مجلة الرسالة/العدد 746/من ذكرياتي في بلاد النوبة:

مجلة الرسالة/العدد 746/من ذكرياتي في بلاد النوبة:

مجلة الرسالة - العدد 746
من ذكرياتي في بلاد النوبة:
ملاحظات: بتاريخ: 20 - 10 - 1947


4 - من ذكرياتي في بلاد النوبة:

جغرافية البلاد

للأستاذ عبد الحفيظ أبو السعود

وما كدنا نقيم بالمدرسة، ونزاول عملنا فيها، ونتصل بهذه الحياة الجديدة، ونتعرف إلى الأهليين في هذه البلاد، ونجوب أنحاءها، ونشاهد آفاقها - ما كدنا نفعل ذلك، حتى أدركنا قيمة المعرفة، ومنزلة الترحال، والانتقال من مكان إلى مكان. .

لقد شعر كل منا بالتقصير في حق بلاده، والتفريط في مصلحة وطنه، لأنه لا يكاد يعرف شيئاً عن هذا الوطن، الذي تقله أرضه، وتظله سماؤه، وينشق عبير روضاته، وينعم بثماره وخيراته. . .

أدركنا هذا، وشعرنا به وتمثل لنا حينئذ نشاط الأجانب، وقيمة الرحلات عندهم، وأثرها في حياتهم، وكيف أنهم ارتفعوا بها قدراً، وعظموا بها منزلة، وخلدوا بها ذكراً، وبعدوا شأواً ودفعتهم إلى العمل المنتج، والسعي الحثيث!.

وهالنا ألا يكون نصيبنا من جغرافية بلادنا سوى معلومات ضئيلة، لا تنبض بالحياة، ولا تكاد تنهض على قدمين، أو تقوم على ساق، لأنها تنبت في حجرات الدراسة فحسب، ولا تنال حظها من واقعية الحياة!!

ويقيني أنه واجب على المثقف إذا حل ببلد، أن يعطيه شيئاً من اهتمامه، وجانباً من عنايته، فيدرسه دراسة توقفه على جميع ما يعنيه، من مختلف نواحيه، بحيث يجيب إجابة حسنة إذا سئل عنه وخوطب بشأنه. .

وإذا فهم الإنسان البيئة الجديدة التي يحيا فيها، أمكنه أن ينتج على خير ما يحب، وأن يؤثر فيها كما يريد، دون أن تتكاءده عقبة، أو تقف في سبيله صعوبة، أية كانت. . . ومن الخطأ أن يترك بيئة دون أن يحدث فيها أثراً يذكره به أهلها، ويحيا به في ذكراهم على الدوام.

لهذا كله، عنيت بدراسة بلاد النوبة، ولن يكلفك معرفة جغرافيتها، أكثر من نظرة فاحصة إلى خريطة الوجه القبلي، وبخاصة مديرية أسوان، لتدرك أن الجزء المنزرع شؤيط ضيق على شاطئ النيل. . . بيد أن هذا الشريط يكاد ينعدم تماماً، ويتلاشى في المسافة ما بين الشلال وحلفا، وهذا الجزء نفسه هو بلاد النوبة، إحدى مناطق القطر المصري، وهي جزء من مديرية أسوان، غير مطروق. . ولذا فبلاد النوبة قليلة السكان، لا تحظى بإقبال المصريين، مثقفين أو غير مثقفين، ولا بإقبال أهلها أنفسهم على العمل فيها، والانتفاع منها!!

وحدود هذه الشلال شمالاً، وأدندان جنوباً، وهي آخر الحدود المصرية كما قضت بذلك السياسة الغاشمة، سياسة الاحتلال المقيت. ومن الشرق والغرب على السواء، سلاسل جبال تختلف ارتفاعاً وضخامة، وصحاري منبسطة واسعة، لا يكاد يقيم فيها الإنسان، اللهم إلا الجزء الواقع على النيل مباشرة فيضم نجوعاً كثيرة متناثرة على الشاطئين، وهي مثال الفقر والحاجة، ورمز البؤس القاتل، والشقاء الأليم. . وهي مع هذا عنوان التضحية، والتفاني في حب الوطن، حيث مسقط الرءوس مهما اشتد البلاد، وتمادى القدر في الغلواء!!

