مجلة الرسالة/العدد 755/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة/العدد 755/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة - العدد 755
الأدب والفن في أسبوع
ملاحظات: بتاريخ: 22 - 12 - 1947



حدث في الفكر الإسلامي:

نشرت مجلة الثقافة بحثا كبيرا في مسالة تعدد الزوجات لمعالي الأستاذ عبد العزيز فهمي باشا، ذهب فيه إلى أن تعدد الزوجات إلى أربع غير قائم على سند من القران صالح لقيامه عليه، وانه بمقارنة بعض الآيات ببعض يظهر أن الأصل تحريم التعدد، وقد وصل معاليه إلى هذه النتيجة من طريق تفهم الآيات القرآنية وتذوق لاغها، فجاء بحثه تشريعا أدبيا قيما خطيرا، قيمته في البراعة في معالجة الموضوع، وخطره فيما انتهى إليه من الرأي، وهو لهذا يعتبر حدثا جديدا جللا في تاريخ الفكر الإسلامي من غير شك.

اعتمد الباحث الكبير في رأيه على ثلاث آيات من سورة النساء، هي:

1 - الآية الثانية من السورة وهي: (وأتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم انه كان جوبا كبيرا)

2 - الآية الثالثة ونصها: (وان خفتم إلا تقسطون في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى إلا تعولوا)

3 - الآية التاسعة والعشرون بعد المائة ونصها: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم، فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة)

قال: (إن الكلام في الآيتين الثانية والثالثة من السورة مسوق لتحقيق فضيلة العدل في المعاملة، فأشار في أولاهما إلى ما كان حاصلا من أكل المخاطبين أموال اليتامى الذين في ولايتهم ومن العبث بها، وقد أمرهم باجتناب هذا العبث وعدم التوريط فيه لأنه آثم عظيم. ولما كان بعض اليتامى إناثاً في حجر المخاطبين وكان لهن أموال تحت يدهم، وكان من عاداتهم السيئة انهم يتخذون هؤلاء اليتامى زوجات لهم ويمسكونهن هن وأموالهن ضرار، وكان هذا أشنع مظهر من مظاهر أكل مال اليتامى، فتتميما لفكرة تحقيق العدل (التي في الآية الثانية من السورة) وتثبيتا لها أشار في الآية الثالثة إلى هذا المنكر، واتى، بأبلغ ما يكون من القول لصرفهم عنه. انه يقول لهم: إذا فهمتهم قولي في الآية السابقة وعلمتم أن أكل مال اليتامى مطلقا (من ذكور وإناث) أثم كبير، فلا تتذرعوا إلى هذا العبث بنكاح اليتيمات اللاتي في جحوركم، بل تعففوا عن نكاحهن المفضى بكم إلى أكل أموالهن، ولديكم ممن تستطيبون من غيرهن من النساء كثيرات، تستطيعون أن تنكحوا منهن ما تشاءون، لا واحدة ولا اثنتين واحدة بعد أخرى، ولا ثلاثا واحدة بعد الاثنتين الأولين، بل حتى مثنى وثلاث ورباع، أي جزافا بلا حساب ولا عدد)؛ وأشار إلى ما في التعبير بهذه الكيفية من الاستهزاء والسخرية بالمخاطبين، والى أن أساس القول في الآيتين فكرة العدل، ثم دلل على أن الآية ليست مسوقة لتحديد عدد الزوجات بأدلة منها أن (تحديد عدد الزوجات من الأمور الأساسية في التشريع للعرب، لأنه يصادم عادة متأصلة فيهم، والقران اجل من أن يأتي بهذا الشان الأساسي بصفة عريضة جواباً لعبارة شرطية بعيدة يظاهرها عن هذا الشان ولا مناسبة بينها وبينه؛ إذ لحق أن أحد لا يستطيع أن يفهم ما هو الارتباط بين خوف عدم الأقساط في اليتامى وبين نكاح النساء والى أربع فقط. أن القران لأجل بلاغة من أن يأتي بهذه المفارقة)؛ ومنها أن كلمة (ما) في قوله (ما طاب لكم) من أقوى ما يكون في إفادة العموم، وليست موصولة، ونبه إلى بلاغة القران في انه استعمل كلمة (طاب) ولم يستعمل (حل)، لان الطائب قد يكون حلالا وقد يكون حراما، وقال: (ان مثنى وثلاث ورباع) معناها المتفق عليه عند الجميع اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، لأنها أوصاف معدولة عن اصلها العددي، يقصد بها التوزيع الجذاف لا تحديد العدد.

