مجلة الرسالة/العدد 721/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة/العدد 721/الأدب والفنّ في أسبُوع

ملاحظات: بتاريخ: 28 - 04 - 1947



المرصد والجامعة:

وافق مجلس الوزراء هذا الأسبوع على اقتراح لكلية العلوم بجامعة فؤاد الأول بضم المرصد الملكي بحلوان إلى الجامعة على أن يكون وحدة مستقلة، وأن تتألف لجنة من القائمين بالمرصد الآن ومن رجال الجامعة لتقديم التفاصيل الخاصة بهذا المشروع وتقدير الاعتمادات اللازمة لتنفيذه.

وهذه في الواقع خطوة طيبة كان من الواجب أن تتم منذ سنين، وكانت المصلحة العلمية تقضي بتحقيقها من يوم أن قامت الجامعة وتهيأت المكانة اللازمة لكلية العلوم، فإن المرصد لا يصح أن يقوم على أنه آلة تسجل ظواهر الجو المعتادة وكفى، بل يجب أن يكون مركزاً علمياً للتجارب والإفادة في تلك الناحية التي استغلتها العقول الكبيرة حتى جعلت لها السيطرة على جميع ظواهر الحياة.

إن علم الظواهر الطبيعية أصبح دعامة من دعامات النهوض والقوة عند الأمم، وقد أدى هذا العلم في الحرب الماضية من الجهد ما غير مجرى الحوادث وحول دفة التاريخ، فلعل أن تكون هذه الخطوة مقدمة لاهتمام شامل بهذه الناحية حتى تؤدي فيها الجامعة رسالتها العلمية.

بعد المرحلة:

أشرنا في أعداد سابقة من الرسالة إلى تلك المرحلة الطويلة التي قام بها الأديب الفرنسي الكبير مسيو جورج ديهاميل في بلاد الشرق العربي حيث طاف بسوريا ولبنان ومصر وبلاد شمال أفريقيا، وقد جاء في نبأ من باريس أن ديهاميل تقدم إلى الأكاديمية الفرنسية بتقرير واف عن نتائج رحلته وما تبينه في بلاد الشرق من اتجاهات.

ولست أدري ماذا قال الأديب الفرنسي الكبير في بيانه أو في تقريره هذا. فإن الأنباء البرقية لم تشر إلى شيء من مضمونه، ولست أدري هل كتب ديهاميل ما كتب بروح الأديب الإنساني الذي عاش طول حياته ينشد الإنسانية المهذبة فأطرب أبناء الشرق والغرب، أم بضمير السياسي المسعور الذي لا يرجو لأمته إلا أن تستعمر البلاد وتستعبد العباد وتظل قائمة سيف الإرهاب والبطش تجره على رقاب الضعفاء.

إننا أبناء الأدب نرجو دائماً أن نظل أوفياء لرسالتنا، محترمين لإنسانيتنا، فلعل الأديب الفرنسي قد حدث (الخالدين) من أبناء أمته بما رأى من شنائع الاستعمار الفرنسي في شمال أفريقية، ولعله صور لهم ما رأى بعينيه من تلك المآسي الأليمة في تونس ومراكش وغيرهما من البلاد التي اغتصب الفرنسيون أقواتها وتركوها نهباً للجوع. . . وأن يكون في هذا كله قد اعتصم بضمير الأديب الإنساني لا بضمير الجلاد السياسي، وإلا فعفاء على أدبه، ولعنة الأدب على شخصه. . .

يقظة الشباب العربي:

عقدت رابطة الطلبة العرب بأكسفورد في الأسبوع الماضي مؤتمراً عاماً حضره طلاب يمثلون جميع الأقطار العربية، وقد عقد المؤتمرون عدة اجتماعات للبحث والتشاور ثم اتخذوا عدة قرارات بعضها في مجال العمل السياسي وبعضها يتصل بالنشاط الثقافي.

ففي مجال السياسة قرروا العمل على إدخال عرب شمال أفريقيا ممن يوصفون بالشعوب المنسية في حظيرة الجامعة العربية، والعمل على حصول فلسطين على استقلالها ووقف الهجرة اليهودية إليها، ثم العمل على تحقيق الاستقلال التام لمصر والسودان.

وفي مجال النشاط الثقافي قرروا الموافقة على إنشاء مراكز اجتماعية وثقافية في جميع عواصم البلاد العربية يطلق عليها اسم (البيت العربي) لتكون منازل للمسافرين من العرب وندوات علمية ثقافية لأبناء العروبة. . .

وإن هذه اليقظة من الشباب العربي المثقف لتدعو إلى الاطمئنان والتفاؤل، وتملأ النفوس بالغبطة والبهجة، وإننا إذ نبارك هذه الروح نرجو أن تظل في يقظتها متوثبة ملتهبة حتى لا يفسدها التراخي ولا يخدرها طول الوقت.

