مجلة الرسالة/العدد 845/غب النوى. . .

مجلة الرسالة/العدد 845/غب النوى. . .

ملاحظات: بتاريخ: 12 - 09 - 1949



للآنسة الفاضلة (المطوقة)

مضيتَ؟ إلى أين؟ هلاَّ تعود ... إليَّ، إلى روحيَ اللائبِ

حنانك، ضقْتُ، وضاقت حياتي ... بهذا الصدى المحرق اللاهب

بأشواق العاتيات تزلزل ص_دريَ في عنفها الصاخب

حنانك، قلبي يذوب وراءك _، أواه من قلبي الذائب

تلفَّتْ، وراعِ بقاياه تذوى ... وتفنى مع الأمل الغارب

مضيتَ؟ وكيف؟ ألا رجعة ... ترد إلي القلب دنيا رؤاه؟

لقد أقفر الكون في ناظريَّ ... وغشى الظلام مجالي ضياه

وكيف أحس جمالَ الوجود ... ووجهك عني توارى سناه

فما أقبح العيش يا موحشي ... وياما أشد سواد الحياه

وأنت بعيد بعيد هناك. . . ... وقلبي وحيد يعاني أساه

مضيتَ؟ فيا لحنيني إليك ... وواهاً لأمسى القريب البعيدِ

زمان أمر بدرب الكروم ... وللدرب نفح جنان الخلود

ويشرد طرفي زيطوي المدى ... ولقياك غاية طرفي الشرود

وفي القلب نار جموح الوقود ... ينادي بها الشوق: يا نار زيدي

وطرفي قرير بذاك الشرود ... وقلبي سعيد بذاك الوقود

ويفجأني وقع خطو بعيد ... ورائيَ، أصغي إليه طويلا

ويهتف قلبيَ: هذي خطاه ... أرى في صداها عليه دليلا

خطى العنفوان، خطى الكبرياء ... تنم عليه عظيماً نبيلا

وتختطف الروحَ غيبوبةٌ ... وقد رحتَ تدنو قليلاً قليلا

وأغرق في حلم ساحرٍ ... أحال حياتي فناً جميلا

وفي غمرات الذهول العميق ... تطالعني القامة الفارعة

فأشخص، ثم أغمضْ حياءً ... واكسر من لهفتي الجائعة

وأبدى جمودَ الخلِّي كأن لم ... ترج دمي الطلعة الرائعة وتحت جمودي اضطراب عصوف ... أداريه مغضيةً وادعه

وتحت جمودي من العاطفات ... أعاصير جارفة دافعة

وتنهب عيناك وجهي وقد ... عرا مهجتي منهما ما عرا

فيمحى بعينيَّ كل الوجود ... ويمحى بعينيَّ كلَّ الورى

وما لفتة النسر يا فتنتي ... تطلع من عاليات الذُّرى

وسلّط لحظاً على إلفِهِ ... عنيفَ التوقد، مستكبرا

بأروع منك وعيناك فيَّ ... أوارٌ تلظى وسحر سري

وتمضي، وأمضي مع العابرين ... وما بيننا غير نجوى النظر

وطيف ابتسام على شفتيك ... ووهْجُ هيام بعمقي استعر

وقد هبط الليل حلوَ الغموض ... خلوبَ الرؤى، عبقريَّ الصور

وماجت الريح خضر الكروم ... مشعشعةً بضياء القمر

وفاض الوجود شعوراً وشعراً ... وذاب من الوجد حتى الحجر!

سل الدرب كم جئت غبَّ النوى ... أجرُّ الخطى في الغروب الحزينْ

وحولي من الذكريات الخوالي ... طيوف تثير لهيب الحنين

أخاف تكرُّ عليها الليالي ... وتدفن تحت ركام السنين

فيبسط قلبي جناحيْ هواه ... عليها ويحنو حنوَّ الضنيين

وأنت بأعماق روحي صلاة ... يسبح باسمك روحي الأمين

مضيت؟ إلى أين؟ هلاَّ تعود ... لروحي اللهيف، لقلبي الغريب؟

توحدتُ بعدك يا موحشي ... على الدرب، درب الكروم الجديب

أسير إلى غير ما غاية ... وكفى على جرح قلبي الخضيب

وفي مقلتيَّ غيوم حزانى ... وفوق جبيني وجوم كئيب

وسمتك في خاطري مائل ... يهيج الحنين ويذكي اللهيب

إلى أين؟ رحماك يا ابن الصحاري=وبرد ظماء الفؤاد العميدْ

فما برمال عطاشى نَمتْكَ ... كهذا الغليل الملح العنيد

إلى أين؟ يا لك طيفاً ألمَّ ... وعانق روحي بحلم سعيد ويا لك وهْمَ سراب تألق ... في قفر عمري لقلبي الشريد

حنانك، عد، كيف أحيا الحياةَ ... وأنت هناك بعيد، بعيد

(المطوقة)