مجلة الرسالة/العدد 763/البريد الأدبي

مجلة الرسالة/العدد 763/البريد الأدبي

ملاحظات: بتاريخ: 16 - 02 - 1948



معروف الأرناؤوط في حمى الرافدين:

استردّت السماء إليها في الأسبوع الخالي إحدى ودائعها العزيزة عند الأرض، حين وافى الأجل فقيدنا الغالي معروف الأرناؤوط. .

والأرض والسماء تتبادلان ودائعهما في غير انقطاع؛ ولكن فرحة الإنسانية باستقبال إحدى هذه الودائع قلما تعادل نكبتها بالخروج عنها وتشييعها إلى مستقرها.

وأبناء الحياة يودعون كل يوم أو كل ساعة راحلاً منهم إلى العالم الآخر، ويأسى منهم من يأسى، حيناً من الدهر، ثم ترقأ الدموع، وتندمل الجراح، ويمر النسيان بكفه على الأثر، فيمحي كل شئ إلى الأبد.

ولكن الوقت يخترم منهم بين الفينة والأخرى واحداً بعينه، فإذا صوتُ النائح يعلو على الأصوات كلها، وإذا سحابة الحزن تخيم على الرؤوس جميعها، ثم إذا الجرح أعمق من أن تأسوه الأيام، والأثر أبلغ من أن يغطي عليه النسيان. .

لقد نعى إلينا الناعي معروفاً في ساعة مبكرة من يوم الجمعة الثلاثين من شهر يناير 1948، فعقدت المفاجأة ألسنتنا، وبلبلت أفكارنا، وأثارت لواعجنا، وأطلقت شؤوننا؛ ولم نكد نثوب إلى أنفسنا حتى عرفنا أية خسارة فادحة خسرتها الأمة العربية بفقده، وأي رفد عظيم حرمته العربية بحرمانها منه.

وسار الموكب الرهيب بجثمان الفقيد، بعد ظهر السبت، ومشى خلفه نائب صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، وفئة من الوزراء وأصحاب المناصب العليا، وجمهور غفير من حاصة أهل الفضل والعلماء والأدباء الذين تداعوا إلى العاصمة من لبنان والعراق، وجيش لجب من رجال التربية والثقافة وعامة الناس. سار الموكب الرهيب خاشعاً موقراً حتى إذ لمع الراحل مأمنه، انقلب الناس راجعين، وفي كل عين دمعة، وعلى كل شفة خلجة، وبين كل نفس ونفس معنى يصوغ الأحزان ويهيج الخواطر الباكية!.

والآن، لقد تجاوز معروف الأرناؤوط هذا الأفق الأرضي، وانبتت صلة المادة بينه وبين أبنائه، وانصرف عن هذا التهافت العاجز، وابتعد عن هذا الضجيج العابث، الذي نفرغ جهدنا - نحن - فيه. وعرجت روحه إلى أولمب الخالدين، وانضم إلى زمرة أرباب الفن، لينعم بمباهج ذلك العالم الخالد الذي طالما طمح إليه بأفكاره، وليطمئن إلى محاسن تلك الحياة التي طالما حلق بخياله إليها، وليغمر قلبه بنور الأبد الذي طالما حلم به وحن إليه. .

وعاد من عرف معروفاً، فاعتزل الناس، وخلا إلى نفسه، يغالب لوعته وينطوي على أشجانه.

ولئن خلا هو إلى رحمة ربه، فإن عمل معروف وروح معروف وفن معروف، هنا فيما ترك بين أيدينا من كتب ومقالات، وفيما حفظنا له من أحاديث وأقوال!

كان معروف الأرناؤوط طبقة وحده بين الأدباء، تهيأ له الذوق الفني، والخيال الخصب، والذهن المشرق، والقلب الزاخر بالحياة والإحساس، والنظرة النافذة إلى دقائق المعاني، والقدرة العجيبة على انتقاء الألفاظ وتنسيقها وصوغ العبارات التي تستأثر بالإعجاب. .

كان، كما لا يمكن أن يكون كل كاتب، يريق من روحه وعواطفه وعبقريته على ما يكتب، فإذا هذا الذي كتبه ينضح عطراً، ويلتمع ألواناً، ويترقرق عذوبة وألحاناً. . .

كان حسبي، إذا اصطلحت على نفسي الهموم، وتذاءبت على قلبي الأحزان، وتضافرت عليّ المخاوف، في ساعة من ساعات القلق والشك، أن أمد يدي إلى (سيد قريش)، حتى أجد عنده سكينة نفسي، وحتى أجد حلاوة هذه الفصول قد اتصلت بقلبي، وحتى أجد فن معروف يرفعني رويداً رويداً إلى دنيا غريبة فذة من المعاني المحببة والأحلام الجميلة والأخيلة البديعة. . . ولم يزل ذلك حسبي!

إيه معروف! لقد خلفتنا في دنيا غلب عليها الشر، وعدا عليها وعلى أبنائها الشقاء، والتائتْ عليهم سبل العيش، وابتذلت المقايس الكريمة والمثل الرفيعة، وعز عليهم أن يجدوا الطمأنينة لأنفسهم المرهقة. . خلفتهم وهم أحوج ما يكونون إلى نفحات القلب الكبير الذي يحمله الأدباء الكبار أمثالك، وإلى نفثات القلم الملهم الذي يتحرك في يد الكتاب أندادك، يلتمسون عندها الراحة والعزاء والسلوة.

رحمك الله، وأنعم عليك بالجنة والرضوان.

