مجلة الرسالة/العدد 91/عصر الخفاء في مصر الإسلامية

مجلة الرسالة/العدد 91/عصر الخفاء في مصر الإسلامية

مجلة الرسالة - العدد 91
عصر الخفاء في مصر الإسلامية
ملاحظات: بتاريخ: 01 - 04 - 1935



الحاكم بأمر الله

للأستاذ محمد عبد الله عنان

- 1 -

لبثت مصر منذ الفتح الإسلامي زهاء قرنين ونصف قرن ولاية خلافية، تتوارثها الخلافة أينما حلت؛ الخلافة العامة، فالأموية، فالعباسية. غير أن مصر كانت منذ الفتح تتبوأ بين الولايات الخلافية مركزاً ممتازاً؛ فقد اتخذت قاعدة لفتح إفريقية فالأندلس، وكان ولاتها الأوائل، ولاة لأفريقية؛ وكانت أيضاً، بموقعها الجغرافي، وأهميتها العمرانية مطمع الزعماء المتغلبين يرون فيها ملاذاً منيعاً للحركات الاستقلالية؛ فقد وليها فاتحها عمرو بن العاص ولايته الثانية من قبل معاوية، ولكنه جعل منها وحدة شبه مستقلة، وربما كان في اهتمام عمرو بالبقاء في ولاية مصر وسعيه لدى عثمان في تحقيق غايته، ثم اقتطاعها بعد ذلك من معاوية ثمناً لحلفه ومؤازرته ما يحمل على الاعتقاد بأنه لو ثابت لهذا القائد العظيم والسياسي البارع فرصة ملائمة لأنشأ بمصر لنفسه ولعقبه دولة أو خلافة مستقلة. ولما قام عبد الله بن الزبير بثورته على الخلافة الأموية ألفى في انتزاع مصر طعنة قوية يسددها لصدر الخلافة. ولما تألق نجم بني العباس وسحقت الخلافة الأموية في موقعة الزاب، فر مروان الثاني آخر الخلفاء الأمويين إلى مصر ليتخذها قاعدة للدفاع عن ملكه وتراث أسرته؛ ولعله لم يكن بعيداً عن التفكير في اتخاذ مصر بعد الشام معقلاً للخلافة الأموية وقاعدة لاسترداد تراثها الذاهب لو كتب له الظفر على مطارديه

ولما ضعف سلطان الدولة العباسية وتراخت قبضتها في النواحي، غدت مصر طعمة لطائفة من الحكام الأقوياء، يحكمونها باسم الخلافة، ولكن ينشئون بها دولاً مستقلة، لا تكاد تربطها بالخلافة أية روابط سياسية أو إدارية. وكان ابن طولون أول هذا الثبت من الحكام الأقوياء؛ قدم مصر والياً من قبل الخليفة المعتز سنة 254هـ (868م)، فلم يلبث أن استخلصها بعزمه وقوة نفسه، وأنشأ بها لنفسه ولعقبه دولة باذخة ترامت حدودها إلى شمال الشام؛ واستمرت مدى ربع قرن تنافس دولة الخلافة في السلطان والبهاء؛ فلما آنست الخلافة أن الانحلال قد سرى إلى الدولة الفتية، بعثت جيوشها إلى مصر غازية، فاقتحمت مدينة القطائع عاصمة بني طولون، وقضت على تلك الدولة الزاهرة (292هـ - 904م) واستعادت الخلافة سلطانها على مصر عصراً آخر؛ بيد أن هذا السلطان لبث عرضة للانتقاض بين آونة وأخرى، وحاول ولاة أقوياء مثل تكين وابن كيغلغ أن ينتزعوها لأنفسهم في ظل الخلافة الأسمى؛ حتى كانت ولاية محمد ابن طغج الإخشيد، فاستطاع أن يقوم بمصر بمثل ما قام به ابن طولون، وأن ينشئ بها دولة قوية مستقلة شملت الشام والحرمين، واستمرت مدى ثلاثين عاماً (327 - 358هـ)

كانت مصر تتمتع إذاً بمركزها الممتاز بين ولايات الخلافة؛ وكان هذا المركز الخاص يجعلها قبلة مختارة لأطماع المتغلبين وذوي النزعة الاستقلالية من الولاة والحكام؛ ويرجع هذا المركز الممتاز إلى موقع مصر الجغرافي ونأيها عن مركز الخلافة العباسية، ثم إلى اتساعها وغناها، وكونها تصلح بمواردها الخاصة لأن تكون مركز مملكة مستقلة. ولم تخف على الفاطميين هذه الحقيقة يوم استطاعوا أن ينفذوا بدعوتهم إلى أفريقية، وأن ينشئوا بها دولتهم الأولى على أنقاض ملك الأغالبة، فاتجهوا بأنظارهم إلى مصر؛ وما كاد ملكهم يستقر بأفريقية، حتى بعث أبو عبيد الله المهدي أو خلفائهم جيوشه لافتتاح مصر، فاستولت على برقة والإسكندرية، ولكنها ارتدت أمام جيوش مصر وجيوش الخلافة (302هـ)؛ ثم غزت مصر ثانية، واستولت على الإسكندرية والفيوم، وأشرفت على عاصمة مصر، ولكنها ارتدت إلى المغرب كرة أخرى بعد حروب طاحنة مع جيوش الخلافة (307هـ)

