مجلة الرسالة/العدد 842/رسالة النقد

مجلة الرسالة/العدد 842/رسالة النقد

مجلة الرسالة - العدد 842
رسالة النقد
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 08 - 1949


ديوان أبي فراس الحمداني

للأستاذ أحمد أحمد بدوي

لم يجمع أبو فراس أشعاره بنفسه، وإنما كان يدفعها إلى أحد أساتذته المعجبين به، أبي عبد الله الحسين بن خالويه، وهو من أشهر علماء البلاط الحمداني، ولعله بهذا، كان يريد أن يلقيه بين يدي أستاذ يذيعه في الناس، ويشرح لهم ما غمض عليهم منه، ويبين ما فيه من إشارات تاريخية يدركها، بحكم اتصاله بأفراد الأسرة؛ ولهذا أستبعد صحة الرواية التي تدعي على أبي فراس أنه حظر على أستاذه نشر شعره، فلو أنه كان يقصد حقاً حظر هذا النشر لكفى نفسه مئونة إلقائه إلى أستاذه، بل مئونة إنشائه وكيف ومن هذا الشعر ما أرسل به إلى أقربائه وأصدقائه، ومنه ما قصد به إلى تسجيل مفاخره ومفاخر أسرته، ولا معنى لهذا التسجيل إذا لم يشع بين الناس، ويجر على الألسنة، ويحفظ في الصدور، وتحل به الكتب، وكان أبو فراس يعد الشعر ديوان العرب، وعنوان الأدب، لا شيئاً يحط من قدره، ويرغب في إخفاءه، بل لقد كانت قدرته البيانية من أسباب فخره، وإذا كان قد نفى عن نفسه أنه شاعر حين قال:

طفت بمدحي، وامتدحت عشيرتي ... وما أنا مداح، ولا أنا شاعر

فإنما كان يرمي إلى أنه ليس من هؤلاء الشعراء الذين ينسبون إلى ممدوحيهم ما ليس فيهم رغبة في الصلات والعطايا.

وإن في مقدمة ابن خالويه ما يدل على أنه كان يلقيه إليه، ثقة منه بحفظه إياه، إذ يقول: وما زال، رحمه الله، إيجابا لحق الأدب، ورعاية للصحبة، وعلماً بأهل المحافظة، يلقي إلى دون الناس شعره. . . فجمعت منه ما ألقاه إلي، وشرحته بما أرجو أن يقرنه الله، عز وجل بالصواب، والرشاد، بمنه وطوله، وقوته وحوله؛ ولا ينبغي أن يفهم من كلمة ابن خالويه أنه شرح الديوان ببيان معاني أبياته، وإنما ذكر أحيانا الظروف التي قيلت فيها القصائد فحسب، كما شرح الحوادث التاريخية، لقصيدة الفخر الرائية، من غير تعرض لشرح لغوي، أو تفسير غامض.

لست أدري الترتيب الذي اختاره ابن خالويه لديوان أبي فراس وربما كان يضم المحدث الذي كان الشاعر يلقي به إليه، ويضيفه إلى القديم الذي عنده، فيكون بذلك أقرب إلى الترتيب التاريخي.

أما النسخ الباقية لنا من الديوان فغير متفقة في ترتيب قصائده، وقد شوه نساخها شعر أبي فراس، فحذف بعضهم بعضه، حتى لم تبق نسخة واحدة تجمع كل شعره، فضلا عن المسخ الذي أصيب به كثير من ألفاظه حتى صار من العسير فهم النص في كثير من الأحيان، والوصول إلى حقيقة معاني الشاعر، ولم تخل من هذه العيوب النسخ المطبوعة للديوان ببيروت سنة 1873 وسنة 1900 وسنة 1910 م.

ومن العجيب أن شارح ديوان أبي فراس، وهو عبد اللطيف البهائي، أحد فقهاء القرن الحادي عشر، وأحد قضاة بلغراد، كما حقق ذلك ناشر الديوان الحديث الدكتور سامي الدهان - عثر على إحدى هذه النسخ المشوهة فشرحها، وجره الخطأ إلى شرح خاطئ، وقد أشار ناشر الديوان إلى أمثلة كثيرة من هذا الخطأ، ومنه أن أبا فراس قال بيتين، لما مضى سيف الدولة يطالب قتلة عامله على قنسرين بدمه، ثم كف عنهم بتوسط أبي فراس، ولكنهم قصروا في شكره، وهما:

وما نعمة مكفورة قد صنعتها ... إلى غير ذي شكر بمانعتي أخرى

سآتي جميلا ما حييت، فإنني ... إذا لم أفد شكراً أفدت به أجرا

فوقع للشارح البيت الأول محرفا إلى:

