مجلة الرسالة/العدد 883/مجال العبقرية

مجلة الرسالة/العدد 883/مجال العبقرية

ملاحظات: بتاريخ: 05 - 06 - 1950



للأستاذ محمد خليفة التونسي

مجال العبقرية هو السريرة الإنسانية حيث أرادت الإصلاح، ومتى أرادته. . .

فهو المجال الذي منه يبزغ وفيه تعمل، وعليه تعتمد في الإصلاح، وبه تناط معجزاتها الأدبية، فالعبقرية حين تتصدى لإصلاح البشر إنما تعمد إلى تغيير سرائرهم فتغير إحساسهم وتفكيرهم ونظرات بعضهم بعضاً لبعض، ونحو الحياة عامة، والوجود بصور أعم، فإذا أفرغت العبقرية قواها في السرائر الإنسانية التي تتصل بها غيرتها، فتغيرت طوعاً لذلك الاجتماعية وكل ما فيها من نظم.

وبهذا المقياس وحده يقاس أثر العبقرية، وعلى هذا النحو ينبغي أن يمتحن إعجازها الأدبي، إذ أن مناط هذا الإعجاز ما في العبقرية من قوة دافعة إذا مست السرائر الإنسانية جاشت فيها بواعث الحياة وبواعث الواجب وبواعث الشعور وبواعث التفكير وكل ما ركب في البنية الإنسانية من قوى الوعي والحركة.

ومن طلب الإعجاز من العبقرية في غير هذا المجال فهو جاهل بمعنى الإيجاز، ومعنى العبقرية، ومعنى الحياة الإنسانية، وحدود الطاقة البشرية ومكان الإنسان في الوجود. وهو كمن لا يبحث عن الماء إلا في السراب، فإذا لم يظفر به - وما هو بظافر - كفر بالماء والسراب جميعاً. ولو تدبر الأمر لعرف أنه هو الذي دفع بنفسه في مهاوي الضلال بسوء افتراضه ومنهجه وحكمه، ولو فطن إلى أنه يكلف الأشياء ضد طباعها لما زاغ وما طغي.

ومن هنا يتبين الفرق بين منهاج العباقرة ومنهاج غيرهم في إصلاح البشر.

فالعبقري يلجأ أولاً إلى إصلاح السرائر الإنسانية، فإذا صلحت صلح بصلاحها ما يشكو منه المجتمع من أدواء، أو هان على الأقل إصلاح هذه الأدواء أو تخفيف وقعها على النفوس.

وغير العبقري يلجأ إلى إصلاح ما يحيط بالناس، ويحاول أن يوجد توازناً بين القوى المختلفة في المجتمع حتى لا تثقل بعض جوانبه ويطيش بعضها فيتزعزع بنيانه وتنحل ضوابطه.

العبقري يبدأ الإصلاح من الداخل فيندفع إلى الخارج، وغير العبقري يبدأ الإصلاح من الخارج ليحاول أن يجد له طريقاً إلى الداخل وقد يصل إلى السريرة أو لا يصل.

ومن ثم كان إصلاح العبقري أشبه بالطفرة المفاجئة، وإصلاح غيره أشبه بالدبيب الهادئ الوئيد، وكأن المجتمع يخلق حيث نبغ العبقري خلقاً جديداً، وكأنه على يد غيره يرمم ويقوم بعدة عمليات جراحية خفيفة بطيئة على التوالي طالما هو يحيا، وطالما بنيته محتاجة إلى هذه العمليات، وقادرة على تحملها، ثم يكتب له السلامة من أخطارها.

العبقري دائما صاحب رسالة، وعمله تبليغها إلى الناس، وهو لا يبلغها حتى يكون مثلاً حياً مجسداً، وحتى يكون مثلاً مغرياً ليحمل الناس على التأسي به فيها، وهو لن يغري الناس بتقليده والإيمان به حتى تكون شخصيته محببة جذابة، وسيرته رضية وممثلة لرسالته، فيجبرهم بجمال شخصيته وسيرته على الإعجاب به والاطمئنان إليه، ثم التسليم برسالته؛ ولن يتاح ذلك ضرورة إلا بأن يصحبهم ويصحبوه.

