مجلة الرسالة/العدد 700/الجامعة في النضال من أجل التقدم الاجتماعي

مجلة الرسالة/العدد 700/الجامعة في النضال من أجل التقدم الاجتماعي

مجلة الرسالة - العدد 700
الجامعة في النضال من أجل التقدم الاجتماعي
ملاحظات: بتاريخ: 02 - 12 - 1946



للأستاذ جوستافو كولونيتي

مدير المجلس القومي للأبحاث العلمية في روما

(مهدى إلى القائمين على جامعتي فؤاد وفاروق)

إن الذينَ يشاهدون بقلق وضع أوربا المحزن، ويتتبعون باهتمام الجهود المضنية التي تبذلها في سبيل تجديد إنشائها وتعميرها، ليتساءلون أحياناً عما ينقص القارة في هذه الآونة.

وأعتقد أنه ينبغي أن نجيب دون تردد أن أهم ما تحتاج إليه أغلب أقطارنا، إنما هو نخبة جديدة من الرجال يكون بمقدورها قيادة بلادها نحو المستقبل وفي المستقبل.

والواقع أن الطبقة الحاكمة لما قبل الحرب قد أفلست، فقد حسبت أنها قد لبت حاجة المرء إلى الحرية ضمن نطاق الاقتصاد الحر، ولكن هذا الاقتصاد أدى إلى مساوئ الرأسمالية الأكثر أنانية والأكثر ضلالة. وقد ظنت أنها قد لبت حاجة الجميع إلى النظام والعدالة، ولكن ذلك لم يحصل إلا عن طريق دفاع لا هوادة فيه عن الحقوق المزعومة للطبقات المتمتعة بالامتيازات الأمر الذي أدى بصورة مذهبية إلى إعاقة التطور الطبيعي للنظام الاجتماعي نحو توزيع أعدل لخيرات الأرض. وقد خيل إليها أنها قد لبت الحاجة إلى التقدم باستخدام العلم والرقى الفني كأدوات للقوة والجبروت، ولكن ظهر في الوقت المناسب أن العلم والرقى الفني صالحان لزرع الخراب والموت فحسب

ويبدو الآن هذا الإفلاس جلياً في ضمير الشعوب، وأن اللامبالاة التي استسلمت بها الشعوب إلى الطغاة (الديكتاتوريين)، والتردد الخطر الذي تظهره هذه الشعوب في محاولاتها تحقيق الرجوع إلى الأشكال الديمقراطية. كل ذلك يعطينا مقياساً عن فقدانها المطلق للثقة في حكامها السابقين، وعن حاجتها الماسة إلى رجال جدد. ومن واجب الجامعة تهيئة هؤلاء الرجال وتكوين النخبة الصالحة منهم.

ومن ذلك تبدو لنا المسئولية التي تقع على عاتق الجامعة لأنها لم تعرف في الماضي كيف تخرج لنا رجالا قادرين على المعرفة والتنبؤ وتدبير الأمور. ونستنتج من ذلك ضرورة تجديد كيان الجامعة وتحملها للمهمة الثقيلة وهي قيادة الإنسانية نحو نظ وهي في الحقيقة مهمة ثقيلة الأعباء مفعمة بالمصاعب، ملآى بكل مجهول، إذ لا يعني ذلك إعادة وإنشاء ما أصابه التدمير مادياً فحسب، بل اجتناب الحكم بالتدمير من جديد وبأقرب وقت على ما سنشرع ببنائه. ومن السهل علينا تمييز أسباب الحرب ومسئولياتها، ولكن لو ذهبنا في تعمق الأشياء إلى أبعد من ذلك، لرأينا وجوب التسليم بأن الحرب ما كانت إلا المظهر الخارجي الفاجع لاستحالة استمرار الإنسانية على العيش في ظروف مادية وعلاقات متبادلة، ثبت أن العالم قد تخطى العصر الذي وجدت فيه

ولقد تعينت معالم هذا التخطي عن طريق التقدم العلمي والرقى الفني، هذا التقدم الذي وضع تحت تصرف الإنسانية كمية في تضخم مستمر من الثروة لا تستفيد منها إلا بعض الطبقات الاجتماعية

ولكن هذا الحادث لا يزال في دور التخطيط؛ فالتقدم العلمي والرقى الفني سيستمران في النمو بشكل يزداد على الدوام سرعة ووزناً في النتائج في كافة النواحي

ويوشك أن ينهار بنياننا الاجتماعي الذي لم يستطع مقاومة الغزوات الفنية للنصف الأول من هذا القرن، وستقل مقاومته لصدمة الغزوات الفنية التي ستطبع بلا ريب السنوات القادمة.