محمد الأرناؤوط

الفتنة الكبرى اطلعت على الكلمة التي نشرت في هذا العدد تعليقاً على مقال لي عن كتاب الدكتور طه حسين عن الفتنة (الكبرى) فلما قرأته آثرت أن لا أضيع على قراء الرسالة صفحات في نقد كلام الدكتور شوقي ضيف، فعجلت بكتابة هذه الكلمة.

وليأذن لي الدكتور طه حسين أن أوجه الكلام إلى الدكتور شوقي ضيف، في بعض ما جاء في رده عليَّ.

فأول ذلك أن الدكتور شوقي قد أطال في كلام أكثره موجود في كتاب الدكتور طه، كأنه أراد أن يشرحه، وكان وكنا في غنى عن مثل هذا الشرح.

والثانية أنه أطال أيضاً في الأسباب الموجبة لنفي قصة عبد الله ابن سبأ، ونحن لم نقل أننا نثبتها برواية الطبري وحسب، بل قلنا إن الدكتور طه زيف القصة بأسباب لا تستقيم، وهذه الأسباب مذكورة في مقالي ولم يتنبه الدكتور شوقي إلى ضعفها وتهافتها. أما إثباتنا لها فسيأتي فيما بعد بطريق آخر غير الذي ظنه الدكتور ضيف.

والثالثة أنه ذكر عن ياقوت شيئاً في شأن تفسير الطبري وتاريخه، وهو أن الطبري روى في تاريخه أشياء عن رجال ليسوا عنده بثقات، وأنه لم يرو عنهم مثل ذلك في تفسيره لمكانهم في التهمة في رأيه. وشرح ذلك أن للطبري رأياً في قوم ليسوا بثقات عنده، فنزه التفسير عنهم لأنه أمر دين تجب منه الحيطة الشديدة؛ أما التاريخ فليس لمثل هذه الحيطة فيه مكان. وموازين المحدثين والمفسرين في رد الرجال وتجريحهم، لا يمكن أن تطبق على أهل التاريخ وسواهم من أدباء ورواة. ولو صح ذلك لأسقطنا رواية التاريخ كله، ورواية الأدب كله، ورواية اللغة كلها،. وأظن أن الدكتور ضيف لم يعط هذا الأمر حقه من النظر والتدبر. ولست فيما أظن أيضاً مكلفاً بشرح أصول هذه الفنون لكل امرئ لم يطلع عليها أو لم يعرفها حق المعرفة، إلا أن يسأل سؤالاً منزهاً عن مواضع اللجاجة في الانتصار لفلان أو فلان.

والرابعة أنه تسرع في ذكر أشياء نعفيه من نقدها، لأنها تطول وشرحها يطول أيضاً. ولكني على ثقة من أن الدكتور طه يعرفها كما يعرفها، وتبين مواضع الغمز فيها

ومهما يكن من شئ، فإني كتبت ما كتبت عن (الفتنة الكبرى) ولم أتممه بعد، ولعل الأستاذ لو صبر قليلاً لرأى ما يرضيه أو يقنعه. أما العجلة فلا تأتيه بشيء إلا تراكب الخطأ على الخطأ، ونحن إنما نكتب لنزيل الأخطاء لا لنراكمها بعضها على بعض.

وليعذرني الأستاذ إذا رأى أني لم أبين له البيان الشافي في مسألة الرواية في التاريخ والحديث والتفسير، وكيف تكون وما شروطها، وما ينبغي أن ينظر إليه الباحث مرة، ويتجاوز عنه أخرى في هذه الأشياء، فإن شاء أن يتحرَّاه على وجهه، فليسأل الدكتور طه نفسه، فهو يدله على المصادر التي تعينه على بيانها إن شاء الله. . .

محمود محمد شاكر

1 - تصانيف ابن تيمية:

قرأت ما كتبه الأستاذ محمد الأمين في عدد (الرسالة) 761 فرأيت أن أنقل من كتب الثقات ما يؤيد قول (المفصل في تاريخ الأدب العربي): وبلغت مصنفاته ثلاثمائة مجلد.

جاء في (شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد) ج6 ص84 في ترجمة الحافظ تقي الدين بن تيمية: قال الذهبي في عدد مصنفاته المجودة: وما أبعد أن مصنفاته إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلدة.

وقال ابن كثير نقلاً عن البرزالي: وله تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة في الأصول والفروع كمل منها جملة بيضت وكتبت عنه وقرئت عليه أو بعضها، وجملة كبيرة لم يكملها، وجملة كملها ولم تبيض إلى الآن.

وقال الحافظ ابن حجر في (الدرر). إن مصنفاته ربما تزيد على أربعة آلاف كراسة. وفي (فوات الوفيات) إنها تبلغ ثلاثمائة مجلد.

وقد كثر القول في هذا الرجل بين نقد وجرح وإطراء ومدح، وأعدل الأقوال هو ما قاله تلميذه ابن كثير: وبالجملة كان رحمه الله من كبار العلماء، وممن يخطئ ويصيب. . . قال مالك بن أنس: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر.

إما (المنتقى) فهو من تأليف جده، وذلك مشهور.

2 - إلى الأستاذ محمود شاكر:

في عدد الرسالة 761 (وهذه الخمسة أشياء) فهل هذا تطبيع، والصواب (وهذه الخمسة الأشياء) والأعلى من هذا والأصح (وهذه خمسة الأشياء) أم تذهبون إلى غير هذا؟ محمد أسامة عليبة