وما نعمة مكفورة قد صنعتها ... إلى غير ذي شكر بما تبتغي أخرى

فلم يحقق النص، بل شرح البيتين بقوله: (يقول مخاطباً لسيف الدولة: إن النعمة التي صنعتها بعفوك عن قاتلي الصباح الذي وليته قنسرين، لكونها مكفورة، لا تقتضي أن تعاد عليهم مرة أخرى، لكن عادتي أن أفعل الجميل مدة حياتي، فإن لم أستفد منه الشكر استفدت منه الأجر)؛ وهو بهذا الشرح لا يلحظ أن الشاعر يجعل الأمير حينئذ في منزلة أقل من منزلته، إذ يخبره بأن نعمته ما دامت مكفورة لا يجدر به أن يسدي للمنكرين يداً أخرى، بينما أبو فراس من عادته فعل الجميل دائماً شكر أم كفر.

كما شرح قول أبي فراس:

وفارق عمرو بن الزبير خليله=وخلى أمير المؤمنين عقيل فقال: (يعني هذا شأن الدنيا وشأن أهليها من الغدر وعدم البقاء على الصحبة، كما في قصة عمرو بن الخليل مع خليله وتخلية أمير المؤمنين سيف الدولة قبيلة عقيل الذين قادهم ندى بن جعفر كما ذكر سالفاً). وهذا شرح يدل على جهل بالتاريخ، أما أبو فراس فيشير إلى عداوة عمرو بن الزبير لأخيه عبد الله وقيامه ضده، وإلى عقيل بن أبي طالب الذي فارق علي بن أبي طالب أخاه في خلافته، ومضى إلى معاوية.

وعن شرح هذا الفقيه أخذ نخلة بن قلفاط في حل بعض أبيات الديوان عندما طبع ببيروت وكثيراً ما يوجز ويختصر.

لم يعثر البهائي على ديوان أبي فراس كاملا، بل ينقصه الكثير من قصائده، ولم يقف في شرحه عند الإشارات التاريخية التي في الديوان يوضح المراد بها، ولم ينقل ما أورده ابن خالويه في توضيحها بل كان التفسير اللغوي وجهته، فيذكر النص، ويشرح ما فيه من ألفاظ لغوية، ذاكراً بعض ما لكلمه من مشتقات وجموع، ومبيناً ما في الكلام من أنواع البيان والبديع، ومتبعاً ذلك بذكر المعنى الإجمالي للنص، وكل ذلك في إيجاز، دفعه إليه إسراعه في هذا الشرح الذي أتمه في عشرين يوماً، وكثيراً ما كان يعفي نفسه من عناء الشرح، فيقول عن البيت من الشعر: (ظاهر غني عن الشرح) وربما كان خفياً غامضا.

ظل ديوان أبي فراس على ما وصفنا من النقص والتشويه حتى هيئ له أحد العلماء الناشرين، وهو الدكتور سامي الدهان، فأخرجه متبعا أمثل طرق الإخراج، ووقف عليه حقبة من عمره، حتى استطاع أن يخرج أصح وأكمل ما استطاع أن يظهره لديوان أبي فراس، وإن من يعاني ما عاناه الناشر ليقدر ما بذله من جهد مضن في التنقيب والتحقيق والاختيار، ولا يسعنا إلا أن نشكر له هذا الجهد الموفق.

وبرغم التحقيق الدقيق الذي بذله الناشر الكريم لم يدع أنه وصل إلى المثل الأعلى الذي يبغيه، وطلب من النقاد أن يوافوه بآرائهم في عمله المثمر إذ قال: (غير أني لم أظفر بمن يقرؤه من الدفة إلى الدفة يسجل نقده وأسجل يده. . وأملي أن يحظى بالناقد الحكيم والقارئ الكريم فيرد إلى معايبه، ويبصرني بزلله)؛ وعلى هذا الأساس أبدى بعض ملحوظات عنت لي بعد قراءة الديوان كله قراءة دارسة ناقدة، من غير أن تقلل هذه الملحوظات اليسيرة من قيمة هذا الجهد المشكور، والعمل الصالح.