والمسافة من الشلال إلى وادي حلفا، حوالي ثلاثمائة وخمسين كيلو متر، مقسمة إلى أربع وأربعين محطة تقريباً، تقف الباخرة البطيئة (البوستة) في كل منها، تحمل البريد، والبضائع والركاب، منها وإليها، ولا تقف الباخرة السريعة إلا مرة واحدة في عنيبة. .

وإذا كان هذا الاسم (بلاد النوبة) يلقي في روع الإنسان حين يسمعه، أو يقرأ عنه أن سكان هذه البلاد نوبيون جميعاً، فإن الحقيقة غير هذا، والواقع يخالفه. . ذلك لأن هذه البلاد تنقسم إلى ثلاث مناطق تختلف كل منها عن الأخرى تمام الاختلاف، وتباينها إلى حد كبير.

فالمنطقة الأولى من الشلال إلى المضيق، وهي خمس عشرة محطة: الشلال، دهميت، الأمباركاب، خور رحمة، أبو هور، مرواو، مرية، قرشة، جرف حسين، كشتمنة، الدكة، العلاقي، قورته، السيالة، المضيق.

وللشلال شهرة بالملاحة، فأكثر الملاحين الذين يشتغلون في البواخر النيلية بوجه عام، تجارية وحكومية، وشراعية، من هذه البلاد الصغيرة المسماة بالشلال!!

وإنك لتعجب أشد العجب حينما ترى أبناء هذه البلدة يثبون في البواخر وثباً، ويقفزون هنا وهناك، وكأنما ولدوا على ظهور هذه البواخر، وعلى صفحات النيل، وبين موجاته العاتية، وتياره الجارف، ومع هذه فلا ينالهم أذى ولا يلحقهم مكروه!!

بيد أن الألم يحز في نفسك حزاً، حينما تراهم يرتدون الأسمال البالية، التي لا تكاد تستر شيئاً من أبدانهم وأجسامهم! تلك الأجسام الهزيلة الضعيفة، التي لا تكاد تقوى على الحركة والحياة، فلقد اجتمع عليها المهلكات الثلاث: الفقر والمرض والجهل. . . وما أكثر هؤلاء الصبية في محط الشلال، حيث القطر الحديدية، والبواخر النيلية. .

وفي الدكة مشروع للري، ولهذا فقد اشتغل كثير من أهلها بالزراعة، وقد شعرت وزارة المعارف بازدياد حركة التعليم في هذه البلاد فأنشأت في الدكة مدرسة ابتدائية، حتى تقاوم الجهل وتثقف العقول، وتنير الأذهان والفهوم. .

وكذلك في كل من العلاقي، والسيالة، مشروع للري، بعث النشاط نسبيا في أهل هذه البلاد وما جاورها، وجذبها إلى موطنها الأصلي، بدل التشرد في كثير من بلاد القطر، سعياً وراء الرزق والقوت، ومزاولة أعمال ومهن، اشتهرت بهم، واشتهروا بها، ولكنها لا تناسبهم الآن، أو بالأحرى لا يرضى الجيل المتعلم الجديد، الذي تعلم واكتملت ثقافته، واتسعت مداركه. . .

والمنطقة الثانية من السبوع، إلى كرسكو، وهي ست محطات: السبوع، وادي العرب، شاترمة، المالكي، السنغاري كرسكو، وليس في هذه المنطقة مشروعات للري، ومع هذا فأهلها يزرعون المساحات القليلة الضئيلة على جانبي النيل، ويجدون في هذا مشقة لا تكاد توصف، ويكفي أن تدرك، أنهم يجلبون (الطمى) من النيل عندما ينحسر الماء، ويضعونه فوق السفح الصخري إلى حد يكفي لنمو النبات، ثم يرفعون الماء بالدوالي والنواعير، ويبذلون في ذلك جهداً لا يقاس به جهد إنسان والغني القادر فيهم من يصلح بهذه الطريقة بضعة قراريط!!

