مجلة الرسالة/العدد 902/على هامش الحرب العالمية الأولى

مجلة الرسالة/العدد 902/على هامش الحرب العالمية الأولى

مجلة الرسالة - العدد 902
على هامش الحرب العالمية الأولى
ملاحظات: بتاريخ: 16 - 10 - 1950


1914 - 1918

كيف تستفيد مصر من دروس حملة فلسطين

للأستاذ أحمد بك رمزي

بين يدي كتاب عنوانه (دروس من تجارب الحرب العظمى)، وضعه الجنرال الألماني البارون فون فريتاج لودنجهوفن، وكان صاحبه من خيرة كتاب ألمانيا العسكريين وأطولهم باعاً، وأقدرهم في الكتابة عن الحرب من الوجهة النظرية. وهو بروسي الأصل ولكنه ينحدر من عائلة تسكن شواطئ بحر البلطيق، في تلك المناطق التي ضمت إلى روسيا، وهاجرت عائلته إلى ألمانيا، فأنضم في الحادية والعشرين من عمره إلى إحدى فرق الحرس البروسية وشغل قبل سنة 1914 وظيفة هامة في هيئة أركان الحرب العامة في برلين، وما لبث أن ذاع صيته في السنين التي سبقت الحرب الأولى، لاشتهاره بكتبه ومؤلفاته العسكرية، التي نشرها عن فن الحرب وتاريخ المعارك، ولما نشبت الحرب العالمية الأولى رشحته خبرته وثقافته ليعين مندوبا عن الجيش الألماني وممثلا له، في المجلس الأعلى لهيئة أركان الحرب العامة لجيوش الإمبراطورية النمساوية المجرية.

وقد لمس عن كثب عند بدء الحرب ضعف الإمبراطورية، وأسباب تفكك جيوشها، ولكنه يلتمس الأعذار للعسكريين النمساويين، ويقول إن جموع الجيوش التي حشدتها دولة العرشين - عرش النمسا وعرش المجر - قد استبسلت في القتال وحاربت بشجاعة، وجاءت هزيمتها نتيجة للأخطاء التي سببتها الهيئات النيابية في البلدين وإهمالها لطلبات هذه الجيوش وقت السلم.

والمعروف أن فشل الخطط الهجومية الألمانية في الميدان الغربي أدى إلى اعتزال الكونت مولتكه من رئاسة هيئة أركان الحرب العامة، فتسلمها فون فالكنهين الذي دعا مؤلف الكتاب وعينه ضمن مساعديه.

واقتصر عمل مولتكه على رئاسة بعض الأقسام الفنية التي بقيت في برلين، أما الأعمال الأساسية التي من صميم عمل هيئة أركان الحرب العامة، فاستمرت في الميدان تحت إشراف القيادة العامة.

ولما أخفق الهجوم الألماني أمام حصون (فردان) طلب إلى المريشال فون هندنبرج في أوائل أغسطس 1916، أن يخلف فالكنهاين في منصبه وألحق مؤلف الكتاب كمساعد للجنرال لودندورف، يد هندنبرج، اليمنى، وقد بقي يشغل هذه الوظيفة حتى مات مولتكه في يونية من السنة التالية، فخلفه الجنرال لونجهوفن في وظيفته، أي شغل منصب الرئيس المنتدب برئاسة أركان الحرب بأقسامها التي بقيت في برلين، وكان عملها قاصراً على المسائل الفنية الصرفة ولا تتدخل في تنسيق العمليات الحربية وسير القتال في الجبهات.

وقد أنعمت عليه حكومته عقب توليه هذا المنصب بوسام الاستحقاق من طبقة السلم. فكان هذا الإنعام دليل تفوقه وأهليته وخير اعتراف رسمي له بأنه أقدر الكتاب العسكريين في الجيش البروسي.

والمعروف أن الذي أنشأ وسام الاستحقاق في طبقاته العسكرية هو فردريك الأكبر عاهل بروسيا، وقد جرت التقاليد بالإنعام به على القواد والضباط الذين يظهرون مهارتهم في الحروب، أما وسام الاستحقاق للسلم، فقد أنشأ فردريك وليم الرابع عام 1842 وأوقفه على من يظهر قدرته على الكتابة في الفنون العسكرية من الوجهات النظرية والعلمية البحتة، وعليه فإن حصوله على هذا الوسام دليل تقدير لمؤلفاته وأنها بلغت درجة كافية من النضوج تجعله أول ضابط حصل على وسام الاستحقاق من طبقة السلم في زمن الحرب.

