوده من الشام في ظاهر مصر، ودخل معه القاهرة في أواخر رمضان سنة 802.

وفي المحرم سنة ثلاث عزل ابن خلدون من منصب القضاء للمرة الثانية. وسترى أن هذا العزل كان نتيجة لسعي منظم من خصوم المؤرخ، وأن تكراره كان مظهراً بارزاً لذلك النضال الذي كان يضطرم بينه وبين خصومه داخل البلاد وخارجه. ولم يمض قليل على ذلك حتى جاءت الأنباء بأن تيمورلنك قد انقض بجيوشه على الشام واستولى على مدينة حلب في مناظر هائلة من السفك والتخريب (ربيع الأول سنة 803هـ - 1400م) ثم اخترق الشام جنوبا إلى دمشق. فروعت مصر لهذه الأنباء، واضطرب البلاط أيما اضطراب، وهرع الناصر فرج بجيوشه لملاقاة الفاتح التتري ورده، واصطحب معه القضاة الأربعة وجماعة من الفقهاء والصوفية ومنهم ابن خلدون. ولا ريب أن المؤرخ لم ترقه هذه المفاجأة التي ذكرته بما عاناه بالمغرب من تلك المهام السلطانية الخطرة؛ بل هو يقول لنا صراحة أنه حاول الاعتراض والتملص، لولا أن غمره يشبك حاجب السلطان (بلين القول، وجزيل الأنعام). ويفرد المؤرخ فصلا لحوادث تلك الحملة، ويمهد له بتعريف عن نشأة التتار والسلاجقة. وكان سفر الحملة في ربيع الثاني سنة 803، فوصلت إلى دمشق في جمادى الأولى، ونزل ابن خلدون مع جمهرة الفقهاء والعلماء في المدرسة العادلية، واشتبك جند مصر تواً مع جند الفاتح في معارك محلية ثبت فيها المصريون؛ وبدأت مفاوضات الصلح بين الفريقين. ولكن مؤامرة دبرها نفر من بطانة السلطان لخلعه اضطرته للعودة سريعاً إلى مصر؛ فترك مصر لمصيرها، وأرتد مسرعاً إلى القاهرة فوصلها في جمادى الآخرة. وعلى أثر ذلك وقع خلاف بين القادة والرؤساء حول تسليم المدينة. وهنا تغلب المؤلف نزعة المغامرة كما تغلبه الأثرة.

فقد خشي أن تقع المدينة في يد الفاتح، فيكون نصيبه الموت أو النكال؛ ورأى أن يعتصم بالجرأة، وأن يغادر جماعة المترددين إلى معسكر الفاتح، فيستأمنه على نفسه ومصيره. ويحدثنا المؤرخ عن ذلك بصراحة، فيقول على ما شجر بين القادة من خلاف (وبلغني الخبر، فخشيت البادرة على نفسي، وبكرت سحراً إلى جماعة القضاة عند الباب، وطلبت الخروج، أو التدلي من السور لما حدث عندي من توهمات ذلك الخبر). وانتهى المؤرخ بإقناع زملائه فأدلوه من السور، وألفى عند الباب جماعة من بطانة تيمورلنك وأبنه شاه ملك الذي عينه لولاية دمشق عند تسليمها فأنظم إليهم، والتمس مقابلة تيمور؛ فساروا به إلى المعسكر أدخل في الحال إلى خيمة الفاتح. ويصف لنا ابن خلدون ذلك اللقاء الشهير في قوله: (ودخلت عليه بخيمة جلوسه، متكئاً على مرفقه، وصحاف الطعام تمر بين يديه تشريها إلى عصب المغل، جلوساً أمام خيمته حلقاً حلقا. فلما دخلت عليه، فانحنيت بالسلام وأوميت إيماءة الخضوع، فرفع رأسه، ومد يده إليّ فقبلها؛ وأشار بالجلوس فجلست حيث إنتهت، ثم استدعا من بطانته الفقيه عبد الجبار بن النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم فأقعده يترجم بيننا).