مجلة الرسالة/العدد 842/من ظرفاء العصر العباسي:

مجلة الرسالة/العدد 842/من ظرفاء العصر العباسي:

مجلة الرسالة - العدد 842
من ظرفاء العصر العباسي:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 08 - 1949


أبو دلامة

توفي سنة 161 هـ

للأستاذ صبحي إبراهيم الصالح

- 4 -

وما ترك المنصور أبا دلامة يتدلل محققاً له كثيراً من رغباته إلا لأنه كان يحب العبث به وسماع نوادره، ولا يريد أن ينقطع عنه: بل كان يحاول أن يجعله قريباً منه في مقره. وكان كلما سأل عنه قيل له: أنه في بيوت الخمارين لا فضل فيه. فعاتبه على انقطاعه عنه. فقال أبو دلامة: إنما أفعل ذلك خوفاً أن تملني. فعلم أنه يحاجزه فأمر الربيع أن يوكل به من يحضره الصلوات معه في جماعة في الدار. فلما طال ذلك عليه قال:

ألم تريا أن الخليفة لزَني ... بمسجده والقصر مالي وللقصر!

فقد صدني عن مسجد أستلذه ... أعللُ فيه بالسماع وبالخمر

وكلفني الأولى جميعاً وعصرها ... فويلي من الأولى وعولي من العصر

أصليهما بالكَرْه في غير مسجدي ... فما لي من الأولى ولا العصر من أجر

يكلفني من بعد ما شبت توبةً ... يَحطُ بها عني المثاقيل من وزري

لقد كان في قومي مساجدُ جمةٌ ... ولم ينشرح يوماً لغشيانها صدري

ووالله مالي نية في صلاته=ولا البرُ والإحسان والخير من أمري

وما ضره - والله يغفر ذنبه=لو أن ذنوب العالمين على ظهري؟

فبلغته الأبيات فقال: صدق، ما يضرني ذلك، والله لا يصلح هذا أبداً، فدعوه يعمل ما يشاء.

وقد لا ترضى عن هذا التساهل صادراً من الخليفة المنصور، إذ تراه يدع أبا دلامة وشأنه فلا يعاقبه على تهاونه بشعائر الدين أو على اعترافه بشرب الخمر وإتيان المنكر: ولكنك تغفر للمنصور كثيراً من تساهله إذا حاولت أن تعرف كيف كان فهمه لأبي دلامة: كان يفهمه على أنه مخلوق لابد منه ليسد في هذه الدنيا فراغاً لا يسده إلا أمثاله من الظرفاء، وأن هؤلاء كثيراً ما يطغى هزلهم على جدهم فليس من الحكمة أن تحمل كل بادرة منه محمل الجد، وإلا لخرست ألسنتهم فما تنطق، وسكنت حركاتهم فما تداعب، وانطووا على أنفسهم فما يضحكون ولا يضحكون: وبذلك نفقد هذا العنصر من المرح الذي لا نكاد نجده على حقيقته إلا لديهم، والذي ننظر بدونه إلى الحياة بمنظار أسود كئيب.

ولا ريب أن المنصور لم يلز أبا دلامة بمسجده في القصر لمجرد حمله على الصلاة، وإنما أراد قبل كل شئ - كما أفهم - أن يظفر منه بين الحين والحين بشيء من نكاته الظريفة، ومداعباته اللطيفة. حتى إذا وجد أن إلزامه بالصلاة في مسجده سيرهقه من أمره عسراً حتى ليوشك أن تغيب بديهته الحاضرة، وترقد دعابته اليقظة، عاد يعفيه من ملازمة الجماعة؛ ويقال في رواية أخرى أنه أحلفه أن يصلي في مسجد قبيلته.