لقد كتب المؤلف كتابه (دروس من تجارب الحرب العظمى) والحرب القائمة، ثم طبع بعد انهزام ألمانيا ولم يكد يظهر في عالم المطبوعات حتى تلقفته الصحافة بتعليقاتها المستفيضة، وقد لفت الأنظار إليه ما جاء في بعض فصوله عن مستقبل الجيش الألماني وخاتمته التي تقول (لا نزال مستعدين للحرب)

وأدى نشر فصوله على هذا الملأ أن أخذت الجرائد تناقشها بحرارة وحماس وتشرح بإسهاب الطرق التي لا بد أن تتبعها ألمانيا بعد انكسارها في الحرب لتستعد إلى دخول حرب أخرى، فاضطرت الحكومة الديمقراطية أن تضيق على الصحافة وأن تحول دون نشر تعليقاتها على الأفكار التي تضمنها الكتاب، ولكنها شجعت نشره في داخل بلادها ومنعت إرساله للخارج فلم يتعد ما تسرب منها إلى البلاد الأجنبية عدداً محدوداً.

ونظرة لهذا الكتاب تجعلنا نحكم بأنه خطوة تمهيدية لتاريخ الحرب العالمية الأولى، فهو مؤلف موجه للشعب الألماني لا لرجال الجندية، ولذلك عده البعض شبيها بكتاب المارشال مولتكه الكبير الذي قاد الحرب الفرنسية الألمانية 1870 وخطه بقلمه وهو في ميدان القتال بفرنسا، وقدمه للشعب وللأجيال القادمة التي لم تكن وجدت في ذلك الوقت، فنشأ على قراءته وتربى على أفكاره ومبادئه جيل من الناس بأكمله، هو الذي عاش بين سنة 1870 وسنة 1914 ومن هذا الجيل نشأ الجيش الذي خاض معارك الحرب العالمية الأولى.

وكذلك كتاب الجنرال كتاب الجنرال لودنجهوفن أثر في الأجيال التي جاءت بين سنة 1918 وسنة 1931 أي بين هزيمة ألمانيا الأولى ثم قيامها تحت نظام النازية ودخولها الحرب العالمية الثانية: لأن الدعوة التي تبناها مؤلف الكتاب يقول بطرح المبادئ العالمية والإقلاع عن أفكار السلام الدائم، والأخذ بفكرة إنشاء نظام عسكري جديد لألمانيا موطد على دروس الحرب العالمية الأولى ومدعم بتجارب القاسية ومعتمد على تقديم العلوم الحديثة وتطور فنون الحرب، ويدعو إلى أن تخلق ألمانيا لنفسها من هزيمتها نصراً، وهذا ما وفق الشعب الألماني إليه بين حربين، إذ جعل من تعاليم صاحب الكتاب دوافع نفسية مكنته من تنظيم أكبر قوة عسكرية في العالم وأضخم آلة قتال رآها الناس في الفترة التي وقعت بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وهو من القائلين بأن الحرب غريزة متمكنة من طبيعة البشر، فكما أن طبيعة الناس لا تتغير فالحرب ستبقى ملازمة للإنسان في مستقبل أيامه كما لازمته آلاف السنين وعشرات القرون.

وهذه عقيدة تملكت الشعب الألماني الذي ألف الحروب ونشأ مندربا تحت السلاح، ولذلك تقبلت هذه العقيدة عقيلة الجماعات، فأصبحت حقيقة منطقية ثابتة وإيمانا لا يحتمل الشك ولا يتطرق إليه التردد والضعف. وهو يقول أن الروح العسكرية ليست اختراعاً أوجدته بروسيا لنفسها أو عارية أخذتها عن الأمم الأخرى، وإنما الروح العسكرية هي بروسيا نفسها. ولما كانت بروسيا أقوى دول ألمانيا، فليس لدى الألمان أحزاب سلم وأحزاب حرب، وإنما هناك أمة واحدة تقدس الواجب، وتؤمن بعظمة الجيش، وكل اتجاه يخالف هذا القول يعد هراء من قبيل إضاعة الوقت، أو المناداة بفكرة لا يأبه لها ألماني واحد وهو يجهر في مقدمة كتابه بقوله (أن الواجب يفرض علينا أن نكون على بينة وتثبت من الدروس والتجارب والحوادث التي كانت نتيجتها وخيمة علينا، أنه فرض علينا أن نبحثها وندرسها ونحللها في أقسام الجيش وهيئات الحكومة، إننا دفعنا الثمن غالياً للحصول عليها في ميادين القتال، وفي داخل البلاد وخارجها، فعلينا أن نوجه كل نشاطنا القومي، وما تضعه بين أيدينا أنظمتنا العسكرية من وسائل، لكي نطيل الدرس ونقلب أوجه البحث من غير إمهال أو تردد، ولكن بعزيمة وبصيرة وبدون إضاعة وقت: إذ هنا يبرز الوقت كما يبرز في الحروب كعامل فعال له وزنه وقيمته).

