مجلة الرسالة/العدد 842/صور من الحياة

مجلة الرسالة/العدد 842/صور من الحياة

مجلة الرسالة - العدد 842
صور من الحياة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 08 - 1949


يقتل أخاه. . .!

(مهداة إلى الأستاذ كامل محمود حبيب)

للأستاذ عمر عودة الخطيب

درج الناس في القرية على أن يستقبلوا صباح اليوم الأول من العيد في المقبرة، فيزوروا الأموات قبل الأحياء، ويضعوا على قبورهم أكاليل الزهر، وفروع النخيل، وباقات الورد، ويواسي بعضهم بعضاً، ويخفف الخلي مصاب الشجي، ويجفف القريب دمع القريب. . . وذهبت صباحاً مع القوم، وبدأت بزيارة ذوي القربى والأصحاب، أقرأ للجميع آيات من القرآن، وأستلهم الله لهم الرحمة والرضوان، وما لبثت أن فوجئت - خلال تطوافي - بصيوان كبير فوق ضريح أبيض قد ازدان بالأقمشة الحريرية الزاهية والورود، كأنه عروس مجلوة ليلة الزفاف وقد تدلت على صدرها أجمل العقود، وكما يزدان رأس العروس ووجهها بالأصباغ والعطور، قد أفعم رأس هذا القبر بأوراق الآس وأكمام الزهور، فوقفت - من بعيد - أنظر إلى هذا القبر، وقد استهواني ما فيه من بهرج وزينة، ألهاني عما يعاني ذووه من حزن ولوعة، فسألت صاحبي عن أهل هذا الميت، ولم يخامرني ريب في أنها (عروس تزف إلى قبرها)، وقد أقام لها أهلها وزوجها المفجوع هذا المأتم الحافل، وهذا الزفاف الباكي. . . أو خيل إلي أن هذا صنيع حبيب رزئ قبل العيد بحبيبته. . . أنس نفسه، وروح فؤاده. . . فدعاه الهوى - والهوى ذو أعاجيب - إلى ما أرى من عناية وتكريم، ولم يفته أن يهدي إلى القب - برهاناً على وفائه وصدق حبه - أجمل الورود وأشذى العطور، إذ فاته أن يضع بين يدي حبيبته أزهى الثياب وأروع الحلي. . . وكادت عيني تبض بقطرات من الدمع، حزناً وأسى، لولا أن صاحبي أخذ بيدي قائلاً: هلم نزور هذا الضريح ونواسي هؤلاء المحزونين! وانحدرت معه إلى الصيوان، فرأيت - على جوانبه - نسوة نائحات، ورجالا باكين، ولفت نظري أن الجمع - وكان كثيراً - كان يبكي بحرقة لاعجة وحزن شديد. . . وليسوا كلهم أهلا للميت أو إخواناً له، فاعتراني خشوع ملك علي نفسي، وهز ما بين جوانحي، فعالجت دمعي فلم يذرف، فجلست ساكتاً مطرق الرأس، أستمع - بحزن صامت - إلى هذا النواح المتواصل، وهذا البكاء الطويل، ورأيت - والله - أن هذا الدمع الغزير، يغسل من النفس أوزارها، ويشيع فيها الصفاء والنور، ويجعلها بيضاء نقية، وادعة كالحمل، عذبة كالماء، جميلة كالزهر، فواحة كالعطر. . . ونظرت بعيداً بعيداً. . . إلى ما وراء الأبد. . . وقلت لنفسي: لو أن هذا الإنسان القاسي الذي يسعى للمال الكثير والجاه الوفير، والسيطرة والطغيان، متخذا لذلك أعنف الأسباب وأقسى الوسائل. . . لو أنه يختلف كل أسبوع، أو كل شهر، إلى هذه المقابر، ليتلقى منها دروس الرضى والقناعة، والمحبة والصفاء. . . لكن هذا الضجيج، وهدأ هذا العجيج، وعاش الناس سعداء هانئين، تظللهم المحبة، ويرفرف عليهم السلام. . .

ووثب إلى ذهني حينذاك جواب ذلك الفيلسوف الصيني العظيم (كونفوشيوس) حين كتب إليه بعض تلاميذه: (إني أرى للناس أخوة وليس لي أخ)! فأجابه بقوله: (إن الإنسان الكامل ينظر إلى جميع من يسكنون بين المحيطات الأربعة كما لو كانوا اخوته. . .)

قلت لنفسي بعد أن رددت هذا الجواب كثيراً: لو أن الناس جميعاً كانوا هكذا لاختفت من الدنيا هذه الحروب، وانطوت - إلى الأبد - هذه المآسي والكروب. . . ووثبت إلى ذهني - مرة أخرى - محاورة ممتعة بين (بوذا) وتلميذه (برنا)، تصور ما كان يحويه هذا من نفس طيبة، وخلق كريم، وتسامح عظيم، وحب للإنسانية، ورحمة لها وعطف عليها:

بوذا: إنك يا برنا مسل إلى شعب غضوب قاس متوحش سفيه، فلو أنهم بادروك بالسب واللعن، فماذا يكون رأيك فيهم؟

برنا: أرى إنهم أناس طيبون، لأنهم شتموني ولم يضربوني بيد ولا بحجر!