وأول ما ألحظه على الديوان ترتيبه فقد اتبع نهجا صناعيا لا فنيا في هذا الترتيب، إذ قسمه على نظام حروف القوافي، وإني أؤثر على ذلك النظام نظامين آخرين، هما الترتيب التاريخي، والترتيب الموضوعي؛ ذلك أن الترتيب على حسب القوافي ليس له قيمة فنية ما، وليس له من فائدة سوى سهولة العثور على القصيدة في الديوان، ويغني عن ذلك فهرس يوضع في آخر الكتاب لتسهيل المراجعة، أما الترتيب التاريخي فيساعد على تتبع التدرج الفني للشاعر، ويعين على معرفة أثر الزمن في نفس الشاعر ونظراته إلى الحياة، وربما كان الترتيب الذي سار عليه ابن خالويه أقرب إلى الترتيب التاريخي كما ذكرنا، فإذا عز علينا الترتيب التاريخي، فالأفضل أن نرتب الديوان على حسب موضوعاته، فنجمع قصائد كل باب متجاورة، فذلك خليق بأن يبرز لنا خصائص الشاعر في كل فن من فنونه في سهولة ويسر، فإذا جمعنا بين الترتيب الموضوعي والتاريخي معا فذلك هو المثل الأعلى للجمع والترتيب؛ أما وقد سار الناشر على هذا الترتيب الصناعي فإني كنت أرجو أن يؤرخ القصائد إذا استطاع الوصول إلى تاريخها.

وكنت أؤثر أن لو أضاف الناشر إلى جهده الضخم شرح غريب الديوان في ذيل الصفحات حتى يكون بذلك قد خلى بين القارئ والشعر لا يحول بينهما تحريف في عبارة، ولا غرابة في لفظ، ولم يكن أبو فراس مغرماً بالغريب أو مستكثراً منه، فكان من السهل على الناشر شرح هذا القليل حتى يصبح كتابه مستغنياً بنفسه عما سواه، كما حمدنا له جهده في شرح الإشارات الجغرافية الواردة في الديوان.

وقد تحرى الناشر أقرب الروايات إلى الصحة من بين الروايات المختلفة في النسخ، ولكني أرى أن قد اختار، في أحيان قليلة، رواية أراها مرجوحة، كما آثر أن يروي هذا البيت:

وهل لقضاء الله في الخلق غالب ... وهل لقضاء الله في الخلق هارب

وإني أؤثر رواية الشطر الثاني بمن بدل اللام فيكون:

وهل من قضاء الله في الخلق هارب.

وآثر أن يروى هذا البيت، وهو في خطاب سيف الدولة:

دعوناك، والهجران دونك، دعوة ... أتاك بها يقظانَ، فكرُك، لا البرد

وأؤثر رواية العاملي: البحران بدل الهجران الذي لا معنى له هنا، ولعله يقصد بالبحرين نهرين يفصلان بينه وبينهم.

وروى البيت:

يا طلعة الشمس لما صادفت حللا ... من السحاب على أرض من الزهر

وأؤثر خللا بالخاء، أي منفرجا بين السحب، لأن طلعة الشمس إذا لبست حلل السحب لا ترى، ولا تفرح بها أرض الزهر.

وروى البيت:

أخو الغمرات في جدٍ وهزلٍ ... أخو النفقات من سعة وضيق

وأفضل رواية: في سعة وضيق، أو في جد وضيق، إذ أنه ينفق من سعة ولكن لا يقال ينفق من ضيق. وروى البيت:

ولكن دهراً دافعتني خطوبه ... كما دفع الدين الغريم المماطل

وأفضل: كما دافع الدين الغريم المماطل، لأن الغريم المماطل يدافع الدين ولا يدفعه، وروى البيت:

خليليَ شدَا لي على ناقتيكما ... إذا ما بدا شيب من العجز ناصل

ولا معنى للعجز هنا، وأختار رواية الفجر. وروى البيت:

وإنَ مقيما منهج العجز خائب ... وإنَ مريغاً خائب الجهد نائل

وأفضل على ذلك رواية: وإن مقيما منجح العجز، خائب. فإن أبا فراس يوازن بين رجلين أحدهما مقيم لا يطلب، عاجز عن الجهاد، غير أنه قد نجح، وثانيهما طالب مجد ولكن جهده قد خاب، فأبو فراس لا يعد نجاح الأول نجاحاً، ولا فشل الثاني خيبة وإخفاقا، ورجح رواية البيت:

لقد ظننتك بين الجحفلين ترى ... أن السلامة من وقع القنا تصم

والأفضل رواية: لقد رأيتك. لما فيها من اليقين الذي يناسبه التوكيد. وآثر رواية البيت:

ومن لقي الذي لاقيت هانت ... عليه موارد الموت الزؤام

ثناء طيب لا خلف فيه ... وآثار كآثار الغمام

وأنا أؤثر الرواية الأخرى وهي: ومن أبقى الذي أبقيت هانت لأنه فسر ما أبقاه في البيت الثاني، وبدون ذلك يبقى هذا البيت منقطعاً عن صاحبه. وروى البيت: فيغلط قلبي ساعة ثم ينثني ... وأقسو عليه تارة ويلين