ولقد أضحى التقسيم الحالي للبشرية إلى طبقات بالياً ومحكوماً عليه بالزوال وستلغيه فجأة ثورة دامية لا مثيل لها في التاريخ، إذا لم نعرف منذ الآن كيف تتغلب عليها بإيجاد نظام جديد تتاح فيه للناس دون ما تمييز في الطبقات نفس الظروف للتمتع بالخيرات التي وضعها التقدم العلمي والرقى الفني تحت تصرفنا بمقياس واسع وبشكل دائم الاستمرار

فإيجاد هذا النظام الجديد، وصياغته بشكل يتفق واطراد الرقى الفني إلى حد لا يستطاع تحويله كما جرى غالباً في الماضي إلى أدوات اضطهاد في يد فئة قليلة من أصحاب الامتيازات توجهها نحو كتل بشرية محرومة من وسائل الدفاع فاقدة الأمل والاعتراف لجميع البشر، بحق الاقتسام العادل لخيرات الأرض وإمكانية مساهمتهم في التقدم المشترك والتمتع به بصورة مشتركة. هذه هي مهمة الغد العظمى النبيلة الشاقة التي لا تقبل أي تأجيل أو تسويف

وإليكم في الوقت ذاته تحديداً للصورة الجديدة لجامعة الغد: على جامعة الغد أن تكون أول من يبادر إلى تحقيق زوال التفاوت الطبقي، وذلك بأن تتقبل في أحضانها كل شاب يتصف بالذكاء وحسن النية، مهما كانت ظروف أسرته الاقتصادية والاجتماعية ومهما كانت موارده محدودة

ولقد أضحى هذا الاقتراح منذ مدة مكاناً شائعاً، فنعثر عليه في برامج مختلف الأحزاب السياسية في كافة الأقطار، ولكن علينا ألا نحسب أنه نتيجة مكتسبة ومسلم بها، فهو على النقيض من ذلك، نصر لا يمكن إحرازه إلا مقابل أعنف المعارك وأهولها

وفي الحقيقة إن أغلب أولئك الذين يسلمون نظرياً في كثير من السهولة برأينا لا يقصدون سوى ازدياد قل أو كثر لكراسي الدراسة المجانية التي كان يحسب فيما مضى إمكان حل المشكلة عن طريقها

بيد أن هذه الكراسي المجانية قد أتاحت لعدد من هؤلاء الشباب الخروج بل الهرب من الطبقة العاملة ليأخذوا أمكنتهم بين الطبقة البرجوازية أو الطبقة الحاكمة

وإذا كان من العدل أن نعترف بحسن نية أولئك الذين أسسوا هذه الكراسي الدراسية رغبة منهم في مساعدة أفضل أبناء الشعب على ارتياد مناهل العلم والتربية، فينبغي التسليم أيضاً بأن هذه المؤسسات قد ساعدت على تعيين معالم هذا التسابق نحو إحراز شهادة تعتبر كوسيلة وحيدة لبلوغ أعلى الدرجات في السلم الاجتماعي، هذا التسابق الذي أفسد بصورة خطرة كل حياتنا الجامعية

فالإكثار من الكراسي الدراسية المجانية يبقي المشكلة الاجتماعية على حالها دون أن يحمل إليها حلاً، إذ ليس القصد توسيع أبواب الدخول إلى الجامعات، بل انتخاب أولئك الذين يدعون لدخولها وانتخابهم بشكل أوسع وفي محيط اجتماعي أرحب. وهدفنا من ذلك منح إمكانيات أعلى مراتب الثقافة لكل الذين يحوزون من المواهب الفكرية ما يسمح لهم ببلوغها ولهؤلاء فقط

والغرض من ذلك في الوقت ذاته حمل الرأي العام على تقدير كل شكل آخر من أشكال النشاط المنتج الذي لا تقل حاجة المجتمع إليه عن حاجتها إلى العلماء وتوجيه جميع الذين يعتقدون الآن بأن لهم الحق في الدراسة لا لشيء إلا لكونهم ينتسبون إلى الطبقات المتمتعة بالامتيازات فيجعلون الجامعات مزدحمة بهم، ليصبحوا في المستقبل من المتخلفين عن مراتبهم لا فائدة فيهم لأنفسهم ولا للآخرين، توجيه هؤلاء نحو هذه الأشكال الأخرى وإعدادهم لها بصورة تدريجية

ولا يمكن بلوغ هذه النتيجة إلا بقلب الوضع الحالي رأساً على عقب، وهو قلب لا تستطيع تحقيقه إلا الدولة، وذلك بإدخال الدراسات العليا ضمن نطاق الوظائف الاجتماعية واعتبار النفقات التي تتطلبها بين تلك التي على المجتمع أن يحتمل أعباءها في سبيل المصلحة العامة

وفي هذا المعنى ينبغي الاعتراف بأن قطراً واحداً قد اقتحم المشكلة بكل اتساعها إلى الآن، ألا وهو الاتحاد السوفياتي