واستطاعت مصر أن تظفر مدى حين، في ظل الدولة الإخشيدية، بقسط من الاستقرار والقوة، ولكن الخلافة الفاطمية الفتية لم تنبذ مشروعها في افتتاح ذلك القطر الشاسع الغنى، وبعث القائم بأمر الله ثاني الخلفاء الفاطميين جنده إلى مصر، فاستولوا على الإسكندرية مرة أخرى (332هـ)؛ وكانت الخلافة الفاطمية تشعر أنها، وهي في مركزها النائي بقفار المغرب تبقى بعيدة عن تحقيق غاياتها السياسية والمذهبية الكبرى، أعني مناوأة خصيمتها الدولة العباسية والعمل على تقويض دعائمها، وانتزاع زعامة الإسلام منها؛ وكانت مصر بتوسطها العالم الإسلامي، وبما اكتمل لها من أسباب الغنى والخصب، هي أصلح مركز لتحقيق هذه الغاية، وفيها دون غيرها تستطيع الخلافة الفاطمية أن تقيم ملكها السياسي على أسس قوية باذخة. فلما سرى الوهن إلى الدولة الإخشيدية، رأى الفاطميون فرصتهم قد سنحت، وجهز المعز لدين الله الفاطمي حملة كبيرة لافتتاح مصر بقيادة مولاه وقائده أبي الحسين جوهر الصقلي، فسار إلى مصر، واستولى عليها بعد معارك يسيرة في شعبان سنة 358 (يوليه سنة 960)، وفي مساء نفس اليوم الذي تم فيه ذلك الفتح العظيم، وضع جوهر بأمر سيده المعز خطط مدينة جديدة هي القاهرة، ثم اختط الجامع الأزهر بعد أشهر قلائل، وأعدت المدينة الجديدة لتكون منزل الخلافة الفاطمية، وقاعدة ملكها السياسي، كما أعد الجامع الجديد (الأزهر) ليكون منبراً للدعوة الفاطمية ورمزاً للإمامة الجديدة

وهكذا تحقق مشروع الخلافة الفاطمية في افتتاح مصر؛ ومنذ السابع من رمضان سنة 362هـ (منتصف يونيه سنة 973) وهو تاريخ مقدم المعز لدين الله إلى مصر، تغدو القاهرة منزل الخلافة الفاطمية، بدلاً من رقادة والمهدية، وتغدو مصر معقل الخلافة الفاطمية وملاذها بدلاً من المغرب. فلم تكن مصر للفاطميين غنماً سياسياً فقط، ولكنها غدت أيضاً معقلاً للدعوة الشيعية التي لبث بنو العباس يطاردونها زهاء قرنين، والتي بدأت ظفرها السياسي بافتتاح المغرب؛ وكانت الدولة الفاطمية منذ قيامها بمصر تحتفظ بنفس الصبغة المذهبية التي اتشحت بها منذ قيامها بالمغرب، وكانت هذه الصبغة المذهبية الخاصة عنصراً من أهم عناصر الخصومة السياسية التي نشبت بين الدولتين العباسية والفاطمية؛ فالفاطميون الذين يرجعون نسبهم إلى فاطمة وعلي يختصون خلافتهم بالصفة الشرعية، ويعتبرون الدولة العباسية وريثة الدولة الأموية غاصبة للإمامة والخلافة اللتين اغتصبهما من قبل بنو أمية من علي وأبنائه، ويتخذون من هذا المبدأ دعامة لملكهم السياسي؛ فهم حسب دعواهم أبناء فاطمة بنت الرسول، وورثة علي وعقبه الشرعيين في إمامة المسلمين وخلافتهم