كانوا يقولون: (آه لو علم الشباب، وآه لو قدر المشيب)، ولكننا اليوم أصبحنا نجد في الشرق العربي الشباب العالم القادر الذي يتبصر الطريق، فلعل الله يحقق على يديه للعروبة ما تمنى الأدباء وتلهفوا عليه.

تكريم مطران مرة ثانية:

أما التكريم الأول فهو الذي قامت به لجنة تألفت لهذا الغرض وقد كان من أمره ما نشرناه من قبل.

وأما هذه التكريم الثاني فقد قام به الاتحاد العربي في داره بالقاهرة هذا الأسبوع في حفل جامع حضره كثيرون من أعلام الأدب وأقطاب العرب، وقد افتتح الاحتفال صاحب السعادة محمد علي علوبة باشا رئيس الاتحاد بخطبة قيمة ضافية استهلها بقوله: (لنا الفخر أن نكون شرقيين منبع المدنية والآداب والعلوم التي اهتدي العالم بهديها، وسار في ضوئها. منا البابليون والآشوريون والفينيقيون والفراعنة، وفينا ظهر الأنبياء عيسى وموسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، ولنا لغات راقية ممتازة في مقدمتها اللغة العربية الشريفة التي نهضت بأعباء المدنية نحو العالم قروناً طويلة والتي يستطيع الإنسان أن يعبر بها عن كل احساساته ومطالبه بما لا يجده في لغة أخرى).

وفي هذا المنحى من الحديث أفاض علوبة باشا في الإشادة بمجد الشرق عامة والإسلام خاصة، ثم انتهى في الحديث إلى الضعف الذي انتاب الشرق في العصور المظلمة وما كان بعد ذلك من مصارعة بين الشرق والغرب في ميدان الحياة فقال: (ابتلينا بالغرب، فهدم مدنيتنا، وأضاع حريتنا، وقتل شخصيتنا، وفي هذا الظلام الخانق تأخرت اللغة العربية، وندر الشادون بها من فحول الأدباء والشعراء، ولكن بين الحين والحين كانت تظهر في تلك التربة الخصبة حبات صغيرة تحاول استرداد مجد اللغة، ومن هذه الحبات حبة نبتت في جبل لبنان الأشم ثم أراد الله لها أن تنمو وتفرع وتثمر في وادي النيل حتى صارت دوحة عظيمة، وليست هذه الدوحة إلا شاعر العروبة الكبير الأستاذ خليل مطران بك).

وتحدث علوبة باشا عن مطران الرجل، وشاعريته العبقرية الفياضة، وما له من آثار جليلة في خدمة العربية والتراث الأدبي، وأهاب بالشاعر الكبير أن يتوجه بشاعريته إلى إيقاظ المشاعر بالإشادة بمجد الشرق العريق وتذكير الأبناء بما كان للآباء من تراث عظيم.

وتعاقب الشعراء والخطباء بعد ذلك، فأنشد شبلي ملاط بك جملة من القصائد والمقطوعات القديمة والحديثة، وألقى الأستاذ حسين السيد زجلا رقيقاً والأستاذ موريس أرقش خطبة بليغة وأنشد بعض قصائد مطران الخالدة، ثم ألقى الأستاذ جميل الرافعي بعض الكلمات التي قيلت في تكريم مطران في عدة مناسبات، وكان هذا ختام الحفل لتكريم الشاعر الكبير.

وبعد، فليس هذا كله بكثير على خليل مطران بل إنه بعض الدين الذي في عنق أبناء العربية نحو شاعر العربية الذي غنى فأطرب وأنشد فأعجب. . .

مجمع للشريعة الإسلامية:

وضعت لجنة خاصة من هيئة كبار العلماء تقريراً اقترحت فيه إنشاء مجمع لبحث المسائل الدينية والتشريعية يسمى (مجمع فاروق الأول للشريعة الإسلامية) على غرار (مجمع فؤاد الأول للغة العربية) وقد استهلت اللجنة تقريرها بمقدمة أشارت فيها إلى الضرورة التي تدعو إلى قيام هذا المجمع فقالت: (إذا كان مجمع فؤاد الأول للغة العربية قد قضت به الضرورة ودعا إليه داعي الإصلاح واستلزمته مقتضيات العصر وما وجد فيه، فإن ذلك يوجب أيضاً أن يكون في مصر وتحت ظلال الأزهر مجمع ديني علمي ينسب إلى الفاروق العظيم. . . وإن مجال العمل في مثل هذا المجمع الديني العلمي لفسيح، وإن الأمة الإسلامية لفي حاجة ماسة إليه لا تقل عن حاجة اللغة العربية إلى مجمعها الراهن، بل تزيد أضعافاً، فقد حدثت صور من المعاملات لم تكن، وبانت حاجات للناس لم تبن، ووفدت علينا تيارات فكرية تارة، ونزعات اجتماعية ضارة، ليس من الخير ولا من الرأي أن نغض النظر عنها وأن نتركها حتى يستشري داؤها ويتفاقم خطبها). . .

