مجلة الرسالة/العدد 842/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة/العدد 842/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة - العدد 842
الأدب والفن في أسبوع
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 08 - 1949


للأستاذ عباس خضر

المازني:

فجعنا بوفاة الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني يوم الأربعاء الماضي (10 أغسطس الحالي)، وأقول (فجعنا) وأنا أشعر بألم الفجيعة في واحد من أساتذتنا الذين تعلمنا وما زلنا نتعلم مما يكتبون وليس من السهل أن نرى كاتباً كالمازني يسلم الروح بعد عشرة روحية طويلة، وقد كان رحمه الله يصدر في كتابته عن ذات نفسه يحدثك حديث الإنسان المجرد من الزهو والتصنع والرياء، كان يصور نفسه، وما ينعكس على صفحاتها من صور، وما يضطرب فيها من أحاسيس، تصويراً طبيعياً صادقاً، فيشعر القارئ أنه إزاء إنسان صديق ممتاز. وكان من أقرب الكتاب إلى النفوس، لأنه كان قريباً إلى نفسه، وإلى حياة الناس، يأخذ مادته من الواقع، ويصوغها في أسلوب يستمد حياته من الواقع أيضاً، أسلوب عربي متين، ومع ذلك يطابق به لغة الخطاب في روحها وسياقها، ويخيل إلي أنه حين كان يكتب يتمثل الحديث العادي في الحياة الواقعة، فيترجمه إلى أسلوب يجمع قوة البيان العربي وروح الطبيعة الصادقة، وكثيرا ما كان يتوخى الكلمات العربية السائرة في العامية أو المحرفة فيها التي نكتب ويمكن قراءتها على أصلها العربي، فيقول مثلاً: (ربنا يجازيك) مؤثراً هذا التعبير على (جزاك الله) لأن الأول يستعمله الناس في خطابهم مع سلامته في العربية بتصحيح نطقه. وأنا أميل إلى هذا المذهب في الكتابة، وأحب أن أتابع فقيدنا المازني فيه.

وكان الفقيد الكبير من النقاد الأوائل القلائل الذين بدءوا حياتهم الأدبية بالثورة على المناهج الدبية القديمة، فدعا فيمن دعا إلى تجنب التقليد وتزييف الشعور، وأن ينظر الأديب في حياته وإلى ما يحيط به، ليصدر فيما يكتب عن صدق وأصالة. وقد نشأوا جيل الأدباء الحاضر على تلك الأفكار التجديدية، ورددها تلاميذهم وطبقوها على إنتاجهم ونقدهم، حتى استقرت في الأذهان وأصبحت حقائق أدبية مسلمة.

وفي أدب المازني إنسانية تتجلى في تحليله للضعف البشري الذي يشعر به من نفسه ومن الناس، فتراه فيما يصور من أمر نفسه صريحا ظريفا ممتعا، وتراه عطوفا كريم عرض عيوب الناس ومقابحهم، يلتمس العذر لأهله، وينظر إلى المخطئ والمسيء نظرة الطبيب إلى المريض.

أراني استطردت إلى شئ من قبيل النظرة الدراسية التي لا يتسع لها المجال، وإنما أردت أن أبين أثر فقيدنا الراحل في هذا الجيل الأدبي وفي واقع حياة الناس. ولست بحاجة إلى بيان صفاته الإنسانية التي هي صفات الأديب المطبوع، المتسامي عن سفساف الناس، الساخر من غرورهم، الزاهد في زخرف الحياة، العازف عن أباطيلها.

تخرج المازني في مدرسة المعلمين العليا، واشتغل بالتدريس حيناً في مدارس الحكومة، ثم تمرد على تسلط المستعمرين وأذنابهم في ذلك الحين، فاستقال، واشتغل بالتدريس أيضاً في بعض المدارس الأهلية، ثم خلص للكتابة والصحافة فقضى فيهما أطول مرحلة من حياته العلمية، وكان يكتب في الأدب والاجتماع والسياسة، وقد تميزت كتابته في السياسة بالكياسة والنظرة القومية.

وقد لقي المازني عنتاً وشقاء في بعض أيامه الأولى، حتى اضطر إلى بيع الكتب التي تحويها مكتبته. وابتسمت له الأيام في العهد الأخير، ولكن هذا الابتسام كان افتراراً يسيراً مقتصداً فقد كان الرجل يحمل عبء العيال، وكان يضطر إلى كثرة الكتابة ليواجه تبعاته، حتى كان يكتب بعدة صحف ومجلات في وقت واحد. ولم يكن شيء من ذلك يبلغ حد التقدير الذي يستحقه هذا الرجل العظيم الذي عزف عن المناصب الحكومية التي ارتقى إليها من دونه، وظل يكافح ويستنبط رزقه بقلمه حتى أسلم الروح.

