مجلة الرسالة/العدد 730/منطق الحاجة. . .

مجلة الرسالة/العدد 730/منطق الحاجة. . .

ملاحظات: بتاريخ: 30 - 06 - 1947



للأستاذ طاهر محمد أبو فاشا

(عندما تروج الصناعة، تدفع السوق رجال الأعمال إلى

محاسب العامل (بالقطعة)، فبتجاوز هذا طاقته في سبيل كسب

مضاعف يدفع ثمنه من صحته وشبابه:

مؤامرة يدبرها الفقر، والجهل. . . على حساب الصحة

العامة. . . فليسمع المسئولون).

ذلك الجهاز الآدمي الذي يدور بقوة الحاجة مجهوداً مكدوداً يوشك أن يعطب حتى يزيته الفقر وتسوطه الحاجة. . . فينكفئ على رماد الشباب، وينطوي على أجر الصحة، وينبسط على ثمن الرغيف.

في هذا البلد نماذج كثيرة لهذه الأجهزة الآدمية. . . نماذج حية لا تؤجر على العمل، ولكن تحاسب على (الإنتاج). سخرها الفقر، وتافه الأجر، وفساد التدبير، وعقم التفكير. . . حتى أصبح العامل آلة مسحورة مسخرة في هدم شبابه من وجه الأصبوحة إلى فحمة الليل. . . فإذا أحسن الوهن دافعه بالمنهبات، وأسكته بالدوافع التي تصرخ في جوفه وبيته وولده، ويستجيب سبابه لإرادته، حتى يأتي اليوم الذي يسقط فيه البطل الفريس، فيستنجد إرادته، ويستعدي صحته. . . فتخذله الصحة، ويسلمه الشباب، ويذوي المسكين، وينكر من أمره ذلك الفتور، ولكنه يخدع نفسه، ويتحامل عليها، ويتعلل، ويتعايا. . . وهو ماض في عمله، يسرف في صبابة من الحرارة بقيت في جسمه المنهوك، ويعاني لدغات الشك، وتطارده أشباح الرعب والحرمان!

ويذهب ما بقي من هذا العامل إلى الطبيب، فيطلب إليه هذا ألا يجهد نفسه!

لا يجهد نفسه؟!

يا إلهي: كذا يقال للعامل المصدور، كأنما بيده أن يستريح وأن يجهد، وكأنه يستطيع أن يكبت صراخ الجوع الذي تصطك به أمعاه عياله! وهنا يهاجم الخوف الراعب قلب العامل العليل في عنف وشدة، فيخاف يومه، ويرهب غده، ويعيش في جو من الشك، وترتفع ثقته بالناس، ويلح عليه الإلحاد بالأوضاع، والكفر بالحياة. . . ثم لا يجد العيان يده التي تنتج الذهب، وتنال التراب. . . وقد تكون يده مبلولة بشيء من المال، فتجف بعد قليل، فينظر إلى ما زاد على الحاجة من ملبسه فيستغني عنه، ثم يتعلل بالغنى عن الضرورية فيبيعه، فإذا لم يجد من أخلاقه ما يباع التفت إلى أثاث بيته فتخفف، ثم باع ما زاد. . . ثم ما لم يزد!

صورة أليمة لا نجمع عناصرها من مادة الخيال، ولكن ننقلها من (خريطة) الواقع: أعرف بعض حالات من هذا النوع في هذا البلد، وما أعرفه ليس كل ما هو كائن. . . فماذا فعل الناس من أجل الناس، بل ماذا فعلوا من أجل أنفسهم في وقت يثير فيه الببغاوات حروب الأوضاع والأشكال؟!

أجيبوا أيها المسلمون الذين يؤدون زكاة الصحة والمال!!

طاهر محمد أبو فاشا