- فإن ضربوك بيد أو حجر؟

- أرى إنهم أناس طيبون، لأنهم ضربوني باليد أو الحجر، ولم يضربوني بعصاً ولا بسيف!

- فإن ضربوك بالعصا أو بالسيف؟

- أرى أنهم أناس طيبون، لأنهم ضربوني بالعصا أو بالسيف ولم يقضوا على حياتي!

- فإن قضوا على حياتك؟

- أرى أنهم أناس طيبون رحماء، لأنهم خلصوا روحي من هذا الجسم المليء بالأدناس بأقل ما يمكن من الألم!

- هذا حسن يا برنا! وإنك لخير من يستطيع أن يعاشر تلك الشعوب البربرية. . . اذهب يا برنا فإنت الخالص فخلص غيرك وأنت المعزي، فعز غيرك، وأنت الواصل إلى النرقانا، فاذهب وادع إليها الآخرين!

وانصرفت بهذه الوثبات الذهنية عمن حولي، ولم أعد أبصر التياع الباكين والباكيات، أو أسمع صوت النائحات الحزينات، ولم يردني إلى الواقع الدامع، إلا امرأة معفرة الوجه بالتراب، ممزقة الثياب والحجاب، يمشي خلفها شاب دامع العينين، قد اتشح بالسواد، فجثا على أحد جانبي القبر يبكي ويمرغ به وجهه، وجثت المرأة على الجانب الآخر تنتحب وتولول، وكان مشهداً محزنا رأيت فيه عيني تسحان بالدموع. . وبعد قليل رأيت المرأة وقد غابت عن وعيها، وفقدت صوابها، ونظرت إلى ذلك الشاب بعينين دامعتين جاحظتين قد اختلطت فيهما نار الحقد بدموع الأسى. . . ونهضت إليه، وأهوت بيدها عليه تضربه، وهو ساكت ساكن لم يرفع بصره إليها، ولم يحاول أن يفر من أمامها، ونظرت إلى صاحبي ومن حولي، فإذا بهم جميعاً يبكون، وألسنتهم تتمتم قائلة: (لا حول ولا قوة إلا بالله. . .)

أخذت بيد صاحبي ونهضت والدهشة ملء نفسي، والألم يحز في فؤادي، ولم يغب عن فكري أنها مأساة باكية، بيد أني لم أفهم منها شيئاً، وبقيت صامتاً أمشي بين القبور رويداً رويداً وأبو العلاء يصيح في أذني:

سر إن أسطعت في الهواء رويداً ... لا اختيالا على رفات العباد

رب لحد قد صار لحداً مراراً ... ضاحك من تزاحم الأضداد

وما إن ابتعدت عن المقبرة، وغاب عن بصري مرأى الصيوان، وانقطع عن سمعي صوت البكاء والنواح حتى التفت إلى صاحبي قائلا:

- يبدو أن ما رأيته فصل محزن من مأساة دامعة وقصة باكية:

فتنهد صاحبي وجفف بمنديله دموعه. . . ثم قال:

- لعلك - يا صاحبي - لم تشهد من هذه المأساة إلا أقل فصولها ألماً، وأيسرها حزناً. . . أتذكر - يا صاحبي - ذلك الشاب الوادع الهادئ الظريف الذي كان يملأ المجالس أنسا وصفاء، والذي كان زهرة عطرة بين أترابه، ونجمة لامعة بين أصحابه. . . جميل؟ وسكت صاحبي ثم قال: نعم. . . جميل الذي. . .

فقاطعته قائلا كان زينة القرية وبهجتها، وأنسها وأمنيتها، ماذا أصابه؟!

فقال وكأنه يتحاشى النبأ:

- أسفاً على شبابه الغض! هو - يا صاحبي - هو. . . (القتيل) الذي رأيت على قبره الصيوان والأحزان. . . وتلك التي رأيتها تولول وتنوح (أمه)، وذلك المتشح بالسواد الذي كانت تضربه فل يتحرك هو (أخوه)!

- قتيل. . . ومن القاتل؟!

وهنا تململ صاحبي وهمس بأذني والدمع قد بلل وجهه:

- حقاً إنها مأساة! لقد قتل (أخوه). . . يا صاحبي!

- وكيف قتله ولماذا؟!

- ذلك هو حكم القدر!

وهنا تمثل لي (بوذا وبرنا وكونفوشيوس) باكين محزونين، يلقون على هذه الإنسانية نظرة إشفاق ورثاء، وقد نظر كل واحد منهم إلى صاحبه - والألم يمض نفسه - كمن يذكره بمصير تعاليمه، ومآل مبادئه. . .

ولقد أثار حديث صاحبي كوامن الألم في نفسي، والأسى في لبي. . . فقلت: عليه رحمة الله، ولم أشعر - قبل أن أترك يد صاحبي إلا ولساني يتلو قوله تعالى:

(وأتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين. لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين. إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين. فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين).

(دمشق - المزة)

عمر عودة الخطيب