ثم تحدثت اللجنة عن الأغراض التي سينهض بها هذا المجمع فأوجزتها فيما يلي:

1 - دراسة ما يرد للأزهر من أسئلة تتعلق بالأحكام الشرعية الاعتقادية والعلمية دراسة تتجلى فيها روح الشريعة الإسلامية في وحدة العقيدة ورعاية المصالح.

2 - بيان ما هو بدعة وما ليس ببدعة، ووضع كتاب في هذا الموضوع والإجابة عن الأسئلة التي تتعلق به ونشر المهم من البدع وإذاعته على الناس.

3 - تفسير القرآن الكريم تفسيراً سهلا خالياً من الإسرائيليات وموافقاً لما تقضي به القواعد العربية والأصول الدينية والإجابة عن الأسئلة التي تتعلق بتفسير الآيات الكريمة ونشر المهم من ذلك وإذاعته على الناس.

4 - وضع كتات يحتوي على ما نسب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام مع بيان مراتبه وشرح وجيز لما يحتاج إلى شرح من المقبول، والإجابة عما يسأل عنه من تفسير الأحاديث أو تخريجها ونشر المهم من ذلك وإذاعته على الناس.

5 - إحياء الكتب النافعة في الشريعة الإسلامية وما له صلة بها إحياء يسهل معه الانتفاع بها.

6 - إيداء الرأي في الكتب التي يرى شيخ الجامع أخذ رأي المجمع فيها لشرائها لتدريسها في مراحل التعليم بالأزهر والمعاهد الدينية وحل المشكلات العلمية العامة.

هذا هو الاقتراح الذي تقدمت به اللجنة لإنشاء مجمع للشريعة الإسلامية، وهو اقتراح نوافقها عليه كل الموافقة، ونرى معها أن الضرورة تقضي بإنشاء هذا المجمع في أقرب فرصة ممكنة، ولكنا نخالفها كل المخالفة في أن تكون الأغراض التي أبدتها هي أغراض ذلك المجمع ومهمته، لأنها كما يرى القارئ أغراض ثانوية ومن الواجب أن تضطلع بها هيئة كبار العلماء ودار الإفتاء بالأزهر وإلا فلا حاجة تدعو إلى بقائهما. . . وإنما يجب أن يكون المجمع المقترح مجمعاً للعالم الإسلامي عامة وأن يكون من أول أهدافه تحرير المسائل الخلافية التي فرقت الشمل وجعلت المسلمين جماعات، ثم تنقية هذا الدين من شوائب النزعات المذهبية والاتجاهات الطائفية والتلفيقات الخرافية ورده إلى أصوله السمحة؛ ونحسب أن الأذهان تهيأت في العالم الإسلامي للاستجابة إلى هذه الغاية الشريفة التي هي غاية الإسلام الصحيحة القويمة. . .

انحطاط الفن السينمائي في مصر:

وأخيراً انتبهت وزارة الشئون الاجتماعية إلى أن الفن السينمائي في مصر يمشي في سيل من الفوضى وأن الأفلام التي تعرض على الشعب ليست إلا ألواناً من التهريج الفارغ حتى أصبحت الجماهير الشعبية تشعر نحوها بالغضاضة وعدم التقدير.

نقول تنبهت وزارة الشئون الاجتماعية إلى هذا فقامت إدارة الإرشاد الاجتماعي وهي الجهة المختصة بالوزارة ببحث هذه الحالة وفحص العلة فيها ثم تقدمت إلى معالي الوزير بمذكرة ضمنتها ما ترى لعلاج هذه الحالة وملافاة ذلك النقص، وهي ترى في مذكرتها أن السبب في تدهور الفيلم المصري يرجع إلى ضعف القصة، ولذلك نقترح أن تمتنع الوزارة عن الترخيص بتصوير القصص الضعيفة التأليف أو التافهة الموضوع على أن تتألف هيئة بالوزارة من الفنيين يكون لها الرأي في تقدير القصص الصالحة للعرض بما يجتمع لها من براعة ونبالة الغرض وقوة الموضوع، أشارت المذكرة إلى ما يجب على الوزارة في منع الأفلام التي تسيء إلى سمعة مصر والبلاد العربية أو تسيء إلى صناعة السينما واقترحت توافر شروط خاصة فيمن يزاولون الأعمال الفنية الأساسية في صناعة السينما، كما رأت أن يظل باب المنافسة بين الأفلام الأجنبية والأفلام المصرية مفتوحاً إذ أن المنافسة داعية الاجتهاد وتحري الإجادة. .

وكل ما نقوله في التعليق على هذا هو أن الوزارة قد لمست الداء وتبينت الدواء فلعلها تكون حازمة فتنقذ مصر من هذه الفوضى التي تدلت بالفن إلى مدى سحيق!!

(الجاحظ)