فالصلة الشخصية بين العبقري ومن حوله هو الموصل الجيد السريع الذي تنتقل خلاله شخصيته بكل ما حفلت، ومبادئه كأبسط وأظهر ما تكون في تسربها من سريرته إلى سرائرهم، ولا صلة غير الصلة الشخصية التي تتهيأ فيها الألفة ويتجمع الشتات وتعرض الأمور بسيطة بارزة قادرة على نقل صورته ومبادئه - منه إليهم، وبغيرها يتعذر أو يتعسر التأثير.

وهم لا ينتظرون منه آية على صدق رسالته وكرمها - سواء وعوا ذلك أم لم يعوه - إلا أن يكون هو مثلاً محببا إلى نفوسهم في تصويرها وتوضيحها لهم، ولا آية تقنع المستعدين للإقناع بصدق رسالته وكرمها إلا تجسدها فاتنة محببة لهم في شخصه وسيرته.

وعلى هذا النحو الذي انتقلت به الرسالة من سريرته إلى سرائر أصحابه تنتقل من سرائرهم إلى سرائر من وراءهم في الزمان والمكان، وبأشخاصهم وسيرتهم الممثلة لهذه الرسالة كما تظهر خلال صلاتهم الشخصية المباشرة بالناس يستحوذون على إعجابهم وثقتهم وإيمانهم، فالعملة التي يتعامل بها الناس في حياتهم هي الأشخاص والأعمال الصالحة المنظورة التي تمثل المبادئ والأفكار الصالحة في صورة حسية جذابة، وليست هي المبادئ والأفكار المجردة مهما تكن صالحة، ومن هنا تظهر خطورة الصحبة التي تتسلط فيها شخصية على شخصية، ولا سيما الشخصية العبقرية التي هي بحكم طبيعتها طاغية غامرة.

نعم، ليست الصلة الشخصية بين العبقري وغيره صلة ذهن بذهن، ولا استمتاع عين بمنظر إنسان عجيب، بل امتزاج تتسلط فيه شخصية مغناطيسية بكل ما فيها من قوى طاغية على شخصية قابلة للانجذاب إليها، متفتحة لتقبل ما تفيض به عليها.

هنا فيض شخصية في شخصية لا يسهل حصر حدوده ولا طرقه، لا نقل معلومات من ذهن بعلمها إلى ذهن يجهلها، يتم فيه تشبع الشخصية التابعة بالشخصية المتبوعة إلى درجة الامتلاء، وذوبان عناصرها فيها حتى تستحيل شخصية أخرى تصدر عنها أفعاله وأقوالها كما يصدر العسل عن النحلة، وتسير في حياتها على هدى هذه الرسالة كأنها تهتدي بوحي غرائزها الفطرية دون تفكير ولا تردد ولا اختيار.

فإذا تحدثت الشخصية التابعة سمعت منها حديث المنوم مغناطيسياً تحت تأثير منومه، وتظهر كلماتها مطبوعة بطابع الرسالة التي تلقتها، ولو لم يكن الموضوع الذي تتحدث به من الموضوعات التي تعرضت لها الرسالة ببيان. ومن الأمثلة التي توضح لنا ذلك أحاديث حواريي المسيح برسالته من بعده إلى الناس، وما كان هؤلاء الحواريون إلا طائفة من صيادي السمك وأشباههم لا يزيدون في ثقافتهم على العوام، ولكنهم ثبتوا في الجدل الكلامي لأساطين كهنة اليهود وأحبارهم الذين كانوا فقهوا حق الفقه صفوة الثقافات الدينية والعملية والفلسفية التي كانت معروفة في عهدهم، وانتصروا عليهم حتى في تفسير الشريعة الموسوية التي هم كهنتها وأحبارها. وكانوا إذا خطبوا أو تحدثوا - وهو العوام - نطقوا بالبيان الساحر الذي يزلزل القلوب ويهز العقول فلا تملك حيال بلاغته العارمة ما يدفعها، فإما أن تؤمن بها وإما أن تنحرف عن طريق سيلها الغامر.