ولقد كانت التقاليد في الأقطار الغربية حائلاً دون أي تجديد. وسنرى عما قريب ما إذا كانت هذه التقاليد التي نعتز بها بحق، ستعرف أن تكون نقطة الانطلاق لنظام جديد يتلاءم فيه الماضي المجيد مع مقتضيات الوضع الجديد

وليس من شك في أننا سننجح بهذا الثمن فقط في الإبقاء على مركزنا على رأس الحركة نحو التقدم الاجتماعي وفي إنقاذ ما تبقى من حضارتنا

وينبغي أن تتجدد الجامعة لا في انتخاب الطلاب فحسب، بل في جهازها الداخلي أيضاً، وذلك لسببين اثنين يجب التسليم بهما:

أولاً: لأنها لم تكافح الفاشية دائماً عندما كان ثمة فسحة في الوقت لمكافحتها في المجال المذهبي كمبدأ لا يتلاءم مع أي شكل من أشكال الحياة الفكرية والبحث الحر عن الحقيقة

ثانياً: لأنها بالغت في تناسي دورها في تكوين العقول وخلق معنى مسئولية الفكر تجاه الوقائع والتاريخ

لقد كونت الجامعة أساتذة فلقنتهم أغمض أسرار الرقى الفني وفتحت أمامهم مسالك العلم السرية، ولكنها أغفلت توجيه انتباههم نحو الخير والشر للذين كان في مقدور العلم والرقى الفني دفعهما إلى البشر، وإفهامهم أنهم مسئولون إلى حد ما عن هذا الخير والشر. ولقد أهملت إفهامهم أيضاً أنه ليس من حقهم التجرد وعدم المبالاة بالروابط التي تربط دراساتهم بحياة البشرية، وتراخت عن تلقينهم أن جهودهم لا تكون نبيلة ولها ما يبررها إلا إذا كانت تتوخى عيشة أفضل للإنسانية جمعاء.

فعلى الجامعة إذن أن تستعيد السيادة على نفسها. عليها أن تضع حداً للتخصص المفرط وتوسع نطاق التعليم الفني. وعليها أن تبذل عنايتها، لا في تخرج علماء وقتيين فحسب، بل في تكوين رجال بأوسع معاني الكلمة وأجدرها بالفهم والإنسانية، رجال لا يبحثون إلا عن الحقيقة، ويعرفون أنه لا يمكن بلوغها إلا في جو من الحرية

وسيتخذ النضال ضد الفاشية مكانه ضمن نطاق الحياة الجامعية فوراً وبصورة طبيعية، لأن الفاشية إذا كانت قد انهزمت عسكرياً فتوارت عن المسرح السياسي مؤقتاً، فإنها لا تزال تعيش بين ظهرانينا بشكلها المزدوج وهو الكذب وروح الشدة والاقتسار، فينبغي الاستمرار في مكافحتها تحت هذا الشكل المزدوج.

أما الجامعة، فهي المكان الذي يعارض فيه الكذب بالبحث الأمين المجرد عن الحقيقة. الجامعة هي المكان الذي يمكن فيه إلحاق الهزيمة بروح الشدة والاقتسار عن طريق هذه الحرية التي يطالب بها الفكر بإلحاح كأعظم النعم الإلهية.

فعلينا إذن أن نعيد في الجامعة، إلى الحقيقة والحرية، الإجلال والقدسية، وذلك بأن نقصي عنهما كل من قاد زمامهما بالاستسلام إلى الخداع والتهديد أو التضليل

يجب المطالبة والظفر بإكبار الحقيقة وتمجيدها وحتى إعلانها في الجامعة ولا سيما حين لا تروق في عيون ذوي السلطان في الأرض.

يجب أن تكون الجامعة حصناً للحرية، وعلينا أن نطالب وأن نظفر بعدم التنكر لها في الجامعة، وينبغي ألا نضن بالحرية إلا على أولئك الذين يرغبون في استخدامها من أجل قتلها

وعندئذ تمسي الجامعة هيئة يصبح أعضاؤها ويشعرون شخصياً أساتذة وطلاباً أنهم مسئولون عن الشكل الذي يؤدون به رسالتهم الاجتماعية، وسيصبحون ويشعرون أنهم أعضاء نخبة ممتازة مدعوة إلى قيادة العالم نحو مصير أفضل، نخبة ممتازة لا تباعد فيما بين أفرادها الحدود السياسية، وسيكون هذا أولى الصور لهذا المجتمع الدولي الذي سيجنب وحده أوربا كوارث جديدة

وسيكون في وسع البشر أن يصبحوا أخيراً، في عالم حر مغرم بالحرية، سادة مصائرهم، وسيكف التقدم العلمي والرقى الفني عن ترويعنا، ويستخدمان عندئذ لجعل الحياة أقل خشونة وجفافاً وأجدر بأن نعيشها.

(عن مجلة '

ترجمة

غالب عارف طوقان