مجلة الرسالة/العدد 874/أحاديث عن جنوب الجزيرة

مجلة الرسالة/العدد 874/أحاديث عن جنوب الجزيرة

ملاحظات: بتاريخ: 03 - 04 - 1950



للأستاذ طه أحمد السنوسي

برهوت:

ذكر الإمام أبو محمد عيسى الأندلسي في كتابه عيون الأخبار حكاية كان من بينها هذه العبارة: (ولكن سر إلى اليمين إلى واد في عدن يقال له (برهوت) وفيه بئر. . . ويقول أبو محمد عبد الله الطيب بن عبد الله بن أحمد أبي مخرمة في مؤتنف الجزء الأول من تاريخ ثغر عدن بعد أن أورد حكاية الإمام أبي محمد عيسى الأندلسي:

(كذا نقله عنه القاضي محمد بن عبد السلام الناشري في كتابه الموسوم بموجب دار السلام في صلة الوالدين والأرحام، والمشهور أن برهوت واد بحضرموت، وأن أرواح الفجار تأوي في بئر برهوت، فإن صح ما ذكره الأندلسي أنها بعدن، فلعله السبب في اختصاص عدن بخروج النار الطاردة للناس إلى المحشر.

. . . ومن هنا نفهم أن ابن أبي مخزمة قد بنى استنتاجه باختصاص عدن بخروج النار الطاردة للناس إلى المحشر على كلام الأندلسي من أن برهوت واد في عدن، وهو كلام واه لا يستند إلى حقيقة، وابن أبي مخزمة نفسه يعلم أن برهوت واد بحضرموت، ويقول إن ذلك مشهور، ولكنه يريد أن يتلمس سبيلاً لتعليل علة اختصاص عدن بخروج النار، فيستوقف ما ذكره الأندلسي، ويتلمس منه علة واهية متداعية الأركان. . .

أما القزويني فيقول في كتابه (عجائب المخلوقات) إن بئر برهوت على مقربة من حضرموت. . .

أما الذي أريد أن أقوله هو أن برهوت في حضرموت على مقربة من قبر سيدنا هود عليه السلام، وهو كهف من الجير، وقد قامت منذ قديم الزمان شتى العقائد والخرافات حول هذا الكهف، وقد صدقها المؤرخون العرب، كما أخذها عنهم الكتاب الغربيون دون تعقيب أو تحقيق. . .

وقد حقق صاحبا كتاب (حضرموت) وهما درميلن وويزمان البحث في بئر برهوت ذاك، وعللا الروائح الخبيثة التي تنبثق منه بأنها ناشئة عن تبول الخفاش الذي يقطن هذا البئر، ثم عن التحلل الصخري فيه، وكانت هذه الروائح الكريهة مصدر اعتقاد بأنها نذير بموت الكفار، بل إن البئر نفسها في المعتقدات القديمة مستكن أرواح الكفار، وأرهب نقطة على سطح الغبراء.

جنوب شبه الجزيرة في كتاب (الإسلام في العالم):

وقد اطلعت منذ أمد ليس ببعيد، على كتاب بالإنجليزية للدكتور زكي علي تحت عنوان (الإسلام في العالم) وقد توقفت تجاه ما كتبه الدكتور الفاضل عن جنوب الجزيرة العربية في فصل (تحرير الإسلام) فرأيته يقول ما تعريبه:

بلاد العرب الإنجليزية:

بالرغم من أن اسم بلاد العرب الإنجليزية لم يظهر رسمياً في أطلس جغرافي، فإنها توجد في الحقيقة وتغطي أقاليم عربية كبيرة وهامة على الساحل الجنوبي لبلاد العرب ومنفذ البحر الأحمر وعلى طول ساحل الخليج الفارسي، وكذا عدن ومحمية عدن مشتملة حضرموت ومسقط وعمان ومشيخة قطر والكويت وإمارة البحرين تحت الإدارة البريطانية.