وكانوا إذا تنبهوا إلى أن ما يقولون هو فوق مستوى افقهم تعجبوا من أنفسهم ودهشوا كيف يأتون بمثله وهم العوام، وتأولوا ذلك بأنه من آثار تجلي الروح القدس عليهم وامتلائهم به. ونحن لا نملك إلا أن تعجب كما عجبوا وندهش كما دهشوا كيف يأتون بما أتوا به مما لا يحسن مثله فحول البلغاء الذين قضوا سنين عاكفين يتدربون على تجويد القول والتفنن فيه. هذا إلى ما يمتاز به كلام أولئك الحواريين من بساطة معجزة في التفكير والتعبير. ونحن أخيراً لا نملك إلا أن نسجل هذه الظاهرة ونصفها، فإذا حاولنا تعليلها (بعبقرية الإيمان) في تلك السرائر التي (تشبعت وامتلأت وذابت عناصرها في فيض عبقرية المسيح) لم يكن هذا التعليل بأقوى من تعليلهم هذه الظاهرة بتجلي روح القدس عليهم وامتلاء نفوسهم به، والمسألة لا تعدو حد الوصف.

ومن هذه الأمثلة ما نقل عن بعض صحابة النبي الأقربين من أقوال وأعمال وسير، وفيهم التاجر الصغير والحداد والجزار وباري النبال والعبد المسخر المستضعف، فنحن نعجب كيف نهضوا بأعباء الفقه والحكم والنصيحة للخلفاء وغيرهم ورتق الفنون التي انفتحت عليهم من أقطارها، فشرعوا وحكموا ونصحوا وأصلحوا كأتم ما يستطيعه من قضوا أعمارهم في دراسة الشرائع وسياسة الممالك والمشورة على الملوك والرعية، والإحاطة بتواريخ الأمم والوسائل الناجعة التي عالج بها أبطال الساسة المشكلات أيام السلام والهزاهز. ولقد بلغوا في هذه الأمور حداً يندر أن يطاول حتى كثير من طائفة العبيد المسخرين المستضعفين فيهم قد كان لكل منهم مشاركة في هذه العظمة يعز أن تظفر بمثله بين أبطال التاريخ في أي مكان أو زمان خلال قرون.

ومن المعجب المعجز أن تظفر بكل هؤلاء وبخير منهم في فترة واحدة على يد رجل واحد. فكيف استطاع محمد في حقله الضيق في سنوات معدودات أن ينبت هذه المئات من أشجار البطولة التي تنوعت سيقانها وفروعها وأوراقها وأزهارها وثمارها كأوسع ما يكون من التنوع، وهي تقوم في تربة واحدة وتسقى بماء واحد. ولا يخفف من عجبنا شيئا أن هذا الرجل الذي تخرجوا به نبي، وأن هذا النبي محمد، ما لم نكن ممن يعشى أبصارهم تلألأ الكلمات فيقفون عند حدودها ولا ينفذون إلى العوالم الفساح المتراميات وراءها، ولو فعلنا ذلك لم نعرف الدرس الأول الذي تعلمنا إياه صحبة العباقرة، وهذا الدرس الأول الذي يمثله (أبجدية العبقرية) هو عدم الوقوف عند الكلمات التي تواضع عليها الناس ولو كانوا من الحكمة في أرفع مكان.

ومن أهم ما يلفت النظر فيهم قولاً وعملاً وسيرة ظاهرة (الاجتهاد) مع أنهم متأثرون أقوى الأثر وأعمقه بشخصية النبي ومن العجب أننا لا نجد تعليلاً لهذه الظاهرة إلا ما نستدركه بعد ملاحظتنا هذه الظاهرة، وهذا التعليل هو أنهم متأثرون أقوى الأثر وأعمقه بشخصية النبي، فتحت هذا التأثر القوي العميق يقولون ويعملون ويسيرون في حياتهم كأنهم (أنبياء صغار) وكأن (الاجتهاد) الذي يصاحب (النبوة) الكبيرة (غريزة) من أقوى غرائزهم الفطرية غرزها فيهم النبي لتصاحبهم وتوجههم غريزياً، وتلهمهم إلهاماً ما يقولون وما يعملون وما يسيرون كما ينبغي أن يكون القول والعمل والسيرة الشخصية (للنبي الصغير) في غيبة (النبي الكريم). فهم ينظرون إلى أنفسهم وما حولهم ومن حولهم نظرة فيها من الأصالة والاستقلال والحرية ما لا يتوفر إلا لعظماء (المجتهدين).

