مجلة الرسالة/العدد 711/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة/العدد 711/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة - العدد 711
الأدب والفن في أسبوع
ملاحظات: بتاريخ: 17 - 02 - 1947



قصة المخطوطات العربية:

كثر الحديث في هذه الأيام عن المخطوطات العربية، ووجوب العناية بها، وجمع شتاتها المفرق في خزائن الشرق والغرب، ويجري الحديث في هذا فياضاً بالحماسة والغيرة، وينادي الكثيرون بأن العناية بهذا في مقدمة ما يجب على الأمة العربية، ولا عجب! فإن الشرق العربي اليوم في فترة يقظة يبحث فيها عن نفسه، ويجاهد ليجمع بين يومه وأمسه.

وكان قد أذيع من قبل أن اللجنة الثقافية في جامعة الدول العربية معنية بهذا الأمر، وأنها قد قررت في هذا خطة ستمضي عليها في إحياء التراث العربي وجمع المخطوطات النادرة المتفرقة، سواء ما هو منها في حيازة الأفراد أو في الهيئات والحكومات، ولكننا لا ندري ماذا بلغت من هذه الخطة وماذا أجدت في هذا السبيل.

وللتراث العربي من قديم الزمن قصة، بل مأساة أليمة مثلت فصولها ومشاهدها على مسرح الأحداث القاتمة والأيام المظلمة، فقد انتهب هذا التراث أيام غارات التتار، وفي الحروب الصليبية بالشرق، والحروب الصليبية بالأندلس؛ ثم كان أن غزا الأتراك العثمانيون أقطار الشرق العربي وبسطوا نفوذهم فكان أول ما قصدوا إليه أن نقلوا كثيراً من المخطوطات العربية إلى مكاتب الآستانة، ثم كان أخيراً أن تسلط الغرب على الشرق فتسلطت أيدي الأوروبيين على المخطوطات العربية بالسلب والسرقة والاحتيال حتى اكتظت بها مكاتب لندن وباريس وبرلين على حين أقفرت منها مكاتب العرب أنفسهم.

ولما اتجهت رغبة المغفور له أحمد حشمت باشا في مطلع هذا القرن إلى النهوض بمشروع (إحياء الآداب العربية)، ونشر المخطوطات العظيمة النادرة، كان أول ما فكر فيه هو الاعتماد على مكاتب الآستانة، فسافر فعلا إلى هناك المغفور له أحمد زكي باشا، وقام بتصوير ونقل كثير من المصادر العربية النافعة التي نشرتها ولا تزال تتولى نشرها دار الكتب إلى اليوم.

وفي هذا المقام نرى من الوفاء للحق، أن نذكر عالمين جليلين بالخير والثناء هما المغفور لهما أحمد تيمور باشا وأحمد زكي باشا، فقد بذل هذان الرجلان كثيراً من الجهود الصادقة والأموال الطائلة في العناية للحصول على المخطوطات العربية، ولكنا من الأسف لم نج من يخلفهما في هذا السبيل، لأن علماءنا - أعزهم الله - على اختلاف ألوانهم ودرجاتهم يؤثرون الوصول والمثالة من أقرب طريق.

وعجيب أي عجيب أننا لا نزال فيما نحقق من تاريخنا وآدابنا عالة على المستشرقين فيما ينقلون من آثارنا ومخطوطاتنا التي هي في خزائنهم، وعجيب أي عجيب أن تكون عندنا الجامعة الأزهرية العتيقة، وجامعة فؤاد الأول، وجامعة فاروق الأول، ودار الكتب المصرية والمجمع اللغوي، ثم ما شئت من هيئات ثقافية كثيرة، حكومية وغير حكومية، ولم تستطع هذه كلها مجتمعة أو متفرقة أن تنهض بعمل جدي في هذه الناحية، ولم تفكر كلها أو واحدة منها في إرسال بعثة بشأن هذا التراث المنهوب.

إنني على يقين من أن بعث تلك المخطوطات النادرة سيصحح كثيراً من مسائلنا التاريخية والأدبية، وإنني على يقين من أن إحياء هذا التراث الخالد سينصفنا أمام أنفسنا وأمام الأمم الأخرى، فلعل الجامعة العربية تسدي في ذلك ما فات غيرها، وتنهض بما هو واجب عليها ومنوط بها، ولعلنا نلمس لهلل قريباً في هذا العمل الجهد المشكور.

