مجلة الرسالة/العدد 919/تعقيبات

مجلة الرسالة/العدد 919/تعقيبات

ملاحظات: بتاريخ: 12 - 02 - 1951



للأستاذ أنور المعداوي

حقيقة التشويه العلمي في (الإشارات الإلهية):

مرة أخرى نعود. . ولا مناص من هذه العودة لأنها استجابة لرغبة القراء. نعود لنكشف عن حقيقة (التشويه العلمي) التي أحدثته عبقرية الفيلسوف الأول في (الإشارات الإلهية). . ومعذرة من هذا التعبير الذي ينسب التشويه إلى العلم أو يجعل العلم منسوباً إليه، لأن العلم هنا بدلالته الخاصة مقصور على الدكتور عبد الرحمن بدوي!

وقبل أن نكشف عن حقيقة هذا (التشويه العلمي) نود أن نقف قليلاً لنقول كلمة أو كلمتين. . ترى هل قرأ الدكتور بدوي كتاب (كليلة ودمنة)؟ أننا نشك كثيراً في أنه قد قرأ هذا الكتاب، ومبعث هذا الشك أن في الكتاب فلسفة صادقة، كان من الممكن أن ينتفع بها فيلسوف مصر الأول. . لو أنه ألتقطها من لسان بيدبا الفيلسوف! ولسنا نريد من الدكتور بدوي إلا أن يرجع إلى هذا الكتاب ليخرج بشيء من الفلسفة الشرقية، شيء بسيط لا يدق على فهمه كما دقة عليه أصول الفلسفة الغربية. . قال ديشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: اضرب لي مثل الرجل يرى الرأي لغيره ولا يراه لنفسه. وجمع بيدبا الفيلسوف أطراف فلسفته، وقص على الملك قصة مالك الحزين. . ورحم الله بيدبا الفيلسوف، فلو كان يعيش بيننا في هذه الأيام مع دبشليم الملك، لاستبدل بقصة مالك الحزين قصة عبد الرحمن بدوي!

إننا لا نعني قصته في (الإشارات الإلهية) فإن لها حديثاً غير الحديث، ولكن الذي نعنيه هو قصته الأخرى التي قادنا إليها كتاب الآخر: (أرسطو عند العرب)، وهو مجموعة نصوص نشرها وحققها بطريقته المعروفة. وافتح الصفحة الرابعة والستين من هذا الكتاب، وترفق برئتيك إن كنت من أصحاب الصدور الضعيفة، قبل أن تطلقها ضحكة عريضة تملأ الفضاء العريض!

قال الدكتور عبد الرحمان بدوي وهو يتحدث عن منهجه في نشر المخطوطات، في شيء من الفخر وشيء من السخرية، الفخر (بعلمه) والسخرية من (جهل) غيره، قال لا فض فوه وهو بعيد علينا قصة مالك الحزين ويذكرنا بمثل بيدبا الفيلسوف: (والمنهج الذي نتبعه في النشر منهج بسيط، وبقد ما هو بسيط هو خصب دقيق معاً: وهو أن نجيد قراءة المخطوط عن تدبر وحسن فهم (هكذا والله العظيم)!. . وهذا مبدأ على الرغم من بساطته ووضوحه كثيراً ما أغفله الناشرون أو بالأحرى أجفلوا منه وكأين من أخطاء في تحقيق النصوص لم يكن السبب فيها إلا عدم إجادة القراءة! وليس الأمر في النشر أمر هذه المخطوطات وكثرة اختلافات القراءة؛ إنما المهم إن تقدم للناس - على أساس ما تيسر لك من مخطوطات، فلت أو كثرت أو كانت وحيدة - نصاً جيداً يحاكي تماماً ما في الأصول المخطوطة بعد تدبيرها تمام التدبير. فالذين مارسوا المخطوطات يعرفون أن ثمت أحوالا من إهمال النقط أو تشابك الحروف أو تقلب النفط من فوقها واضطرابها بين حروف الكلمة الواحدة أو الكلمات المتجاورات. ومثل هذه الأحوال لا يمكن أن تعد اختلافات في القراءات، إنما هي عوارض شخصية في المخطوطات، يجب أن يستقريها الناشر لنفسه أثناء قراءته الأولى للمخطوطة ثم يعين - لنفسه أيضاً - أحوال اطرادها حتى يتهيأ له جهاز تحليلي لحسن القراءة. وإلا فستكون النتيجة أن يضل القارئ إذا ما ذكر في الجهاز النقدي كل ألوان الإهمال أو الهفوات الهينة لسقطات القلم، فلا يستبين ما إذا كان بازاء اختلاف قراءة أو مجرد مخالفة خطية أو قلمية تافهة ومفهومة. ولهذا فلسنا نتردد في اتهام أولئك الذين يلجئون إلى هذه الطريقة بالعجز عن فهم النصوص وقراءتها، أو بالتمويه على القارئ بوضع جهاز نقدي ضخم محشو بهذه الاختلافات المزعومة ليدخل في روعه أن الناشر قد بذل مجهوداً هائلاً. والحق أنه لم يبذل شيئاً أكثر من جهد النسخ والمسخ معاً، دون أن يبذل أي مجهود في الفهم وتدبي المقروء. ومع ذلك تراهم يصيحون ملء أشداقهم، وتصف ألسنتهم الكذب: إن هذا هو المنهج العلمي الصحيح! مع أن الأولى بهم أن يسموه: منهج الإحصاء الآلي العاجز.