وهؤلاء لا يظهرون كأنهم (أنبياء صغار) إلا عند مقابلتهم (بالنبي الكبير) وإلا فأنهم إلى جانب كثير غيره من المشهود لهم بالإلهام يظهرون كأنهم قمم لا تطاول.

إن الوجود بكل ما فيه ليبدو لهؤلاء - كما يبدو لكل عبقري - طازجاً غضاً كأنما لم يخرج من يد الله إلا في اللحظة التي رآه فيها. إنه ليبدو في عينيه وجوداً (جديداً) لم يكشفه أحد من قبله، ولم يبدو فيه رأيه، ولم يسم شيئاً فيه باسمه. وآية ذلك أن وعيه لا يقف بداهة عند حد الأسماء التي سماه الناس وسموا محتوياته بها، ولا يعترف بداهة بالمواضعات تواضعوا عليها في معرفته، ولا بالأحكام التي قضوا بها في مشكلاته مهما يكن سداد هذه الأحكام، ومهما تكن قداستها، فكل أمر تقع عليه عيناه قضية لم تحقق، ولم يصدر عليها حكم، ولا تزال تنتظر منه نظره وحكمه، ولا بد أن يكون نظره فيها ثم حكمه عليها جديداً مستقلاً أصيلاً حراً جريئاً لا يأبه كيف أعتبر الناس قبله هذا الأمر مهما كانوا من الحكمة والقداسة.

ومن بناء هؤلاء وتعودهم على النظر المستقل فيما هو من عميهم المكلفين به نرى لهم نظرات أريبة أصيلة مستقلة حتى في ما جاوز عملهم، كما ترى استغراق نشاطهم في تأمل هذا الوجود لا سيما البشرية ذاهلين عن مآربهم المعيشية؛ فهذا الوجود ولا سيما البشرية - وهو الذي تبدو مشكلاته لأبصار العادين اموراً مفروغاً منها - يبدو بأبصار هؤلاء كأن مشكلاته لم يتناول شيء منها بالدرس، ولم يقل في شيء منها كلمة واحدة، بل لم يسم شيء منها باسمه. إن كل واحد منهم يبدو كأنه آدم الإنسان الأول الذي لم يشاهد الوجود إنسان قبله. وكأن قصته قصة آدم الملهم مع الملائكة على وصف القرآن الكريم (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العزيز الحكيم. قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبئهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم: إني أعلم غيب السموات والأرض، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون).

إن كل عبقري آدم. وكل من أنتفع في جو عبقري خلال صحبته حتى تشبع برسالته هو آدم.

نعم، آدم (النبي الساذج الطازج) الذي (علمه الله أسماء الأشياء) ولم يتعلمها من أحد غيره، وألهمه الله إياها ولم يدرسها حتى على (الملائكة) الذين خلقهم الله من نور، وليس وكدهم في حياتهم إلا تسبيح الله وتقديسه، وليس بينهم وبين الإطلاع على شيء حجاب من الحجب التي تثقل آدم الذي خلقه الله من (طين) فغلبهم في ميدانهم، وعرف (الملائكة) أنهم لا يعلمونإلا ما علموا، وأن خزائن الله (العزيز الحكيم) حافلة بالآيات التي لا تملك أمامها المخلوقات ولو كانوا (ملائكة) إلا العجز والتسليم.

ومن هنا يظهر جانب من إعجاز العبقرية وتأثيرها في السرائر الإنسانية المتفتحة لقبول الفيض الغامر الخالق من الشخصية العبقرية في (صحبتها) المباشرة. كما يظهر هذا الجانب الإعجازي في إنهاض البشرية ودفعها نحو الجمال والكمال عن طريق الصلات الشخصية المتوالية، وخصوصاً أن العبقريات بين البشر نادرة، وذوات الرسالات الكبرى بين العبقريات أندر.

(يتلى)

محمد خليفة التونسي