تأبين الأمير شكيب:

بعد ظهر يوم الجمعة الثامن من هذا الشهر أقيمت حفلة تأبين كبرى بدار الأوبرا الملكية لفقيد العروبة المغفور له الأمير شكيب أرسلان اشترك فيها لفيف من الرجالات البارزين في الأقطار العربية وأعلام الأدب والصحافة، وحضرها كثيرون من الوزراء والكبراء وأهل الفضل، ولقد جاءت هذه الحفلة عنواناً للأسى الذي شمل جميع أبناء العروبة على فقد ذلك المجاهد العظيم، كما جاءت مظهرا من مظاهر الوفاء والتقدير للرجال العاملين، وإنا - من الوفاء للحق - لنشيد في ذلك بصنيع الرجل العظيم سعادة محمد علي علوية باشا، لأنه هو الذي نهض بأداء هذا الواجب عن مصر، وجاهد لإقامة هذا الحفل براً بذكرى رجل وهب حياته للنضال عن الشرق والإسلام.

وتعاقب الخطباء والشعراء في تأبين الفقيد. فألقى سعادة علوية باشا رئيس هيئة الاحتفال كلمة ضافية أشاد فيها بمواقف الفقيد في الجهاد للحق، والكفاح في سبيل العروبة، والنضال عن حقوق العرب في الحرية والاستقلال والكرامة.

وخطب معالي إبراهيم دسوقي أباظة باشا فقال: (لقد كان الأمير شكيب أرسلان الديدبان والحارس على الأقطار العربية، فكان المراكشي إذا هددت مراكش، والتونسي إذا نزل الضيم بتونس، والمصري إذا روعت مصر بحادث، والعراقي، والسوري، واللبناني، واليمني إذا اعتدي على بلد من هذه البلاد أو نشبت فيها أظافر الاستعمار وبراثن الاستبداد. ولقد خلا العرين من هذا الأسد الهصور، لكنه خلا بعد أن نشر تعاليمه السامية في كل مكان، وبعد أن أعطى من نفسه القدوة الحسنة في الوطنية والتضحية والإقدام. . .)

وخطب الشيخ سامي الخوري وزير لبنان المفوض في مصر خطبة استهلها بقول الفقيد:

فما العيش إلا أن نموت أعزة ... وما الموت إلا أن نعيش ونسلما

ثم قال: لقد كانت حياة الفقيد جهاداً مستمراً في سبيل بلاده وهو عنها بعيد، ولقد بقي على رغم البعد هدى للأوطان العربية جميعا؛ تستنير بشعلة ذكائه الوقاد، وتهتدي بنور حكمته الرصينة، ثم دهمه الموت بعد أن عاد إلى بلده خافق القلب، إذ لقيه حراً طليقاً من كل قيد. . .

وألقيت في الحفلة كذلك عدة كلمات لممثلي الحكومات والهيئات العربية، وكلها تتوارد على الإشادة بمواقف الفقيد، وتصور مدى الفجيعة الشاملة بموته، والخسارة الكبيرة بفقده. على أنها مما يجري عادة في مثل هذه المناسبة، وليست مما يؤثر للتسجيل الأدبي.

وجاء دور الشعر؛ فألقيت قصيدة لشعار القطرين خليل بك مطران، وقد كنت أنتظر من مطران في هذا الموقف شيئاً كبيراً كثيراً، فإني أقدر وفاءه لإخوانه، وأعرف صلته بالفقيد، ولكن مطران اعتذر بحق اعتذاراً موجعاً أليماً إذ قال:

أبغي الرثاء فيبرق خاطري ... حزناً، ولكن أين صوب غمام؟!

لم يبق لي شعر ولا نثر وقد ... أخنى عليّ تقادم الأعوام. . .

فكان اعتذاره هذا أبلغ وأوجع من أي إفاضة في الرثاء.

ثم ألقى الشاعر علي محمود طه قصيدة قوية الأسر، ابتدأها بتصوير الفجيعة بموت الأمير فقال:

رزء العروبة فيك والإسلام ... رزء النهى وفجيعة الأقلام

هو مأتم الأحرار في متوثب ... بصفوفهم مستبسل مقدام

ثم أخذ في تصوير حياة الفقيد فقال: أأبا المثاليين صوتك لم يزل ... في الشرق وحي يراعه وحسام

لخلاص دار، أو فكاك عشيرة ... خضت الحياة كثيرة الآلام

واجتزت جسر العمر بين عواصف ... هوج، وموج مزبد مترامي

وشهرتها حرباً على مستعمر=متجبر، أو غاصب ظلام

إرث الجدود الصيد أنت وهبته ... قلما يصاول دونه ويحامي

وشباب مهدور الدماء مجاهد ... في الله عن عرب وعن إسلام

وهكذا مضى الشاعر إلى آخر قصيدته يصور حياة الفقيد في شتى نواحيها بهذا الأسلوب الجزل، وقد كان من الموافقة المتواردة أن أتفق الشاعران في الروي والقافية، وفي كثير من المعاني والتعابير التي قوامها حياة الفقيد.