عدن:

وتقع شبه جزيرة عدن على الساحل العربي قرابة مائة ميل شرق باب المندب، وكانت عدن مضافة كممتلكة بريطانية في عام 1939، وكانت سابقاً محكومة من الهند، بيد أنها أصبحت مستعمرة بريطانية في أبريل 1937، وهي تحكم المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وتمتلك أهمية استراتيجية عظيمة، فهي كائنة كجبل طارق للبحر الأحمر، وقد سما مدخل قناة السويس بعدن إلى مركز ذي أهمية تجارية، وهو مخرج قيم للتجارة مع بلاد العرب والبلاد القريبة، وهو أيضاً يشمل جزيرة بريم ومحمية عدن مقسمة إلى قسمين: محمية عدن الغربية ومحمية عدن الشرقية، والأولى تحتوي على تسع عشرة سلطنة، وسلطان لحج رئيس المحمية الأول وتشمل محمية عدن الشرقية حضرموت (محتوية دولة القعيطي لشهرا والمكلا ودولة الكثيري لسيام) وسلطنة مهرة لكش وسوكترا وسلطنات الواهيدي لبيرعلي وباليهاف ومشيخات أركاوهورا. . وسلطان شهر والمكلا هو رئيس محمية عدن الشرقية، وحضرموت هي الأكثر أهمية والأحسن نظاماً لهذه المساحات، وحددت حضرموت من الشرق بسلطنة المهرة ومن الغرب بسلطانات الواهيدي.

ومن الاتصال الطارف بالعالم الخارجي والنضارات الحديثة ما هو داخل في هذا البلد الصحراوي، وكل هذه السلطنات تقع في محمية معاهدة الصداقة مع الحكومة الإنجليزية، وتحت إدارة المستوطنين الإنجليز أو الحكام - كما في عدن -)

ولسنا نعلم فيما نعلم هذا التقسيم الذي وضعه الدكتور المؤلف لعدن شرقية وغربية، وهل الإنكليز في نظره قد اتخذوا جنوب الجزيرة محمية واحدة أطلقوا عليها محمية عدن، ثم قسموها قسمين: الشرقية والغربية؟ وهل يجوز أن نمحي أسماء حضرموت ولحج وغيرها لنضع فوقها اسم عدن، ما دام الإنجليز يحتلون عدن الصغيرة.

ويرى الدكتور زكي على أن محمية عدن (الغربية) تحتوي على تسع عشرة سلطنة، ونحن نعلم أن سلطنات جنوب الجزيرة عشرة سلطنات، فلو زدنا - على رأي الدكتور - عدد سلطنات محمية عدن (الشرقية)، فنظن أن المجموع سيكون أربعين أو خمسين سلطنة.

وبعد ذلك أقول إن ما ذكرته من كلام صاحب (الإسلام في العالم) قول أدعه لأهل الجنوب ليروا فيه رأيهم.

فقرات عدنية:

. . . يقول الشيخ أبو مخرمة: (أعلم أن عدن بلدة قديمة يقال أن قابيل لما قتل أخاه هابيل خاف من أبيه آدم، ففر من أرض الهند إلى عدن وأقام هو وأهله بجبل صيره، وأنه لما استوحش بمفارقة الوطن غيره، تبدى له إبليس ومعه شيء من آلات اللهو كالمزامير ونحوها، فكان يسليه باستعمالها، فهو أول من استعمل ذلك على ما قيل). . . وإن كان إبليس أول من استعمل آلات اللهو في عدن، فكان من المحقق أنها تصير في أيامنا هذه آلات شر وشؤم لا آلات فن بديع، وعلى حد قول أبي مخرمة ليس من الضروري أن نثبت أن إبليس هو أول من استعمل تلك الآلات وهو الذي كان يلهي قابيل (لما قتل أخاه هابيل وخاف من أبيه آدم).

والذي نريد أن نقوله إن عدن هذه التي كان لها التاريخ الطويل القديم، قد بدأت اليوم نهضتها نابضة حية وستجلوها الأيام عن قريب في ثوب قشيب من الحضارة والمدنية والرقي.

ولقد سعدت بكلمات الأستاذ الفاضل أنور المعداوي عن نهضة عدن حيث قال في إحدى تعقيباته بالرسالة الزاهرة: (الله يشهد أنني سعيد بهذه النهضة؛ لأنها وثبة رائعة من وثبات الشباب العربي في جنوب الجزيرة، ومتفائل بها كل التفاؤل، لأنني أومن كل الإيمان بأن النهضات الأدبية ما هي إلا مقدمات طبيعية لنهضات أخرى). .