ولكم رأينا في مقارنتنا لبعض النصوص التي نشرها هؤلاء (الناشرون) المزعومون بالأصول المخطوطة التي نشروا ما نشروا عنها أن ما ادعواه (تحريفاً) أو (اختلاف قراءة) لم يكن في الواقع إلا (سوء قراءة) من عيونهم وعقولهم)!!

أنظر إن عبد الرحمن بدوي هنا يشرح لك طريقته في نشر المخطوطات، ثم يتخذ من هذه الطريقة دستوراً يأمر الناشرون بأن يعملوا به، مرتدياً ثوب الأستاذية الموجهة وسالكاً نهج مالك الحزين، ذلك يرى الرأي لغيره ولا يراه لنفسه. ترى هل يتقبل الدكتور بدوي هذه الكلمات الرائعة، هدية متواضعة؟! إنها كلماته هو، تلك التي وجهها إلى الناشرين الجهلاء.

واستمع إليه معجباً ومقدراً حين يقول: (ولكم رأينا في مقارنتنا لبعض النصوص التي نشرها هؤلاء الناشرون المزعومون بالأصول المخطوطة التي نشروا ما نشروا عنها، أن ما أدعوه تحريفاً أو اختلاف قراءة لم يكن في الواقع إلا (سوء قراءة) من عيونهم وعقولهم)!

لكم يهزنا هذا التعبير الأخير. حقاً أن بعض العيون تسيء القراءة وكذلك بعض العقول، ولكننا لم نر ولم نسمع أن عين ناشر أساءت القراءة كما إساءتها عين فيلسوف مصر الأول، وقل مثل ذلك عن عقله إذا كنت من المنصفين! هل رأيت في حياتك ناشراً هو في نفس الوقت أستاذ جامعي، يعجز عن قراءة فقرات كاملة في مخطوطة، فيحذفها من النص بكل بساطة ولو تعثر التعبير وأختل السياق؟! لقد فعل ذلك العلم الجليل السيد بدوي في (الإشارات الإلهية). . هل كانت الفقرات التي حذفها مطموسة أو ساقطة أو غير واضحة؟ كلا والله العظيم، ولكنه العجز المطلق والاستهانة بعقول الناس والعبث بالأمانة العلمية. . ومعنى هذا أن المسألة مسألة مزاج في إنطاق أبي حيان أو إسكات أبي حيان، ورعى الله الأمزجة النادرة عند بعض الأساتذة الجامعيين!!

لقد قلنا إن نشر هذا الكتاب بهذه الصورة فضيحة علمية، وهذا هو أول ركن من أركان الفضيحة. ولو اقتصرنا عليه لما أنقص ذلك من حقيقة الاتهام. . وليت الدكتور بدوي قد وقف بمواهبه عند هذا الذي قلناه، ولكنه مضى في طريقه غير هياب ولا وجل، تعبث عينه بقراءة الكلمات ويعبث عقله بتفسيرها في جرأة تذهل الإفهام! وتخرج من هذا كله بأن الحس اللغوي عند الناشر لا وجود له، وكذلك الذوق الفني الذي ينظر إلى موضع الكلمة من السياق حين ترجى سلامة التعبير واستقامة التفسير، وإليك بعض النماذج التي ننقلها بتعليقاتها عن صديقنا الكاتب المحقق الأستاذ سيد صقر، مع صادق التهنئة له وخالص التقدير:

(20 - ص22 (فلا العلم باختلاف الأحوال نافع، ولا الجهل به ضار، بلربماضر العلم، وربما نفع الجهل، وربما نبل بالحنط، وربما فات بالتأني، وربما بعد الداني، وربما قرب النائي. .)