والأفضل عندي رواية: وأقسو عليه تارة وألين؛ حتى يكون المتحدث عنه واحد في الشطر الثاني، كما هو واحد في الشطر الأول هذا، ويخيل إلي أن أبياتاً ثلاثة قد تسللت إلى القصيدة رقم 332 ص406 من غير أن تكون هذه الأبيات فيها، أو أن موضعها في القصيدة ليس هو الموضع الذي أختير، وذلك حيث يقول أبو فراس:

مالي جزعت من الخطوب بعدما ... أخذ المهيمن بعض ما أعطاني

ولقد سررت كما غممت عشائري ... زمناً، وهنأني الذي عزاني

وأسرت في مجرى خيولي غازياً ... وحبست فيما أشعلت نيراني

فأنت تراه هنا يتحدث عن حاضره المؤلم، متسلياً بماضيه، ولكن ينتقل من ذلك إلى مدح سيف الدولة فيقول:

يرمي بنا شطر البلاد ومشيع ... صدق الكريهة فائض الإحسان

بلد لعمرك لم أزل زواره ... مع سيد قوم أغر هجان

إنا لنلقى الخطب فيك وغيره ... بموفق عند الخطوب معان

ثم يعود مرة أخرى إلى الحديث عن حاله اليوم والأمس فيقول:

أصبحت ممتنع الحراك، وربما ... أصبحت ممتنعاً على الأقران

مما أرجح معه أن هذه الأبيات قد دست بين الغرض الواحد دساً، فضلا عن حديثه عن بلد غير مذكور في القصيدة، وعن غموض المعنى وضعف الأسلوب في قوله: إنا لنلقي الخطب فيك وغيره.

وفي الديوان عنوان خاطئ هو: وقال في ابنته زوجة أبي العشائر (ص375)، فأبو العشائر لم يتزوج ابنة أبي فراس ولكن أخته، والصواب أن هذه القطعة قالها أبو فراس في زوجته وهي ابنة أبي العشائر، والشعر نفسه يدل على ذلك يقول:

وأديبة اخترتها عربية ... تعزى إلى الجد الكريم وتنتمي

محجوبة لم تبتذل، أمارة ... لم تأتمر، مخدومة لم تخدم

لو لم يكن لي فيك إلا أنني ... بك قد غنيت عن ارتكاب المحرم

فواضح أن التي أغنته عن ارتكاب المحرم زوجته لا ابنته.

وهناك - وإن كان ذلك نادراً - بعض جمل غير مفهومة مما يدل على أننا لم نصل إلى النص الصحيح. وذلك مثل قوله:

حملت على ورود الموت نفسي ... وقلت لصحبتي: موتوا كراما

ولم أبذل لخوفهم مجناً ... ولم ألبس حذار الموت لاما

فلا معنى لكلمة أبذل هنا.

وأشعر بقلق في كلمة صباح من هذا البيت:

يئول به الصياح إلى صباح ... ويسلمه الظلام إلى ظلام

فالشاعر في الشطر الثاني يريد أن يقول: إن ظلام الليل يسلمه إلى ظلام في نظرته إلى الحياة، وإلى متاعب قلبية يظلم بها عيشه، ومن هنا لا أجد لكلمة صباح موضعاً.

وعنى الناشر بأن يستدرك ما أخطأت فيه المطبعة من الشكل، ولكن لم يزل هناك بعض لم يشر إليه، فمن ذلك زَمَّت أباعره، والصحيح زمت بضم الزاي (ص181) وينسُون (ص271) والصواب ينسَوْن، وُتعال (ص284) وصوابها تعال بفتح التاء. وولُّوا (ص285) والصحيح ولوْا. وتوْضع (ص379) وصحيحها توضِع. ولكن الكلامِ والصواب: ولكن الكلامَ (ص371).

هذا وكنت أؤثر للناشر أن ينقل إلى العربية آراء المستشرقين في الشاعر، كما نقل إلى الفرنسية، موجز ما كتبه العرب عنه، حتى يقف من لا علم عنده بالفرنسية، على آراء المستشرقين في الشاعر العربي.

وبعد فهذه ملحوظات لا تقلل شيئاً من قيمة جهد الناشر الكريم، الذي أحيا بجده ديوان أبي فراس، وقد ذكرناها أمانة للعلم، وسعياً للوصول إلى الكمال.

أحمد أحمد بدوي

مدرس بكلية دار العلوم بجامعة فؤاد الأول