وإني بعد هذا لأسأل: أيكفي هذا الحفل في الوفاء بدين الفقيد العظيم؟ كلا! فقد كان الأمير شكيب أرسلان في حياته وفي جهاده وفي مواهبه أضخم من هذا وأكبر، فمن الواجب على أبناء العروبة جميعاً أن ينهضوا بعمل يخلد ذكراه، وصنيع يحفظ آثاره، وينشر تعاليمه، وإني لأعجب أن تهتم الجامعة العربية فتخاطب حكومة العراق لصيانة تراث الكرملي، ولا تؤدي هذا الصنيع لصيانة تراث الأمير شكيب!!

وأين نحن؟!

يظهر أن الأمة العربية المغلوبة على أمرها لا تدين بالحقيقة حتى تصدم رأسها، ولا تصيخ للنصيحة حتى تخرق أذنها، ولا تقتنع بأمر من تطورات الزمن والحياة إلا بعد فوات الأوان، وبعد أن يكون الشوط قد بلغ نهايته.

قلت هذا لنفسي إذ قرأت أن الدول التي تحالفت على إدراك النصر قد أنفقت أخيراً على إعداد العالم لتقبل ما تهدف إليه من المبادئ والأفكار. فرأت أن خير سبيل لهذا هو إعداد مجموعة كبيرة من الأفلام الثقافية التي تصور تلك المبادئ. وتنطق بتلك الأفكار وتوزيعها للعرض في كافة أنحاء العالم على الشباب في المدارس والأندية وسائر المنظمات.

وقلت هذا لنفسي أيضاً إذ قرأت أن هناك مفاوضات تجري بين بعض المشتغلين بالسينما من المصريين والشرقيين، وبين فرق آخر من الإنجليز لتكوين شركة إنجليزية شرقية تقوم بعمل أفلام ناطقة باللغة العربية وتكون موضوعاتها ذات صبغة عالمية، وستقوم هذه الشركة الضخمة بتوزيع أفلامها في شتى أنحاء الشرق العربي

فأنت ترى أنها حرب دعاية، وأن السينما قد أصبحت أقوى أداة للتبشير بالمبادئ والأفكار، وإذا كان الخلفاء قد استغلوا هذه الأداة لبث دعاياتهم على أوسع ما يكون في الحرب فإنهم الآن كذلك يريدون أن يعتمدوا عليها وأن يستغلوها لنشر مبادئهم في السلم. ونحن في مصر، حكومة وشعباً، نرى هذا كله، وكأنه لا يعنينا في شيء، وكأننا لا نرجو من دنيا المبادئ إلا أن نربط بالذيل.

وعندنا سينما، وعندنا شركات، وعندنا أفلام. ولكنا نملؤها بأقذر ما في المجتمع من انحطاط الميول وضراوة الغرائز وكل ما يضمن الرواج والإقبال من العامة وأشباه العامة، ثم نوزع هذه الأفلام في الشرق العربي على أنها مظهر فننا وعنوان ثقافتنا ويا له نم فن تافه وثقافة رخيصة.

فيا قوم حسبكم، لقد أن لكم أن تفهموا أن العالم يجد، وأننا لا نستطيع أن نمشي في ذلك الموكب العالمي إلا جادين، أليس من الهوان والبخس والتفاهة أن لا تقدم شركة من تلك الشركات السينمائية في مصر على إخراج فلم قومي يصور ناحية مجيدة من تاريخنا، ويحمل مظهراً صحيحاً من ثقافتنا؟! بل أليس من التفريط والتقصير أن لا تعتمد حكومتنا على السينما - وقد أصبح لها الآن كل هذا نفوذ - في بث ما ترجو من التثقيف والتهذيب. وما تنشده من الإصلاح والنهوض، وأن لا تجعلها أداة دعاية في الشرق العربي؟!

ولكننا أمة مغلوبة على أمرها، فنحن ننتظر دائماً حتى يصل الغرب إلى آخر الشوط، ثم نبتدئ نفكر ماذا نعمل؟!

الفلسفة الهندية القديمة:

يزور لندن الآن الأستاذ وديع البستاني للبحث عن أصول الفلسفة الهندية القديمة، ويقولون إنه عثر على ستة مخطوطات نادرة ولا يزال يوالي البحث والمراجعة لإعداد دراسة مستوعبة عن الفلسفة الهندية القديمة.