وتسال الباحث كيف تطمئن قلوب المؤمنين إلى الأخذ بما يرون من أن فلانا وفلانا كان تحته ثماني نساء أو عشر، فلما نزلت الآية كلم النبي فأمره بإمساك أربع ومفارقة الباقيات، وهل يعقل أن أية شريعة تأتي بتشتيت الزوجات وما قد يكون لهن من أطفال؟ وقال: (ومن ناحية أخرى فان قوله: (وان حفتم إلا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فان خفتم إلا تعدلوا فواحدة) أن فرض انه مسوق للتصريح بتعديد النساء إلى أربع فقط، فانه يقرر أيضاً حكما أساسيا هاما هو وجوب الاقتصار على واحد عند خوف عدم العدل بين الأربع المزعومات. وهذا الحكم الأساسي كان يقتضي بطبيعة الحال أن يأمر النبي الناس بمفارقة ما زاد على واحدة، لان الخوف يملا كل نفس).

ثم قال بان المقصود من عبارة (فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) إنما هو تنظيم الحالة الوقتية وهي حالة الزوجات المتعددات الموجودات فعلا عند نزول هذا القول.

وقال: أن الدين الإسلامي عالج أحوال العرب بكل تؤده، وتدرج في كثير من الأنظمة (وفي الموضوع الذي نحن بصدده الآن قد ترك القران الناس على حريتهم وعاداتهم يتزوجون أي عدد من النساء يريدون. وغير صحيح - في نظري - انه أحد من هذه الحرية نصا أي تحديد، بل كل الأمر انه نبههم إلى القاعدة الأساسية في تشريعه، وهي مراعاة العدل والابتعاد عن مزالق الجور، فأوجب على المسلم عندما يقوم في نفسه الخوف من عدم العدل أن يقتصر على زوجة واحدة، ثم أكد هذا المعنى تأكيداً لا هوادة فيه بقوله: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم)؛ فاصبح الأصل الواجب أن يجتذبه كل مسلم يريد الاحتياط لنفسه هو الاقتصار على زوجة واحدة).

ثم قال بأنه يحل الخروج عن هذا الأصل إلى التعديد في حالتين: الأولى إذا إنعدم الشرط بان انتقى موطن خوف الجور بتاتا كحالة زوجة مريضة أصبحت نهائيا لا تصلح للمباشرة؛ والحالة الثانية إذا أقضت الضرورات الماسة إباحة التعديد كحالات الحروب التي يقتل فيها الرجال، فلا محيص من تعديد الزوجات تكثيرا للنسل من الذكور.

ثم تناول مسالة خصوصيات النبي فقال: أنها فيما يتعلق بالزواج ليست خصوصيات تمتع، بل خصوصيات حرمان أو تكاليف مست إليها الضرورة لتحقيق المصالح الدينية والاجتماعية، وقضت بها السياسة الشرعية القائم هو دون غيره بإجرائها. وفصل القول في الحالات التي تزوج فيها بعد نزول الآيات السابقة مبينا مبرراتها التي منها - في مسالة زينب بنت جحش - أن الغرض منها أبطال عادة التبني وما يترتب عليها من تحريم مطلقة المتبني أو المتوفى عنها، وذلك بشيء عملي يهر الناس، فاختار الله النبي ليكون هو مثال المتبني الذي يدور على شخصه تحقيق موجب التشريع، وعلى هذا يكون الذي أخفاه في نفسه هو تأذيه من أن يكون هو المبتلي بذلك.