بيد أن بلدة المضيق، خليط من العرب أهل المنطقة الثانية، ومن النوبيين الشماليين، أهل المنطقة الأولى، ولهذا تجد لغتهم خليط من العربية و (الرطانة) النوبية، وكذلك بلدة كرسكز على هذا الوضع لوقوعها بين المنطقة الثانية، والمنطقة النوبية. . . منطقة أهل الجنوب. .

وأما المنطقة الثالثة فهي أحسن حظاً من هاتين المنطقتين، وأرغد عيشاً، وأكثر ثراء وغنى، وهي أربع عشرة محطة: أبو حنضل، الديوان، الدر، توماس، قتة، إبريم، عنيبة، الجنينة، مصمص، توشكي، أرمنا، أبو سمبل، بلانه، أدندان.

وفي كل من توماس، وعنيبة، وبلانة، مشروع للري، إلا أن بلانة أخصب بلاد النوبة، وأنضرها زراعة، وأوفرها محصولاً، وأسبقها في ميدان التقدم الزراعي الذي ينتظر هذه البلاد، بجانب التقدم الصناعي الذي سيجرفها جرفاً إن شاء الله، ضمن ما يجرف من بلاد القطر، الغنية بالمعادن الدفينة، والثراء المقبور!!

ولكل منطقة من هذه المناطق الثلاث، اسم خاص بها، فالمنطقة الأولى منطقة (الكنوز) أو منطقة (نوبيّي الشمال). والمنطقة الثانية منطقة وادي العرب. والثالثة منطقة (نوبيّي الجنوب).

ولكل منطقة من هذه المناطق كذلك عادات وتقاليد خاصة تغاير تمام المغايرة المنطقة الأخرى، وهذا مما يجب أن يدخل إلى حد كبير في حساب الباحث، إذ أن واحداً من الكنوزيين، أو أهل الشمال، لو أراد أن يكلم آخر من نوبيي الجنوب، فإن أحدهما لن يفهم شيئاً مما يقول صاحبه، فلكل لهجة خاصة، أو ما يسمونه (رطانة). . .

ولن يحاول ساكن المنطقة الثانية - منطقة العرب - أن يفهم من أحدهما شيئاً، لأنه لا يعرف شيئاً من (الرطانة) وإنما هو يتكلم اللغة العربية التي دخلها قليل من اللحن والتحريف وإن كان يحتفظ باللهجة الجميلة، ذات الجرس الموسيقي البديع!

غير أن اللغة العربية تجمع بين هؤلاء الأخوة جميعاً، ولكنها عربية غير سليمة بطبيعة الحال، وكثير من الصبية والصغار لا يعرفون العربية، ولا يرضون بالرطانة بديلاً، وكذلك أكثر النسوة اللاتي لم يغادرن بلادهن، إلى مختلف بلاد القطر. فهؤلياء لا يتكلمن بالعربية على الإطلاق، لأنهن لا يكدن يعرفن عنها شيئاً أكثر مما يعرف عنها أهل القطبين!!

ومن العجيب أن التنافس شديد في العلم والمعرفة، والرقي إلى المناصب السامية، والتخلص من ربقة الماضي الأليم - بين أهل الشمال وأهل الجنوب من النوبيين فحسب، أو بالحري بين المنطقة الأولى والمنطقة الثالثة، ويظهر ذلك جلياً بين تلاميذ مدرسة عنيبة، في بدء العام الدراسي عند الدخول أو الالتحاق بالمدرسة، ثم يزداد وضوحاً في حجرات الدراسة مما يشحذ الهمم ويلهب القرائح، ويدعو إلى التفوق والنهوض. .

ويلاحظ أن تلاميذ المدرسة من أهل الشمال، أكبر سناً من تلاميذها من أهل الجنوب، وربما يكون مرجع هذا إلى أن قرب المدرسة من أهل الجنوب يساعدهم على الالتحاق بها في سن صغيرة.

كما تبدو هذه المنافسة بين الكبار في شتى النواحي، ومختلف مظاهر الحياة، مما قد نعرض له في سياق الأحاديث.

عبد الحفيظ أبو السعود