والأستاذ وديع البستاني هو أحد فروع تلك الدوحة البستانية العريقة التي أسدت إلى الثقافة العربية خدمات جليلة في شتى نواحي اللغة والأدب والفلسفة، وقد قام الأستاذ وديع منذ ربع قرن بنقل عدة كتب فلسفية طريفة إلى اللغة العربية، وكانت لديه نزعة إلى موضوعات الطبيعية التي يتجلى فيها صفاء الروح وجمال الكائنات، ويظهر أن الفلسفة الهندية الفياضة بالنزعات الروحية قد استهوته فعكف على دراستها منذ سنوات، وهو لا يزال يجد في هذه الدراسة لإخراج سفر شامل في هذه الناحية التي لا تزال معماة على أبناء العربية.

والمعروف أن الفلسفة الهندية القديمة كانت عنصرا من العناصر التي استمدت منها الثقافة العربية بالترجمة والنقل أيام العباسيين، ففي البلاغة وفي الفلسفة وفي علوم الفلك والجبر والحساب نجد نصوصا منقولة عن أصول هندية، ونحن نقرأ هذه النصوص قراءة عابرة لأننا نجهل مصادرها ومراميها، ولا نزال إلى اليوم في كل ما نعرف من معارف الهند القديمة عالة على المستشرقين، وإنها في الواقع لإحدى العجائب، إذ يتيسر لأجدادنا العرب بدافع نهمهم إلى المعرفة نقل المعارف الهندية والانتفاع بها والوقوف عليها، ونحن لا نزال نجهل تلك المعارف جهلا مطبقا مع أن صلتنا بالهند قد توثقت، ومعارفنا قد اتسعت وسبل الانتقال والبحث قد تيسرت.

إن الأستاذ وديع البستاني بعمله هذا يؤدي خدمة جليلة للعربية، وإنها لفاتحة خير بدأها الأستاذ عبده حسن الزيات بكتابه الذي أخرجه حديثا وموضوعه (حكايات من الهند)، وإنا لنرجو أن يرود أبناء العروبة هذه الناحية على أوسع ما يكون، فان الثقافة الشرقية قوامها روح واحدة، ووجهتها غاية واحدة، وقد أصبح من الخطأ استقلال أمة بمعارفها، فكيف والهند ليست غريبة عنا. .

كتاب من غير أقلام:

تناولت عدداً حمله البريد أخيراً من مجلة سورية خصصت صفحاتها للأدب والمباحث الثقافية، وفي عنوانها إنها (صورة الفكر المعاصر)، فوقعت في صفحاته الأولى على مقال بعنوان (الأديب من أين يبدأ)، فتغاضيت عما في العنوان من خطأ شائع درج عليه كثير من الأدباء المعاصرين، إذ يؤخرون اسم الاستفهام وان كانت اللغة تقضي له بالصدارة، وأخذت أقرأ ما تحت العنوان فقرأت في السطر الأول (أني بالأدب مشغوف) وفي السطر الثاني (وكيف عرفت أن ميولك منصرفة إلى هذا المنصرف) وهكذا أخذت أنتقل من سطر إلى سطر، وأنا أنتقل من خطأ إلى خطأ حتى ضاقت نفسي وألقيت بالمجلة من يدي ولم استطع أن أستوعب من المقال اكثر من خمسة اسطر!! إن الفكرة السليمة قوامها الأسلوب السليم، وإن الكاتب الذي لا يستطيع أن يصحح ما يكتب لا يستطيع كذلك أن يصحح ما يقرأ، ومعنى ذلك أنه يقرأ على غير فهم ووعي.

ولكني اعرف كثيرا من ناشئة هذا العصر، وكتاب هذه الأيام قاصرين عن تصحيح لغتهم وتقويم أسلوبهم، وأني لأعرف كتابا بيننا يملئون الدنيا بأسمائهم ويتصدون للنقد والمناقشة وهم حين يجلسون لإراقة المداد على الورق لا يعرفون مصادر الكلام من موارده، فيتركون هذا لأناس يستخدمون أشخاصا على أجر معلوم لهذا الغرض، وعندهم أن هذا ليس بعاب، بل انهم ليحسبون التمسك باللغة عنجهية وتقعرا لا يليق بمفكري هذه الأيام

وأنا والله لست أدري ماذا يكون ذلك الكاتب إذا فقد أول شرط للكتابة، وأي شيء يبلغ من الأدب إذا لم تكن لديه أداة الأدب، وهل يجدي هؤلاء شيئا ما يتشدقون به من انهم يحذقون لغة أو لغتين أجنبيتين على حين يجهلون اللغة التي يكتبون بها وينتسبون إليها؟!

ولكنها بدعة أعجمية، خلقها العجز وبررها القصور عند هؤلاء، وإنهم لكتاب من غير أقلام، وإن حسبوا أنفسهم من الأعلام.

الجاحظ