ومن تلك المبررات لجوء المطلقات والأرامل والبائسات إليه، وعد كل ذلك محنا وتكاليف مشوبة بالمشقة والحرمان، ومن ذلك المؤمنة التي تهب نفسها للنبي، ومثل لها بقوله: (بحسبك أن تتخيل أن الحكومة المصرية مثلا أصدرت قانونا يلزم كل من تولى رياسة الوزارة أو مشيخة الأزهر أن يتزوج أية امرأة مصرية مؤمنة تعرض نفسها عليه - بحسبك هذا لتدرك أن يوما واحدا لا يكاد يمضي على صدور مثل هذا القانون حتى يضج الرئيس أو الشيخ ويفر من منصبه، هذا حتى لو كانت الوافدات أبكاراً مكنونات مكيفات المئوية، لا أرامل أو مطلقات من المسنات المستميتات).

ثم بين كيف مال المسلمون إلى عدم التدقيق في تأويل النص القرآني وانحدروا إلى القول بإباحة الأربع إطلاقاً - بين ذلك باستعراض حال الجنود في الحروب الإسلامية الأولى، واضطرارهم إلى الاختلاط الجنسي والزنا محرم عليهم فلم يجدوا إلا التزوج وتكريره مع تعدد الوقائع والتنقلات، وتساهل معهم في ذلك لان الجنود مدببون في كل أمة، ودام ذلك بدوام الحروب والثورات التي استمرت حتى جاء عصر التدوين، وكانت عادة الأربع قد صارت من التقاليد القديمة المستقرة التي سرت إلى غير الجنود فاضطر الفقهاء إلى مسايرتها، وتساهلوا في تأويل سندها القرآني كما تساهل فيه المحاربون الأولون.

تعقيب:

وقد سرت مع الباحث الكبير معجبا بقوة حجته ونصاعة بيانه، ولكن عن لي في بعض المواطن ما أدلى به فيما يلي:

1 - أباح التعدد في الحالتين، حالة انتفاء موضع الجور، وحالة الضرورات. فإذا سلمنا بالحالة الأولى لبطلان المشروط بانتقاء الشرط، فمن أي باب يدخل إلى الحالة الثانية؟ يقول من باب (الضرورات تبيح المحظورات) والضرورات يمثلون في الفقه بمثل من تحق هلاكه إذا لم يأكل الميتة، فهل ضرورات الحروب وما إليها تماثل ذلك؟ ثم إلا يرى أن جواز التعدد في الحالتين معناه إباحة التعدد إباحة مقيدة؟

2 - قال بان الآيات (التي بنى عليها رأيه) نزلت وعند كثير من المسلمين وفي جملتهم النبي عدد من الزوجات، فكان التشريع للمستقبل، ونظمت الحال الواقعة بـ (فلا تميلوا كل الميل. . .) ويفهم من هذا أن النبي وقع في بعض عادات العرب السيئة التي أبطلها الإسلام، والمأثور أن تلك لم يكن.

3 - الملاحظتان السابقتان من عمل الذهن، أما الملاحظة الثالثة هي الشعورية. . . فكم يصعب على أن أتصور المجتمع الإسلامي من الصدر إلى الآن - في هذه الغفلة العجيبة فيما يتعلق بهذا الموضوع.

كرسيان آخران في المجمع اللغوي: قرر مجمع فؤاد الأول للغة العربية في جلسة يوم الاثنين شغل الكرسيين الحالبين فيه بعضو عراقي وعضو فلسطيني، وحددت جلسة يوم الاثنين 29 ديسمبر الحالي للترشيح وتحديد جلسة بعد لانتخاب العضوين من بين من يرشحون

وهذان الكرسيان هما الباقيان من الأربعة التي كانت خالية بالمجمع وشغل اثنان منها بانتخاب الأستاذين علي عبد الرزاق والمازني منذ أسبوعين. ومما يذكر أن العضو العراقي سيحل محل الأب انستاس ماري الكرملي الذي توفي في هذا العام، أما فلسطين فلم تكن مثله في المجمع وسيأخذ مندوبها كرسيا كلن مشغولا بمصري من الثلاثة المتوفين. ومن الأسماء التي تردد للترشيح عن فلسطين الأديب اللغوي الكبير الأستاذ محمد إسعاف النشاشيي.