(إننا لا نستطيع أن نستخلص الآراء الصائبة التي تنفعنا أو تحدد النتائج العلمية التي تصلح لنا، إذا قصرنا عملنا على النواحي العسكرية وحدها، فهي مع أهميتها القصوى لا نستطيع فصلها عن تطور السياسة العالمية إزاءنا، ولا نتمكن من الاستفادة من هذه الدراسة إذا أهملنا التدقيق في الأحوال الاقتصادية العامة وما أصاب بلادنا منها، فنحن أمام ما علينا ولا لنا، أي أمام انتصارات ونكبات، والتجارب التي هي في الحالتين مفيدة لنا نعم لكي نعمل في المستقبل على قواعدها ونسير بهديها

(إن الغاية من تأليف هذا الكتاب هو إعلام الجيش والشعب بالآراء الصائبة التي أثبتت الحروب مقدار صلاحيتها ووضع الحقائق والنتائج التي أقنعتنا دروس القتال بصحتها: فنحن أمام حوادث عسكرية منها ما هو من صميم فن الحرب وما هو من عمل السياسة؛ وما هو اقتصادي بحت ولكنها دروس تعلمناها، بدماء أبنائنا وتضحيتهم الكبرى وموتهم في سبيل المثال الأعلى للبلاد: فما أقنعنا الدليل بصحته تمكنا به، وما أظهرت الحرب بطلانه تجنبناه، ودعونا إلى الإقلاع عنه. وما ثبت نجاح شيء منه وبطلان بعضه عملنا على تحويره وإصلاحه ليغلب النجاح عليه.)

وعلى هذا النمط يسير المؤلف في شرح نظرياته وآرائه وتوجيهاته بوضوح وصراحة، فيعرض الحالة السياسية والاقتصادية مدة الحرب لدولتي الوسط - ألمانيا والنمسا - ويعطينا صورة للحالة النفسية للأمة معتمداً سيكولوجية الجماعات وأثرها في رجال الجيش ثم يتكلم عن القيادة وعملها.

وبعد هذه الفصول بأكملها كمقدمة للنتائج التي استخلصها وهي في القسمين الأخيرين من كتابه: (الجيش في المستقبل) ثم كلمته (لنبقى مستعدين للحرب) وهما عصارة تجاربه.

والذي دفعني إلى إعادة النظر والتأمل في هذا الكتاب وفي غيره من مؤلفات القائد الألماني. بعد أن بقيت على رف مكتبي أكثر من عشرين عاماً - هو ما يعاود الرأي العام المصري - من وقت لآخر - من الرغبة من تعرف نتائج الحرب في فلسطين، وأثرها في يقظة الوعي القومي بمصر، والعمل على استعادة القيم الخلقية التي يبدو لكثيرين منا أنها (انهارت بعد الصدمة الأولى

ولما كنت من المؤمنين بأن قيمة أي نظام ويقظة أي شعب يرتكزان على ما يبذله كل شعب من الشعوب من العمل الصامت المستند على إرادة وفكر للخروج من آثار الهزيمة الني عاناها حتى لا تهد من كيسانه - رأيت من أولى المسائل التي يجب أن يهتم بها الشعب المصري وأهل الرأي فيه هي مشكلة الحرب الفلسطينية وأثرها وما ألفته علينا من دروس.

فهل لدينا هيئة قائمة أخذت على عاتقها جمع المعلومات والوثائق وتبويبها ودراستها حتى نستخلص بعض الحقائق ونسجل على أنفسنا ما بدا من تقصير في صفوفنا وأنظمتنا؟

أظن أننا لم نفكر بعد في شيء من ذلك.

إذن أصبح واجباً على المفكرين وأهل الرأي أن يسدوا هذا النقص وأن يكتبوا وينشروا على الملأ ما يعلمون، حتى يشعر الشعب المصري بأن هزيمة فلسطين ليس معناها أن يستمر تحت كنفها وفي ظلها إلى الأبد.

إنما هي نتيجة سلسلة من الأخطاء السياسية والعسكرية تمت على أيدي أناس لا يمتون بصلة إلى الفن الحربي ولا يعرفون شيئاً عن أساليب السياسة الدولية.

أن المركز الخاص الذي وجدت فيه مصر والبلاد العربية يجب أن يشرح لها بإسهاب، وكذلك أماكن التجمع والحشد؛ ويستلزم الأمر بيان الأسباب التي جعلت زحف الجيوش العربية - ذات التفوق العددي - متلكئاً وغير مرتبط بالزمن. والإجابة على السؤال المعروف الذي طالما وجهه أحد قواد ألمانيا في مؤلفاته!

(هل يأتي الآخرون لشد أزرنا وهل ينضم حلفاؤنا إلى صفوفنا حتى يكون تدخلهم في المعركة الناشبة نافعا وكيف يأتي في الوقت الناسب).

إننا في حاجة إلى مثل هذا الكتاب الذي أشرت إليه، نعم في حاجة إليه، لكي نحتفظ نحن في مصر، بالروح العسكرية التي ورثناها عن أجدادنا: عن عمرو العاص وصلاح الدين والظاهر بيبرس. إن المحافظة على كياننا واستقلالنا تحتم أن نكون موضع ثقة واحترام في الأمم الكبرى، ولكي نصل إلى شيء من ذلك يجب أن نكون أقوياء، ولن نصل إلى القوة والنصر إلا إذا عرفنا أسباب هزائمنا وعلة تفككنا وعوامل نكبتنا.

أحمد رمزي