وهنا تعرض نقطة دقيقة. من هم في الواقع أولئك الفاطميون؟ وهل يرجع أصلهم حقاً إلى فاطمة وعلي؟ هذه مسألة يحيط بها الخفاء والغموض، ولم يقل فيها التاريخ كلمته الحاسمة؛ وقد لبثت مدى عصور موضع الخلاف والجدل في العالم الإسلامي والرواية الإسلامية؛ ففريق من العلماء والمؤرخين يؤيد الفاطميين في دعواهم وفي شرعية إمامتهم؛ ويرجع نسبة إمامهم ومؤسس دولتهم عبيد الله المهدي إلى الحسين بن علي وفاطمة. ولكن فريقاً آخر ينكر عليهم هذه الدعوة ويرى أنهم أدعياء لا يمتون بأية صلة إلى علي، وأنهم إنما استتروا بالتشيع والإمامة ليكسبوا عطف العالم الإسلامي. ويرجع هذا الفريق المنكر نسبة الفاطميين إلى عبد الله بن ميمون القداح بن ديصان البوني، وهو فقيه وافر الذكاء والمعرفة من الأهواز يرجع إلى أصل مجوسي، وداعية من أعظم الدعاة السريين الذين عرفهم التاريخ؛ وقد كان يدعو سراً إلى مذهب فلسفي إلحادي لإنكار الأديان والنبوة ساغه في سبع دعوات سرية ينتهي الداخل فيها إلى إنكار جميع العقائد والشرائع، ومنها استمدت دعوة القرامطة وبعثت ثورتهم الإباحية المروعة؛ وكان يستتر بالتشيع ويدعو لإمام من آل البيت هو محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق من ولد الحسين بن علي؛ فلما توفي قام بدعوته السرية ولده أحمد، ومن بعد أحمد ولده الحسين فأخوه سعيد؛ واستقر سعيد بسلمية من أعمال حمص واستمر في نشر الدعوة وبث الدعاة حتى استفحل أمره وأمر دعوته، وحاول الخليفة المكتفي بالله أن يقبض عليه وأن يخمد دعوته ففر إلى المغرب؛ وبشر له هناك دعاته وقاتلوا من أجله حتى ظفر بملك الأغالبة وتلقب بعبيد الله المهدي، وادعى أنه من آل البيت وانتحل إمامتهم. ويقدم إلينا فريق آخر من المنكرين عن أصل عبيد الله رواية خلاصتها أن الحسين حفيد عبد الله بن ميمون هو الذي استقر بسلمية، وكانت له زوجة يهودية رائعة الحسن تزوجها بعد أن مات عنها زوجها الأول وهو يهودي ولها منه ولد فائق الذكاء والظرف، فتبناه الحسين وعلمه وأدبه ولقنه أسرار الدعوة، وتقدم إلى أصحابه بخدمته وطاعته، وزعمأنه هو الإمام، وهو الوصي؛ وانتحل له نسباً في ولد علي، فكان هو عبيد الله المهدي. وهنالك أيضاً من يقول إن عبيد الله هو ولد الحسين من زوجه اليهودية؛ وهنالك روايات وتفاصيل أخرى لا يتسع لها المقام

وهذا الجدل حول نسب الفاطميين، والطعن فيه وفي شرعية إمامتهم ومبادئهم يشغل فراغاً كبيراً في الكتب المذهبية؛ ونحن ممن يميل إلى الأخذ برواية المنكرين، ولا نجد في تدليل المؤيدين وشروحهم ما يلقي ضياء مقنعاً؛ وكان هذا الطعن سلاحاً في يد الدولة العباسية تشهره للنيل من الفاطميين وتشويه سمعتهم في العالم الإسلامي؛ وقد اتخذ قبل بعيد صبعة سياسية رسمية؛ ففي سنة 402 هـ في عهد الخليفة القادر بالله، أصدر بلاط بغداد محضراً رسمياً موقعاً عليه من كبار الفقهاء والقضاة، وبعض زعماء الشيعة، يتضمن الطعن في نسب الفاطميين خلفاء مصر، وأنهم ليسوا من آل البيت، بل هم ديصانية ينتسبون إلى ميمون ابن ديصان، بل إنهم كفار زنادقة، وفساق ملاحدة، أباحوا الفروج، وأحلوا الخمور، وسبوا الأنبياء، وادعوا الربوبية. وفي سنة 444هـ، كتب ببغداد محضر آخر يتضمن نفس المطاعن؛ وزيد فيه أن الفاطميين يرجعون إلى أصل يهودي أو مجوسي. ونلاحظ أن الوثيقة الأولى صدرت من بلاط بغداد، وفي عهد الحاكم بأمر الله، وقد كان في تصرفاته وفي ظروف عصره، ما يصلح مادة غزيرة لهذه المطاعن