المسرح الأوربي بعد الحرب:

تحدت الأستاذ صلاح ذهني بنادي الخريجين المصري يوم الجمعة عن مشاهداته في مسرح أوروبا بعد الحرب، فتناول في حديثه المسرح في إيطاليا، وفي فرنسا، وفي إنجلترا، فقال أن فن الأوبرا الذي عرفت إيطاليا بالتبريز فيه لا يزال على أوضاعه القديمة يحكمه الفتاء والموسيقى ويخضع له التمثيل والاخراج، أما المسرح الاستعراضي فقد اصبح في إيطاليا ميدانا لتناحر المذاهب السياسية، وعلى الأخص الشيوعية والديمقراطية المسيحية، وهو وان كان يعالج المسائل الوطنية والمشاكل القومية إلا انه يلاحظ أن القوة اختفت منه، والمراد بالقوة الدعوة العريضة التي كانت تردد أيام الحرب في العهد الموسلني. وقال الأستاذ أن استخدام المسرح في الوطنيات بإيطاليا الآن يشبه ما كانت تصنعه الفرق الاستعراضية بمصر سنة 1919، وخاصة ما كان يلقى فيها من الأناشيد الحماسية

ثم وازن بين المسرح الإنجليزي والفرنسي من حيث التجديد فقال أن الأول يسير على طبيعة الإنجليزي في المحافظة في المحافظة وعدم الإسراع في استقبال التيارات الجديدة، فتجد المسارح الكبيرة جارية على تقاليدها ولا تكاد ترى الجديد إلا في المسارح الصغيرة، أما في فرنسا فالأمر على خلاف ذلك جريا على طبيعة الفرنسيين في سرعة الاستجابة لدواعي التقدم، ومن أمثلة التقدم في الإخراج الفرنسي، إحدى الروايات القديمة كان البطل فيها مصورا على انه كاره للإنسانية، فجعله المخرج عصبيا يفسد بإضراب أعصابه أعماله وعلاقاته بالناس، واستعان المخرج في ذلك بعلم النفس وبالضوء إذ يرسل على الشخصية أشعة خاصة تهيج الأعصاب وقال أن عادة الترفيه أيام الحرب قد غلبت على المسرح الفرنسي فمن المشاهد أن يخرج الممثل عن دوره ليأتي بحركات ونكات مضحكة. وقال أن المسارح هناك تتمتع بحرية عجيبة في عرض المبادئ السياسية، والشيوعية هي المتغلبة هناك. أما ما عرفت به فرنسا قبل الحرب من المسارح المجونية المتهتكة فلا يزال كما هو. . ولم تستفد فرنسا من محنتها القاسية التي أوقعها فيها انحلالها الخلقي وانغماسها في الترف واللذات، كما قال بيتان. .

وقال المحاضر أن إنجلترا تشكو الفقر التأليف المسرحي، وان المسارح الناجحة فيها هي المسارح الأمريكية التي غزتها وتغلغلت فيها، حتى انك تجد المسرح الرائج الذي يمثل فيه ممثلون إنجليز إنما تعرض عليه رواية أمريكية، فالسائد هناك هو الفن الأمريكي. وقال انه شاهد في بعض المسارح الصغيرة نوعا غريبا من التجديد، فالمؤلف لا يضع إلا الفصل الأول يصور فيه المشكلة، ثم تستدل الستارة ويؤخذ رأي الجمهور في حل المشكلة، وعلى حس هذا الرأي يعمل المخرج في إظهار المنظر التالي. . وهكذا حتى تنتهي الرواية، وهي لهذا تأخذ وقتا أطول من المعتاد

وختم المحاضر حديثه بأن المسرح يعيش في اوروبا لان هناك جمهورا ممثلا ورواية، أما مصر ففيها ممثل ولكن ليس فيها جمهور ولا رواية.

(العباس)