مجلة الرسالة/العدد 859/روح ومادة

مجلة الرسالة/العدد 859/روح ومادة

مجلة الرسالة - العدد 859
روح ومادة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 12 - 1949


للأستاذ ثروت أباظة

صديقي رجل أرضى مغرق في أرضيته. . . نحرص عليه فهو من أنجب محبيها، ويحرص عليها فهي في عينه طريق اللقمة إلى جوفه، واللذة إلى جسده، والقرش إلى جيبه. . . وتفكيره لا يذهب به إلى أكثر من لقمه ولذة وقرش، وحياته أو الحياة كلها في راسخ عقيدته هي هؤلاء الأرضيات الثلاث؛ فالأرض إذن هي الحياة، فهو متمسك بها تمسكه بالحياة، حريص عليها حرصه عليها، فما يمتد له خلفها شدف ولا يلوح له بعدها غاية. . . هو صديق لأن طرق الحياة كثيراً ما ترمي بالند إلى غيره نده. فنحن مختلفان مزاجاً، مفترقان رأيا، مجتمعان في صداقة أشبه ما تكون بتلك القائمة بين الشيوعية والديمقراطية، ولكننا لا نشبه هاتين الجبهتين في سوء الطوية وسواد السريرة. . . وصديقي متبجح. . . فهو لا يخزى مطلقاً أن يعرض آراءه ويدافع عنها وكأنها مثل العالم الرفيعة، بل هو يريد أن يسير على هداه الأغبر، فهو ما يزال يندد بأفكاري الصبيانية الصغيرة في سخرية تواتيه على سليقة.

لنا مكان يجمعنا فكأننا كلنا أصحابه، لا يدور فيه غير النقاش، ولا نقاش يدور به إلا وهو محتدم ولا انتهاء لنا إلا بافتراق الرأي وتباين الفكرة وصفاء النفس. وان أحدا منا لا يحاول أبداً أن يقنع أو يقتنع؛ وإنما نلقي بأقوالنا لمجرد إلقائها، فإذا جاء صديقي هذا كنا جميعاً على جانب وكان هو في الجانب الآخر متمسكاً بأرضيته لا يحيد عنها ولا تتخلى عنه.

وكان أن جاء وأحد الصحاب يتكلم في الأدب، فقعد يستمع وطال الحديث ودار النقاش وهو صامت لا يمد إليه لساناً. . . فسأله أحد الجالسين:

- خيراً. . . تصمت لأول مرة في حياتك. . . فما خبرك!

- أو رأيتني عمرك أتكلم في الأدب؟

- أو شرف هذا؟

-. . . إنما هي حقيقة

- حقيقة مخجلة!

- هذا رأيك - ورأي لك إنسان

- وما الإنسان في عقيدتك؟

- هو تلك الروح السامية التي وهب الله لها العقل لتفهم، والقلب تسري به العواطف رفيعة، وهو الشعور الرهيف والحس الدقيق الذوق.

- الفن والأدب العالي وسائر ما تعرف به أنت وصحبك هؤلاء ليقنع كل منكم الآخر أنه، فنان وتستتلون أن المخلوق غير الفنان حيوان، وأنكم أنتم وحدكم الصفوة المختارة والرهط. . .

لم أطلق السكوت بعد أن أشار إلينا بسخريته الصفيقة فقلت له:

- من قال ذا. . . وما شأنك والفنان حتى تعرض به. . .

- ما شأني. . . أماسونيةً هي! ماذا تريدني أن أكون حتى أتكلم عن الفن. . . هل حتم عليَّ أن أملأ صفحة مما تملأ حتى أصبح فناناً.

- من قال إن الفنان صفحة

- فما هو إذن

- هو الذي علمه الأدب أن يقول من هو لا ما هو. الفنان هو ذلك الإنسان الذي يحس باللفظ على لسانه وفي عقله؛ وهو ذلك الرؤوف الشفيق، هو ذلك القلب الخافق والشعور الرهيف. إن في المخلوق ناحيتين: ناحية تنتظم العقل والقلب والحس، وأخرى تحوي المعدة وما يتلوها مما وهب الله للحيوان، فمن نظر إلى عقله وقلبه وحسه كان إنسانا، والإنسان فنان لأنه يغلب الشعور على المادية. ومن نظر إلى معدته كان حيواناً، لأنه يبحث دائماً عما يسكت به نهمه.

- الله. . . شرَّع أنت شرَّع. . . على أنني حتى إذا طبقت قولك هذا على نفسي وجدتني إنساناً فأنا أغلب العقل دائماً. . .

- يخيل إليك أنك تغلبه. . . وأنت دائماً تقول إنك تغلب العقل على شعورك وعاطفتك، وهذا كذب لأنك إذا كنت تنظر إلى نفسك دائماً وتفعل فأنت إنما تغلب أنانيتك لا عقلك.

- وما تراني فاعلاً إذا نظرت إلى نفسي بعاطفتي وحسي. أتراني أجد عاطفتي تكرهني. اللهم إنكم جميعاً تعلمون أن أحب خلق الله إلى نفسك هي نفسك.

- نعم نعلم ذاك، ولكننا نرضيها بعمل الخير لغيرنا ويحب الخير للناس. والنفس الإنسانة هي تلك. . . ليست والله لقمة وقرشاً هي حب وعاطفة.

- تتكلم وكأنك جاهل أحمق. . . ألم تقرأ آخر ما كتب علماء النفس. . . ألم يقولوا أن كل الأعمال مردها إلى الغريزة فأين من هذا الشعور والعاطفة. . . فالحب الذي تقول عنه ما هو إلا غريزة.

- هو ذاك ونحن نعلمه قبل أن تسمع به أنت. . . غير أننا نعرف أيضا كيف نهذب هذه الغريزة ونرقى بها. . .

- أرني بربك. . . هذب غريزتي ولك الأجر والثواب عند الله.

- هذا إليك. أنظر إلى الأمور بقلبك وشورك وعقلك تهذب غريزتك وتصبح إنساناً. . . الإنسان هو من يستطيع أن يغلف هذه الغريزة. وعمل الفنون في كل العالم هو أن يضربوا حول الغريزة سياجاً من الوميض يعميهم عنها فيرتفعوا بإنسانيتهم.

- تدعوني إلى أن أغش نفسي.

- بل إلى أن تعيش إنساناً لا حيواناً. . . أدعوك إلى أن تغلب ما ميزك به الله على الحيوان فإذا أنت رفيع النظرة دقيق الحس

- والحقيقة؟

- تدركها وترتفع عنها.

- وعقلي؟

- تدرك به هذه الحقيقة وتسمو به وتصرفه إلى الأهداف السامية من الحياة.

ارتج على الصديق فعالجه أحد الجالسين

- لا تناقش فالله ما قصد واحد منا إلى إقناعك. . . إنها يا بني نفسك وليس لنا معها حيله. . . والله أن كنت قد اقتنعت فأنك ستكابر. والجو على أسوأ أحواله ورؤوسنا مصدوعة. . . فقم إلى جسدك فليس لنا من الفراغ ما نضيعه معك أكثر من هذا.

سكت الأرضي على مضض وما لبث أن استأذن وقام. . . قام لأول مرة مهزوماً على غير اقتناع. . . يحمل في صدره سخيمة الهزيمة ونحن نعلم ولكننا لم تملك أنفسنا أن نشفق عليه.

إنها نفوس إنسانة.

ثروت أباظه