بيد أن دلال أبي دلامة على المنصور ولطف محله منه لم يحولا دون تطبيق حكم الشرع عليه أحياناً وإن كان هذا التطبيق مشوباً بشيء من التساهل وقابلاً للتعديل السريع: شرب أبو دلامة في بعض الحانات فسكر وانصرف وهو يميل. فلقيه العسس فأخذوه وقيل له: من أنت وما دينك؟ فقال:

ديني على دين بني العباس ... ما خُتم الطينُ على القرطاس

إني اصطحبت أربعاً بالكأس ... فقد أدار شربها برأسي

فهل بما قلت لكم من بأس؟

فأخذوه ومضوا، وخرقوا ثيابه وساجه وأتى به أبو جعفر المنصور - وكان يؤتى بكل من أخذه العسس - فحبسه مع الدجاج في بيت. فلما أفاق جعل ينادي غلامه مرة وجاريته أخرى فلا يجيبه أحد، وهو في ذلك يسمع صوت الدجاج وزقاء الديوك. فلما أكثر قال له السجان: ما شأنك؟ قال: ويلك من أنت وأين أنا؟ قال: في الحبس وأنا فلان السجان. قال: ومن حبسني قال: أمير المؤمنين. قال: ومن خرق طيلساني؟ قال: الحرس. فطلب منه أن يأتيه بدواة وقرطاس ففعل، فكتب إلى أبي جعفر:

أمير المؤمنين فدتْك نفسي ... علام حبستني وخرقت ساجي؟

أمن صفراء صافية المزاج ... كأن شعاعها لهب السراج؟

وقد طبخت بنار الله حتى ... لقد صارت من النُطف النضاج

تهشُ لها القلوب وتشتهيها ... إذا برزت ترقرقُ في الزجاج أقاد إلى السجون بغير جُرمٍ ... كأني بعض عمال الخراج

ولو معهم حُبستُ لكان سهلاً ... ولكني حبست مع الدجاج

وقد كانت تخبرني ذنوبي ... بأني من عقابك غيرُ ناجي

على أني وإن لاقيت شراً ... لخيرك بعد ذاك الشر راجي

فدعا به وقال: أين حبست يا أبا دلامة؟ قال: مع الدجاج. قال: فما كنت تصنع؟ قال: أقوقي معهن حتى أصبحت. فضحك وخلى سبيله وأمر له بجائزة. فلما خرج قال له الربيع: أنه شرب الخمر يا أمير المؤمنين. أما سمعت قوله (وقد طبخت بنار الله) - يعني الشمس - فأمر برده ثم قال: يا خبيث شربت الخمر؟ قال: لا. قال: أفلم تقل (طبخت بنار الله) تعني الشمس؟ قال: لا والله ما عنيت إلا نار الله الموقدة التي تطلع على فؤاد الربيع. فضحك المنصور وقال: خذها يا ربيع ولا تعاود التعرض.

فقد رأيت - في هذه القصة - أن المنصور أراد أن يطبق حكم الشرع على أبي دلامة، فعزره على شرب الخمر بالحبس، ولكنه لم يشأ أن يحبسه مع الناس، وأنما ابتكر له سجناً مع الدجاج لعله يسمع منه كلمة تضحكه: فالخليفة كان يتنازعه عاملان: عامل الدين الذي يأمره بمساواة نديمه بغيره من الناس في كل حكم شرعي، وعامل المنادمة الذي يدخل السرور عليه كلما أطلق العنان لأبي دلامة: ولعل العامل الثاني كان أغلب على المنصور مع مثل هذا الظريف.

وإذا كنا قد أطلنا الحديث على نوادر أبي دلامة مع المنصور فلأنه حضر خلافته كلها - وقد دامت اثنتين وعشرين سنة - وكان مقرباً منه، مكرماً لديه. حتى إذا توفي أبو جعفر وبويع بالخلافة من بعده لابنه المهدي ثم علم أبو دلامة بقدومه من الري سارع إليه فورد عليه بغداد وأنشده:

إني حلفت لئن رأيتك سالماً ... بقرى العراق وأنت ذو وفْر

لتصلينَ على النبي محمَد ... ولتملأن دراهماً حجري!

فقال: ﷺ، وأما الدراهم فلا. فقال له: أنت أكرم من أن تفرق بينهما ثم تختار أسهلهما. فأمر بأن تملأ حجره دراهم.

