مجلة الرسالة/العدد 810/السيد علي داشتي سفير إيران في مصر

مجلة الرسالة/العدد 810/السيد علي داشتي سفير إيران في مصر

ملاحظات: بتاريخ: 10 - 01 - 1949



للدكتور يحيى الخشاب

سعدت الأندية العلمية والأدبية في العام الماضي بمحدث من الطراز الأول، برع في فن الطب وأولع بالأدب من مختلف اللغات، وشغف بالبحث العلمي شغف العلماء أصحاب الاختصاص؛ ذلك هو الدكتور قاسم غني سفير إيران الذي حاضر الأطباء في تاريخ الطب، وحاضر الأدباء في الأدب الفارسي وصلته بالآداب الإسلامية، وشكل لجنة لإحياء ذكرى فيلسوف الإسلام ابن سينا، والذي استمع إليه صحبه في كثير من التقدير والاستحسان كما قرأ له أصدقاء الرسالة بحثه القيم في تاريخ الطب عند المسلمين، وقد نشرته الرسالة تباعاً. وغادر الدكتور غني مصر بعد أن ترك فيها جماعة من الأصدقاء المعجبين بعلمه وأدبه وكتابته، وهذا من خير ما يتركه سفير في بلد أدى فيه السفارة.

ومصر إذ تودع الدكتور قاسم غني تستقبل سفيراً جديداً لإيران هو السيد علي داشتي، وهو الصحفي الكبير والزعيم البرلماني الذي يعرفه الإيرانيون، والذي اشتهر عند المشتغلين بالدراسات الشرقية كأحد بناة النهضة الإيرانية الحديثة. فقد اتخذ من الصحافة الحرة وسيلة للدعوة إلى الحرية والعدل والأمن وهو الذي وقف في ثبات وجسارة يطالب بالإصلاح في آخر العهد القاجاري، وظل في كفاحه الصحفي مصلحاً اجتماعياً وداعية إلى ما فيه خير بلاده بكل ما يملك من جهد.

والذين يدرسون تاريخ إيران الحديث، في مصادره الأصلية يعرفون ما كان للسيد علي داشتي من فضل في توجيه سياسة حكومة بلاده نحو الإصلاح الاجتماعي الذي يجعل من كل فرد مواطناً صالحاً لخدمة أمته.

والسيد علي داشتي رجل دين، فقد بدأ حياته العلمية يطلب العلوم الشرعية في كربلاء، حتى إذا حذقها وألم بأصولها وفروعها أدرك أن الرسالة الأولى للصحفي هي أن يبين للشعب الخبيث من الطيب، والزائف من الحق. ولا تزال مقالاته التي جعل عنوانها (الإصلاح الديني) خير ما كتب في إيران لنقد عادات الناس الرذيلة وبعدهم عن لباب الدين وأصوله، وانحرافهم إلى ترهات لا تمت إلى الدين بصلة. وفيها دعا الناس إلى إتباع أحكام القرآن الكريم وسنة النبي عليه الصلاة والسلام وسيرة السلف الصالح في صدر الإسلام.

ولكن كتابة المصلح لم ترق للشعب فإن الخرافات عنده قد امتزجت بالحقيقة. فقد كان من يفرق بين الغث والسمين، ويفصل بين الحق والباطل، ويدعو الناس إلى سبيل لا عوج فيه؛ كان من يفعل هذا موضع سخط العامة ونقمتهم، ولقي السيد داشتي من هذا السخط ما حمله على الانتقال من شيراز إلى طهران.

وفي طهران أصدر جريدته (شفق سرخ) أي: الشفق الأحمر، وأخذ يناضل فيها عن رأيه ويدعو الناس إلى الخير، تارة باسمه وتارة باسم مستعار. وتمتاز كتابته بهذا الطابع الذي امتاز به في حياته الأدبية وفي منهجه السياسي؛ طابع الصدق في القول والإخلاص في العمل. وقد اتخذ الأحرار من جريدته منبراً يذيعون منه آراءهم وينادون بما يرون من وجوه الخير والإصلاح.

وقد تعرض الرجل في حياته لكثير من الأذى في سبيل أداء رسالته، فكما أن الشعب لم يتقبل دعوته في إصلاح الدين بما ينبغي لها من الأتباع والإعجاب، فكذلك كانت حملته السياسية على حكومة (وثوق الدولة) سنة 1919 سبباً في إبعاده عن البلاد. فقد كانت كتابته في الصحف من أشد ما وجه لسياسة المجاملة للإنجليز، وقد لجأت الحكومة إلى حظر نشر مقالاته في الجرائد فلجأ إلى المنشورات يكتبها وتوزع فتنتشر بين الناس. وقبض على الرجل وسئل عمن يكتب المنشورات فلم يبال وأعلن أنه صاحبها وكاتبها، فلم تر الحكومة من وسيلة لإسكاته غير نفيه من البلاد.

ولم تكن هذه سابقة في الجهاد كافية لأن يعيش الرجل بها ويبني مجده عليها؛ بل ظل صلب العود، شديد المراس، ثابت الرأي، وصمد في شيخوخته صموده في شبابه. وقد حمل منذ سنوات حملاً على أن لا يخرج من داره أربعة أشهر ثم اضطر إلى ترك بلاده فسار إلى فرنسا حيث مكث سنة ونصف سنة.

وقد شارك السفير في الحياة السياسية في بلاده؛ فهو نائب قديم بالبرلمان، وهو زعيم يشار إليه، وقد أفلح بتوجيهه السليم في أن يكون أبرز شخصية في البرلمان الإيراني، وكثيراً ما كان لآرائه الأثر الصالح في توجيه سياسة بلاده.

ولم تصرفه حياته الصحفية وجهاده السياسي عن العلم والأدب فقد أتم ثقافته الدينية بالإحاطة بالآداب الغربية فحذق اللغة الفرنسية وقرأ آثار الفرنسيين الأدبية ونقل إلى اللغة الإيرانية كثيراً من الكتب التي يراها متمشية مع رسالته في الإصلاح الاجتماعي، فترجم مثلاً (سر تفوق الإنجليز السكسونيين) و (سر تطور الأمم) وغيرهما.

وقد رأى جماعة من أصدقائه أن يجمعوا مقالاته التي دبجها في الصحف فجمعوها باسم (سايه) - أي الظلال - وذلك أثناء إقامته الأخيرة في باريس.

ومن كتبه (فتنة) ويحوي ثلاث قصص اجتماعية (فتنة) و (حوادث تلك الليلة) و (رسالة من سيدة).

وقد رأت الحكومة الإيرانية أن تعهد إلى السيد علي داشتي بالسفارة الإيرانية في مصر، فأوفدت رجلاً من أعظم رجالها، وهو خير خلف لخير سلف. وقد أدركت من أول حديث لي معه أنه شديد العناية بأحياء الصلات الثقافية بين مصر وإيران، حريص على (إحياء ذلك العهد الذي طواه الزمن، عهد اتصال الفرس بالعرب اتصالاً قريباً وثيقاً، أيام كان العرب يعنون بنقل آثار الفرس إلى لغتهم ويحرصون على ذلك حرصاً شديداً تمليه عليهم نهضتهم العظيمة ليفيدوا من هذا الأدب القديم الغني كل ما يمكن أن يفيدوه، وأيام كان الفرس ينقلون عن العرب كل ما يمكن أن يحيي أمتهم وأن يرد إليها مجدها القديم).

يحيى الخشاب

رئيس فرع اللغات الشرقية بكلية الآداب