ويمتاز الشباب العدني بالوعي العربي والشعور الصميم، ويقص لي أحد الشبان العدنيين المخلصين ما صنعوه باليهود بمناسبة فلسطين، فيبعث إلي ويقول: (وهاك بعض مناظر لمنازل اليهود المحروقة التي دمرناها هي وساكنيها مع أننا لا نملك سلاحاً؛ لأن السلاح في مستعمراتنا ممنوع، وإذا اكتشف أحد من السلطة أن لدى أحدنا مسدساً يأخذه مباشرة ليقضي في السجن بعض السنين، وعندما نشبت الحرب في فلسطين، أضربنا وكان ذلك في يوم الأربعاء 20 ديسمبر سنة 1948 وقمنا بمظاهرات إلى حارة اليهود - عليهم اللعنة - وعندما شاهدونا في هذه المظاهرة أغلقوا منازلهم وجلسوا في منافذهم مستعدين للقتال، مع أنه من المسموح لهم أن يحملوا السلاح، ونحن العدنيين ليس لدينا سوى عصيان الكشافة، وعندما ظهرنا في أول سكة من سكك اليهود وهي بالقرب من سكة شركة الطيران رميت القوارير فوق رؤوسنا، وأصيب منا اثنان، وعلى هذا دارت الدائرة عليهم، وأخذنا كمية من البترول وأحرقنا جميع سياراتهم الفخمة، وكان ذلك بالمساء، أما في الصباح فقد خرجنا أيضاً في مظاهرات أخرى وقد خرج إلينا الجنود البريطانيون بأسلحتهم ومصفحاتهم على أهبة الاستعداد لتدميرنا، فلم نبال بشيء من هذا كله ومضينا وعندما مررنا بسكة من سكك اليهود لاحظنا الجند الإنكليز، ولكن يهودياً من فوق نافذته أخذ غدارته أطلق ثلاث رصاصات على ضابط بريطاني فقضى عليه، ومن ثم سمح الإنكليز لنا بالهجوم، وكان النصر حليف العدنيين تلك الثلة العربية الموفقة. . .)

المحميات على لسان الجفري:

أسدل ستار من التمويه والخطأ على (المحميات) وتسميتها ووجودها، لذا رأيت أن أورد في هذه الأحاديث نص ما ذكره السيد الجفري مستشار عظمة سلطان لحج عنها في مذكرة سلطنة لحج التي قدمت إلى الوزارة المصرية في 18 فبراير سنة 1948: (تقع مملكة اليمن في الركن الجنوبي من جزيرة العرب، وإلى الجنوب منها تقع محمية عدن، وسلطنة لحج وسلطنة حضرموت إلى إمارات أخرى اشتهرت على ألسنة بعض الكتاب منذ عهد غير بعيد باسم (المحميات) وهي تسمية لا تطابق الوضع السياسي الصحيح لتلك البلاد التي يتمتع كثير منها بنوع من الاستقلال والحرية.

وقد كان لهذه التسمية الخاطئة أسباب ودوافع، بل أغراض ومطامع؛ فلاشك أنه مما يسر بريطانيا أن تمنح ما ليس لها بحق حين يقال إن هذه المحميات تابعة لها خاضعة لسلطانها، فذلك كسب استعماري كبير تطمع أن تناله، كما أن بعض الذين يحاولون توجيه السياسة اليمنية يرجون من وراء هذه التسمية أن يقع في وهم العرب أن تلك السلطنات أو الإمارات المستقلة في جنوب شبه الجزيرة هي أجزاء من مملكة اليمن اقتطعها الاستعمار عن وطنها الأم ليفرض عليها سيادته، وسلطانه ومن الحق والواجب أن تعود إلى أحضان اليمن كما كانت.

وقد وقر هذا المعنى الخاطئ في نفوس كثير من الناس، وساعد على استقراره انعزال هذه السلطنات أو الإمارات في ركنها الجنوبي منطوية على نفسها لا تحاول دعاية في بلاد العرب ولا في غير بلاد العرب.

على أن بعض الدعايات المعادية قد نشطت منذ قريب لتشويه الوضع السياسي لسلطنة الجنوب تحقيقاً لبعض ما أشرنا إليه من الأغراض والمطامع، بدأ ذلك جلياً حين تقدمت سلطنة لحج وإلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية طالبة قبولها عضواً في الجامعة، أو تمثيلها في بعض لجانها الثقافية، فقد بدر يومئذ صوت معارض يزعم أن سلطنة لحج (محمية) لا يسوغ لها الانضمام إلى الجامعة، وأنها ليست إلا جزءاً متقطعاً من بلاد اليمن لا يسوغ أن يكون له ممثلون في الجامعة).

أحمد طه السنوسي