وقد لا تحمد لأبي دلامة مسارعته إلى المهدي - بعد وفاة أبيه - وإنشاده هذين البيتين اللذين لم يزد فيهما على أن طلب المال بأسلوب طريف، وترى أن قد كان جديراً به أن يعزيه بوفاة أبيه ويهنئه بالخلافة ثم يؤخر مسألته إلى وقت أكثر ملائمة ومناسبة: لكنك تعذر أبا دلامة متى علمت أنه ورد على المهدي بعد مضي زمن غير قصير على وفاة المنصور فأعفى نفسه من التذكير بما طوته الأيام لئلا يكون كمن ينكأ الجرح بعد اندماله؛ ثم إن له من حب المهدي ما يشفع له، فكثيراً ما كان يداعبه - وأحياناً ما كان يعذبه - في حياة أبيه؛ وقد قالوا - وصدقوا -: من لم يوقرك صغيراً لا يوقرك كبيراً.

فأبو دلامة أراد أن يذكر المهدي حين قدم عليه لأول مرة بما كان بينهما في حياة أبيه من دعابة ومزاح ليحتفظ عنده بما كان له من مكانة، وليستشعر بنفسه مدى موقف الخليفة الجديد من ظرفه وهزله، فإن غيرته الخلافة فعبس في وجهه لزم صاحبنا الصمت ووجد الخير فيه، وإن بقي على مرحه وأنسه به زاده من المداعبة ألواناً وظل نديمه الظريف.

ولتهنأ يا أبا دلامة، فما قطب لك المهدي وجهاً، ولا غل عنك يداً، ولا رد لك طلباً، بل ملأ حجرك دراهم منذ أول يوم قدمت فيه!

وكان هم أبي دلامة الأكبر أن يكسب بمنادمته كثيراً من المال: ويأخذه في قصر الخليفة منه ومن أقربائه وممن يتردد على الخليفة من الأمراء والوزراء، بل كان يأخذه من الموالي أنفسهم؛ فإن أمسك أحد منهم يده عنه تنادر به ليفضحه!

دخل على المهدي وبين يديه سلمة الوصيف واقفاً، فقال: إني أهديت إليك يا أمير مهراً ليس لأحد مثله، فإن رأيت أن تشرفني بقبوله. فأمره بإدخاله إليه. فخرج وأدخل إليه دابته التي كانت تحته، فإذا به برذون محطم أعجف هرم. فقال له المهدي: أي شيء هذا ويلك! ألم تزعم أنه مهر؟ فقال له: أو ليس هذا سلمة الوصيف بين يديك تسميه الوصيف وله ثمانون سنة، وهو عندك وصيف! فإن كان سلمة وصيفاً فهذا مهر! فجعل سلمة يشتمه والمهدي يضحك. ثم قال لسلمة: ويلك! إن لهذه منه أخوات، وإن أتى بها في محفل فضحك. فقال أبو دلامة: والله لأفضحنه يا أمير المؤمنين؛ فليس مواليك أحد إلا وقد وصلني غيره، فإني ما شربت له الماء قط قال: فقد حكمت عليه أن يشتري نفسه منك بألف درهم حتى يتخلص من يدك. قال سلمة: قد فعلت على أن لا يعاود. فقال المهدي لأبي دلامة: ما ترى؟ قال: افعل، فلولا أني ما أخذت منه شيئاً قط ما فعلت منه مثل هذه فمضى سلمة فحملها إليه.

فأنظر كيف لم يرض أبا دلامة إلا حمل سلمة ألف درهم إليه كانت أشبه بضريبة لم يستطع أن يتخلص منها أحد من موالي الخليفة فكيف بأهل بيته وذوي قرباه؟

وقد صرح الظريف في هذه القصة بأنه لولا أنه ما أخذ من سلمة شيئاً قط ما تنادر به، ففي هذا إنذار لكل من يدخل قصر الخلافة سيداً كان أو مولى بأنه معرض للفضيحة إذا هو لم يرضخ شيئاً لأبي دلامة!

فما كان أعجب هذا الظريف!

(يتبع)

صبحي إبراهيم الصالح