إن الفجيعة بفقد المازني، هي فجيعة الأدب في الأديب الحر الصادق، وفجيعة الحياة الإنسانية في هذا الإنسان الكريم، وفجيعة مصر وكافة أقطار العروبة في الكاتب العظيم.

أبو شادي العجيب:

كتب الأستاذ مصطفى أمين بك صاحب (أخبار اليوم) بعد رحلته في أمريكا - أن الدكتور أحمد زكي أبو شادي الطبيب والشاعر المصري الذي يقيم الآن في نيويورك، نشر سلسلة مقالات في جريدة (الهدى) التي تصدر في نيويورك هاجم مصر فيها هجوماً عجيباً! وأنه تقدم إلى الحكومة الأمريكية يطلب التجنس بالجنسية الأمريكية. .

وأبو شادي هذا سافر إلى أمريكا منذ سنوات، معلناً أنه لن يعود وأنه يبقى هناك حتى توافيه أم قشعم.

وقد طهرت منه مصر منذ ذلك الحين، وتنفس الجو الأدبي الصعداء، وشرع بعض الشعراء اللذين أفسد سليقتهم الشعرية في إصلاحها، ولا يزال بعضهم على ذلك الفساد.

وقد مكث أبو شادي دهراً ينظم كلاما فارغا ويقذف به ديوانا وراء ديوان، وهو يحاول أن يقنع الناس بأنه شاعر، فأخفق، ولم يفلح إلا بإفساد المذهب التجديدي في الشعر العربي الذي دعا إليه العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري، وكان من رواده خليل مطران حتى لقد نفر أبو شادي بعض الشعراء المجيدين من لفظ التجديد وأصبح مثار التندر في مجالسهم فلا غرابة أن يأتي إلينا نبأ انحراف ذلك الرجل عن الكرامة الوطنية، ومصر لا تستحق هجومه عليها إلا لسبب واحد هو أنه من أبنائها. . وإن كانت قد كفرت عن ذنبها بلفظه وقذفه إلى ما وراء البحار. . .

حمير الإذاعة:

سمعت في هذا الأسبوع حديث ندوة (الحيوانات) ببرنامج الأطفال في الإذاعة المصرية. خارت البقرة وافتخرت بأن الشعراء يشبهون بعينيها العيون الجميلة. فما كان من الحمار إلا أن نهق وقال: حتى أنا يذكر الشعراء صوتي في أشعارهم فيقولون: إن أنكر الأصوات لصوت الحمير! ولا لوم عليه في اعتقاده أن هذا من كلام الشعراء فهو حمار. .

إنما السبيل على من أنطقه!

وقديماً قرأنا في نوادر الحمقى والمعتوهين بكتب الأدب، أن أحدهم قام يخطب قي الحث على الجهاد فقال: قال الله تعالى:

كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول

تعليم اللغة باللغة:

قرأت كلمة الأستاذ السيد حسن قرون المنشورة بالعدد الماضي من (الرسالة) تعليقاً على ما كتبته في عدد ماضي بعنوان: (تعليم اللغة بدراسة الأساليب)

وأقول للأستاذ أولاً: إن مؤتمر مفتشي اللغة العربية انعقد باعتباره هيئة فنية تنظر فيما يتعلق بأعمالها وتبدي الرأي في المسائل المتصلة بها، على أنه رأي فقط، يصح أن تأخذ به السلطة الرئيسية في الوزارة أولاً. وأنا كتبت في موضوع تعليم اللغة العربية بمناسبة ما قرره المؤتمر فيه، لا لعرض ما انتهى إليه، والواقع أن المؤتمر لم ينته إلى أمر ذي خطر يغير واقعاً، فقد رأى أن تدرس اللغة العربية عن طريق نصوصها وأساليبها لتستخلص منها القواعد من غير إسراف في الاصطلاحات النحوية المطولة. وهذا متبع فعلاً، فالمدرس يعرض الأمثلة على التلاميذ ويستنتج منها القاعدة، والذي يمكن أن يعد جديداً في قرار المؤتمر هو عدم الإسراف في الاصطلاحات النحوية المطولة، وهذا هو ما يطلق عليه (تيسير النحو) على أن هذا أيضاً هو ما اتجهت إليه لجنة تيسير تدريس اللغة العربية بوزارة المعارف في منهج اللغة العربية الجديد الذي يوشك أن يأخذ طريقه إلى التطبيق والتنفيذ في المدارس.