قال الدكتور، وما أغرب ما قال: (نبل، لقط النبل، ثم دفعها إلى الرمي ليرمي بها من جديد والحنط: النبل يرمي بها. والمعنى أنه ربما يلتقط النبل بالنبل، أي يداوي الداء بالداءنفسه).

ماذا أقول في نقد هذا الشرح العجاب؟ أقول إن مثل هذا الفهم هو الذي شحذ عزم أبي حيان على حرق كتبه بالنار وغسلها بالماء، وجعله يقول لمن لامه على صنيعه (فشق على أن أدعهالقوم يتلاعبون بها، ويندسون عرضي إذا نظروا فيها. . . وإن عيانى منهم في الحياة هو الذي حقق ظني بهم بعد الممات)!

وجاء من بعدك من يصحف عليك صحيح كلامك ويخبط في فهم معناه خبط عشواء، بل ولا يحسسن قراءته. جاء في النسخة المخطوطة: (وربما نيل بالخبط، وربما فات بالتأني. . .) أي وربما خبط الإنسان في ابتغاء مراده خبط عشواء فناله، وربما تأتي لنيله أشد التأني ففاته ولم يدركه.

ومن أعجب العجب أن ناسخ الكتابقد أحتاط، ووضح كرة ظاهرة تحت نون (نيل) حتى لا يخطئفي قراءتها إنسان، وصدق أبو حيان في عته الذي نتمثله فيمن نراهم بين ظهرانينا ممن نالوا بالخبط درجات العلماء!

20 - ص36: (وسقيا للرسائل التي كانت تجري بيننا وبينكم، نعم ورعيا للوسائل التي كانت تترددعندنا وعندكم، والوشاة على خيبتها في الظفر بتأذيكم) قال الدكتور في تعليقه: (في الأصل بناويكم، أو صوابه: بناديكم)

ولا معنى هنا لظفر الرشاة (بتأذيكم) أو (بناريكم). . وبديهي أن صواب الأصل (والوشاة على خيتبها بناوبكم)!

23 - ص35: يخاطب أبو حيان الإنسان المبتدع بالقدرة الإلهية المحفوفة بالنعم الملكية، ويطلب إليه أن يتأمل مواقع آياته فيه، ويستنطق شواهد آثاره عليه ويقول له: (أنظر بأي فضل خصك. . وأي ملك قلدك، وأي مشرب صفَّى لك، وبأي لطف حاشك، وبأي شيء سكَّر جاشك، وبأي صنع أزال استيحاشك ولأي أمر أعاشك) ثم يشرح أبو حيان ما ذكره، فيقول: (قلدك ملكاً هو نهاية آمالك، وصفى لك مشرباً متى كرعت منه لم تظمأ بعده، وحاشك بلطف هو الذي جعلك مغبوطاً في حالك، وسكر حاشك بشيء هو الذيأنالك مرادك، وأزال أستيحاشك بصنع أدركت به كل آمالك. .)

ومن العجيب حقاً أن يقول الدكتور في شرح قول ابي حيان (وبأي لطف حاشك، وبأي شيء سكر جاشك): (حاشك هنا بمعنى اصادك، وسكره بتشديد الكاف تسكيراً: أي خنقه. والجأش: نفس الإنسان)!!. . وأي عجب أعجب وأغرب من أن يقول أبو حيان للإنسان الذي يذكره بنعم الله عليه: أنظر كيف خصك بالفضل فاصطادك وخنق نفسك (بشيء هو الذي أنالك مرادك)!!

وصواب قول أبي حيان (وبأي شيء سكن جاشك) و (سكن جاشك بشيء هو الذي أنالك مرادك). . ولا ريب في أن (سكون النفس) من أنعم الله الخليقة بالتدبر، الجديرة بالتأمل. وأما (اصطياد النفس وخنقها) فمصيبة كبرى، ولعل في حشره بين أنعم الله التي حف بها عباده سراً فلسفياً دفيناً يدق على الإفهام، وتقصر عنه المدارك والعقول!!