- 2 -

كانت مصر غنماً يسيراً للدولة الفاطمية الفتية، ولكنها كانت أسطع جوهرة في تاجها، وأعظم قطر في تلك الإمبراطورية الشاسعة التي أصبحت تسيطر عليها. ولقد كان قيام هذه الدولة القوية الشامخة في مصر مستهل عصرها الذهبي، ومفتتح تلك العظمة وذينك البهاء والبذخ التي نثرتها من حولها وطبعت بها حياة مصر العامة عصراً مديداً؛ وكانت مصر بخصبها ونعمائها وفيض مواردها أعظم دعامة في إقامة هذا الصرح الباذخ الفخم؛ فالعصر الفاطمي من أسطع عصور مصر الإسلامية إن لم يكن أسطعها جميعا؛ غير أن هذا العصر الذهبي الوهاج يبعث إلى كثير من التأمل، فبينا نراه وضاء واضحاً في بعض النواحي، إذ نراه في البعض الآخر مظلماً مغلقاً، وإذا هذه الخلافة القوية الساطعة يكتنفها كثير من الخفاء والغموض والريب، وإذا تتبدى لنا في هذا الصرح البراق ثغرات سود لا نستطيع أن نسبر غورها أو نظفر بقراراتها؛ ويشتد هذا الخفاء والغموض بالأخص كلما حاولنا أن نستعرض من هذا العصر نواحيه الدينية والمعنوية، فهنا تبدو من آن لآخر ظلمات يصعب استجلاؤها. على أننا سنحاول مع ذلك أن نستعرض من العصر الفاطمي فترة ربما كانت أشده خفاء وغموضاً، وربما كانت مع ذلك أدعى إلى الاهتمام والدرس، لما تعرضه لنا من حوادث وظرف وخواص مدهشة، ولما تسفر عنه أحياناً من الحقائق والأسرار الغريبةالتي تلقي شيئاً من الضياء على روح السياسة الفاطمية الدينية والمدنية، وعلى حقيقة وجهاتها وغاياتها

نريد بذلك عصر الحاكم بأمر الله أغرب وأغمض شخصية في تاريخ مصر الإسلامية

قدم المعز لدين الله (تميم أبو معد) إلى مصر بجيوشه وأمواله وعصبته في السابع من رمضان سنة 362هـ (منتصف يونيه سنة 973) بعد أن أنشئت العاصمة الجديدة (القاهرة) وأعدت لنزوله، واستتب النظام، وتوطد الملك الجديد، وتلقى المعز ملك الشام كما تلقى ملك مصر على يد قائده جعفر بن فلاح، ودعا له بنوحمدان في حلب، فكانت مملكته الشاسعة تمتد من أواسط المغرب إلى شمال الشام؛ ولكن فورة القرامطة كانت تهدد ملكه الجديد في مصر والشام، وكان القرامطة قد زحفوا على مصر بالفعل في أوائل سنة 361، ونشبت بينهم وبين جيوش المعز بقيادة جوهر معارك هائلة على مقربة من الخندق (بجوار القاهرة) انتهت بهزيمتهم، ولكنهم ارتدوا عندئذ نحو الشام فافتتحوها من يد ابن فلاح نائب المعز، ثم زحفوا على مصر كرة أخرى، فلقيتهم جيوش المعز على مقربة من بلبيس، وهزمتهم هزيمة ساحقة (أواخر سنة 363هـ). وفي العام التالي خاضت الجيوش الفاطمية في الشام معارك شديدة ضد أفتكين المتغلب على دمشق وحلفائه البيزنطيين؛ وفي الوقت نفسه غلبت الدعوة الفاطمية على الحجاز ودعا للخليفة الفاطمي على منابرها

وتوفى المعز في 14 ربيع الثاني سنة 365هـ (ديسمبر سنة 975م)، فخلفه ولده العزيز بالله (أبو منصور نزار)، ولبث في الخلافة زهاء إحدى وعشرين سنة. وفي أول عهده زحف القرامطة وحليفهم أفتكين على مصر، فلقيهم العزيز في فلسطين وهزمهم بعد حرب شديدة وأسر أفتكين (368هـ) وفي أيامه استردت دمشق، وافتتحت الجيوش الفاطمية حمص وحماه وحلب وخاضت مع البيزنطيين معارك عديدة كان النصر حليفها فيها؛ ودعا للعزيز في الموصل واليمن، واتسع بذلك نطاق الدعوة الفاطمية اتساعاً عظيماً. ثم توفي العزيز في 28 رمضان سنة 386 هـ (سبتمبر سنة 996م) في بلبيس حيث كان يعتزم السير بعساكره إلى الشام؛ فخلفه يوم وفاته ولده وولي عهده أبو علي منصور، ولقب بالحاكم بأمر الله، وكان العزيز قد استدعاه إليه في مرض موته؛ وفي اليوم التالي سار الحاكم إلى القاهرة ومعه جثة أبيه، فدخلها في موكب فخم مؤس معاً

للبحث بقية

محمد عبد الله عنان

المحامي