وما ذكره الأستاذ من اضطراب منهج اللغة العربية في المدارس صحيح، وقد ذكر أمثلة له. وأنا أريد أن اعدي عن هذا فما هو بذي شأن فيما أريد أن أحصر الكلام فيه، وهو تعليم اللغة بالكلام الفصيح، وقد تسائل الأستاذ قرون عن المقصود باستخلاص اللغة من الأساليب، فإن كان يبغي ما عند المفتشين والوزارة فقد تقدم بيانه، وإن كان يريد ما رميت إليه بكتابتي السابقة في الموضوع فهو ما قلت (أن يترك الناشئ سنوات يسمع فيها اللغة ويقرؤها ويعالج التعبير بها، بحيث يشعر بالحاجة إلى ضوابط لها، وعند ذاك ننتهز فرصة تشوقه إلى الضوابط، فيعرف بها طرقة سهلة ميسرة)

وتفصيل ذلك أو تطبيقه أن تحذف القواعد من المدارس الابتدائية، لا أن تؤخر فقط من السنة الثانية إلى الثالثة، وليس معنى ذلك أن تظل الحال في المطالعة والمحفوظات والإنشاء على ما هي عليه الآن؛ ولا ندع التلميذ يفهمها على أن أي قصيدة تكفيه، والمطالعة فيها تسامح، والإنشاء أي كلام ينفع له ولو كان عامياً؛ ولا ندع حصص القواعد لصنع الصلصال وشؤون الفلاحة والبساتين.

وإنما يجب أن يعنى بالمطالعة على أنواعها منه جهرية وسرية ومدرسية ومنزلية، ويجب أن يكون أكثر ما يطالع قصصاً مناسباً لعقول التلاميذ من حيث الأسلوب السهل والفكرة المستساغة الواضحة والموضوع المشوق المأخوذ مما يدور في بيئاتهم وتقع عليه حواسهم، ويجب أن تشجع الوزارة على تأليف ذلك كما يجب أن تستعين بالأدباء المعروفين بالإنتاج للأطفال والناشئين. وكذلك ينبغي الاهتمام باختيار ما يحفظ ووضعه وبالتعبير الذي يسمونه الإنشاء، من شفوي وتحريري، بحيث يتجه فيه إلى الاستفادة مما يقرأ ومما يحفظ.

وبذلك نهيئ للناشئ فرصة طويلة يستطيع فيها أن يتذوق اللغة من كلامها الفصيح، ويعيش في جوها، فتنطبع ملكته بأساليبها، دون أن نفسد عليه ذلك بربكه باستخلاص القواعد، لأننا عندما نقدم له القطعة أو القصة ولا نتركه يهنأ بجمالها ومتعتها فنطالبه على أثرها بالمبتدأ والخبر والفاعل في جملها، ونأخذ منها ما يكمله بمفعول أو ظرف - عندما نفعل ذلك يحار التلميذ في المراد من القطعة أو القصة، وقد يذهب به الفكر الغض إلى أن المقصود من هذه الحكاية بيان جملها الاسمية والفعلية. . .

وبعد ذلك، أي بعد أن يتصفح التلميذ أساليب اللغة ويكتسب ملكتها ويدركها إدراكا كلياً، نعمد به إلى التحليل والتعليل، ويكون قد جاوز المرحلة الابتدائية وبدأ التعليم الثانوي فنعلمه القواعد الميسرة مع الاكتفاء بالضروري منها. وهذا ينطبق على القاعدة التربوية المعروفة وهي الانتقال من الكلي إلى الجزئي. وسيشعر التلميذ بالحاجة إلى القواعد في أثناء تجاربه اللغوية الابتدائية ويتشوق إلى معرفتها للانتفاع بها، وهنا أيضاً يتحقق ما يراه علماء التربية من إثارة شوق التلميذ ودفعه إلى طلب المعلومات بنفسه.

ونجني من كل ذلك غاية أخرى جليلة الشأن، هي أن نعود الناشئ القراءة والإطلاع منذ الصغر، فإذا شب وكبر طلب من زاد الفكر ما يناسبه.

عباس خضر