12 - ص2: يقول أبو حيان. (يا هذا إن كنت ثاكلاً فخ على ما أصبت به، وأن كنت مكروباً بالسر فبُح)

أخطأ الدكتور في ضبط هاتين الكلمتين كما أخطأ في شرح المعنى، إذ يقول (أي ألق على مصابك)!!! والصواب فنُحْ على ما أصابك به)، ويؤيده قول أبي حيان في ص113 (ونح على نفسك نوح الثكول). وهذا هو البيان الصريح واللفظ الصحيح كما قال أبو حيان في ص294، فمن أخطأه فليقرأ تمام كلامه في الصفحة نفسها، فإنه يقول: فأطلْ البكاء، وأجد اللطم، وتجرع مرارة الكأس، المترعة بالجسر واليأس. وليت البكاء نفعك! وليت النوح أجدى عليك! وليت الحسرة أفادتك! وليت الندامة نفعتك! هيهات! فت فوتاً لا درك بعده، وبدت بيوداً لا عود معه، والعثرة غير مقالة، والمحنة غير مزالة، والحال غير محالة. . .)

1 - ص17: يقول أبو حيان مخاطباً أحبابه: (فارعوا ذمام خدمتي لكم، وحافظوا على ما تحملت فيكم، فقد شربت العلقم في هواكم، وأدريتْ العدى تحملاً لكم، ولزمت الصمت حتى نسيت الكلام، واعتزاز حتى قيل هو من الوحش، وغضضت الطرف حتى قيل هو من العميان)

قال الدكتور عبد الرحمن بدوي في شرحه (الكلام هنا بمعنى علم الكلام، والقرينة في قوله: اعتزلت، أي صرت من أهل الاعتزال أو المعتزلة، واعتزلت بعدها بمعنى توحدت وانفردت)

هذا شرح مضحك حقاً؛ فإن أبا حيان لم يرد بالكلام إلا معناه المعروف للعامة والخاصة.

ولست أدري كيف فهم الدكتور أن أبا حيان في (علم الكلام) لما لزم الصمت. وما العلاقة العجيبة بين هذا الصمت وعلم الكلام؟! وكيف تكون (اعتزلت) بمعنى توحدت وانفردت، قرينة على أن المراد بالكلام (علم الكلام) وما الصلة بين التوحد والانفراد وبين مذهب الاعتزال؟ لست أدري. . ولعل هناك صلة فلسفية لا يدركها إلا عقل فيلسوف!

3 - ص231 (نعم يا سيدي إن الحديث من الفَريّ) أخطأ الدكتور في ضبط كلمة (الفري) ونقطها وشرحها وقال (الفري كغنى، يقال هو يفري الفري: أي يأتي بالعجب في عمله)!

والصواب: (إن الحديث من القِرَى) وهو تعبير مشهور متداول في كتب الأدب، قال الشاعر:

لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه غزال مقنع

أحدثه إن الحديث من القري ... وتعلم نفسي أنه سوف يهجع

راجع حماسة أبي تمام 4 - 244، وقال آخر:

ورب نضو طرق الحي سرى ... صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى

إن الحديث جانب من القرى

وأظن أن قرى الأضياف بين لا يحتاج إلى شرح نظري!

5 - ص348، 349: يقول أبو حيان في الحديث عن قصر العمر: (مما لبثنا في هذه البلدة الوبيئة الحرجة إلا. . . كحلم النائم في الليل، أو كظل قد أخذ في النقصان، أو كالَّنقابة من مول، أو كتوهم من النفس، أو كلمح البصر أو هو أقرب)

قال الدكتور: (النقابة بفتح النون: مصدر نقب على القوم من بابي علم وكرم: صار نقيباً عليهم، أو النقابة بالكسر: الاسم، وبالفتح المصدر)!!!

ويبدو أن الدكتور لم يحسن قراءة الكلمة في المخطوطة. فأخطأ في نقلها وشكلها وشرحها خطأ بعد بها عن المعنى. . والصواب: (أو كالِتفَاتةٍ من مول) فإن قصر الالتفانة من الذاهب المولي المتلفت إلى ما وراءه، هو المناسب للمح البصر وما قبله من تشبيهات، وما قصر مدة نقابة النقيب فشيء غير معروف ولا معنى له، (معذرة يا أستاذ صقر، فهو معروف في نقابة المحامين والصحفيين!!)، ولست أدري كيف استساغ الدكتور قرنها بحلم النائم ولمح البصر في مضمار التشبيه! 10 - ص4: يقول أبو حيان: (وإن جنحت إلى التواني، وذهبت في آفاق الأماني، لم ترث من حالك إلا حسرة ولم تمضغ بفمك إلا جمرة، يا هذا خفض أسى عما ساءك طلابه:

(ما كل شائم بارق يسقاه)

حسب الدكتور أن هذا النص كله وليس فيه من الشعر إلا الشطر الذي أفرده في سطر وحده، وليس الأمر كما حسب؛ فإن آخر نثر أبي حيان كلمة (يا هذا)، وما بعدها بيت من الشعر تمثل به وهو:

خفض أسي عما شآك طلابه ... ما كل شائم بارق يسقاه

فساءك محرفة عن (شاك)، والبيت للبحتري كما في ديوانه 2 - 323 وقبله:

والشيء تمنعه يكون بفوته ... أجدى من الشيء الذي تعطاه

(معذرة مرة أخرى يا أستاذ صقر، لان الدكتور بدوي لا يحفظ من الشعر إلا أجدره بالخلود. . أعني شعر ديوانه الخالد مرآة نفسي)!!

هذه هي بعض النماذج ننقلها إليك كما قلنا من المقالين اللذين كتبهما الأستاذ صقر، وكشف فيهما عن منزلة التحقيق العلمي في (الإشارات الإلهية). . ومع ذلك يقول فيلسوف مصر الأول في كلمته التي اقتطفناها من كتابه الآخر (أرسطو عند العرب) يقول في جرأة يحسده عليها الناشرون المزعومون: (والمنهج الذي نتبعه في النشر منهج بسيط، وبقدر ما هو بسيط هو خصب دقيق معاً: وهو أن نجيد قراءة المخطوط عن تدبر وحسن فهم)!

ألم نقل لك ترفق برئتيك أن كنت من أصحاب الصدور الضعيفة، قبل أن تطلقها ضحكة تملأ الفضاء العريض؟! ألم نقل لك أن نجيب الريحاني الذي كان نابغة عصره في إضحاك الناس لم يمت، لأن عبد الرحمان بدوي قد ملأ مكانه بجداره؟! إذا كنت في شك من هذا فارجع إلى النماذج السابقة التي تعرض لها الأستاذ صقر، ثم قف طويلاً عند هذا النموذج الذي لم يتعرض له بعد، لأننا نقدمه إليك على أنه (نكتة الموسم) تنتزع الضحك انتزاعاً من أفواه الثاكلين:

أفتح الصفحة السادسة والأربعين بعد المائة من كتاب (الإشارات الإلهية)، وأقرأ في نهايتها قول أبي حيان المفتري عليه (فقد جمدت العيون فما تدمع، وتكبرت القلوب فما تخشع، وكلبت البطون فما تشبع، وغلبت الشقوق فما تنزع. . . يا هذا، أننا نتنفس بهذه الكلمات كما يتنفس المملوق)

قال العالم الجليل السيد عبد الرحمن بدوي في شرح كلمة المملوق: (إما أن يكون من ملق (من باب نصر) فلاناً بالعصا: أي ضربه، ويكون المعنى هو: المضروب؛ وإما - وهذا هو الأرجح هنا - من قولهم فرس مملوق الذَّكَر: حديث عهد بالنزاء)!!!

صدقني إذا قلت لك عن عبد الرحمن بدوي إنني أشك في سلامة عقله. . أشك في سلامة عقله ولا يمكنني أن أشك في سلامة عقل أبي حيان، لأن أبا حيان ليس مجنوناً حتى يقول للناس إنه يتنفس بهذا الكلام كما يتنفس ذكر الفرس عقب لحظة من لحظات النزاء. . هل عند نجيب الريحاني نكتة تستطيع أن تقف على قدميها لتنافس نكتة الدكتور عبد الرحمن بدوي؟! لا أظن. . ولا أحسب أن في هذه الملمات شيئاً من المغالاة!

هل انتهيت؟ كلا. . فما زالت أمامي المقدمة التي كتبها الدكتور بدوي وضم فيها أبا حيان إلى زمرة الأدباء الموجودين! وحين ينتهي الأستاذ صقر من سلسلة مقالاته، سنبدأ نحن سلسلة مقالاتنا حيث نطالب بعدها بحرق هذا الكتاب، وما أكثر ما يملك الدكتور بدوي من كتب تستحق الحرق بالنار بعد الغسل بالبنزين!!

أنور المعداوي