مجلة الرسالة/العدد 922/المكتبة العربية في عصر الحروب الصليبية

مجلة الرسالة/العدد 922/المكتبة العربية في عصر الحروب الصليبية

مجلة الرسالة - العدد 922
المكتبة العربية في عصر الحروب الصليبية
ملاحظات: بتاريخ: 05 - 03 - 1951



للأستاذ أحمد أحمد بدوي

- 3 -

تلك هي العوامل التي نهضت بالثقافة في ذلك العصر، وأغنت المكتبة العربية غنى ساهم فيه علماء ممتازون لا تزال أسماؤهم حية إلى يومنا، ولا تزال كتبهم باقية تدرس:

ففي القراءات نجد أشهر ما بقي لنا من ذلك العصر منظومة الشاطبية لمؤلفها القاسم بن فيرة الشاطبي المتوفي سنة 591، وقد استقبل العلماء تلك المنظومة منذ إنشائها خير استقبال، وبالغ الناس في التغالي بها، وأخذ أقوالها مسلمة، واعتبار ألفاظها منطوقا ومفهوما، حتى خرجوا بذلك عن حد أن تكون لغير معصوم

وساهم في تفسير القرآن يومئذ عدد كبير من العلماء أنتجوا أكثر من ثلاثين تفسيرا اشترك في تأليفها الشاعر الأديب كالحسن ابن الزبير، والفقيه المشرع كالعز بن عبد السلام، والواعظ المؤرخ كسبط ابن الجوزي، والنحوي كعلي بن عبد الله الوهراني، والمتكلم كعلي بن أحمد التجيبي، والصوفي كابن العربي، والطبيب كابن اللبودي، والمقرئ كعلم الدين السخاوي

وفي دار الكتب من أثار هذه الحقبة جزء من تفسير ابن المنير. وكتابه الانتصاف من الكشاف؛ ولابن العربي بعض تفسيره وكتاب إيجاز البيان في الترجمة عن القرآن، وكتاب رد معاني الآيات المحكمات؛ كما بقى للعز بن عبد السلام تفسيره وفوائد له، وهي أسئلة وأجوبه تتعلق بالقرآن الكريم، وكتاب كشف الإشكالات عن بعض الآيات وهي أجوبه عن أسئلة مشكلة في آيات من القرآن الكريم، كما عثرنا على بعض تفسير ابن ظفر الصقلي الذي سماه ينبوع الحياة، وعلى منظومة السخاوي في بيان متشابهات الكتاب، ومنظومة الديربني في التفسير

وقد تنوعت كتب التفسير في هذا العصر بين موجزة، وبين مطولة قد تبلغ خمسين سفرا أو تزيد

ولم يقف نشاط العلماء عند تفسير القرآن مجتمعا، بل انصرفت طائفة إلى تنظيم الاستفادة من كتب التفسير التي وضعها سواهم فاختصروها أو أكملوها، ومنهم من فسر جزءا منه قد يكون آية أو سورة أو آيات متناثرات. ومنهم من أنصرف إلى ناحية خاصة في القرآن فدرس الناسخ والمنسوخ فيه، أو درس ما قد يتراءى من آيات مشكلة أو متشابة، أو تعرض لأسرار ما بدئت به بعض السور من الحروف، أو تحدث في أمثال القرآن، أو إعرابه، أو وصف خطه، أو ألف في علومه

وأشهر تفسير بقي لنا من ذلك العصر هو تفسير القرطبي الذي سماه: جامع أحكام القرآن، والمبين لما تضمن من السنة وآي الفرقان. وتقوم دار الكتب بطبعه وتقدر أنها ستتمه في نحو عشرين جزءا؛ وقد بدأ القرطبي موضحا الخطة التي أنتهجها في كتابه بقوله: (وبعد فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع، الذي أستقل بالسني والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري، وأستفرغ فيه منتي، بأن أكتب فيه تعليقا وجيزا يتضمن نكتا من التفسير واللغات والإعراب والقراءات، والرد على أهل الزيغ والضلالات وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات، جامعا بين معانيها، ومبينا ما أشكل منها، بأقاويل السلف ومن تبعهم من الخلف. . وأضربت عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين، إلا ما لابد منه ولا غناء عنه للتبيين، واعتضت من ذلك تبيين آي الأحكام بمسائل تسفر عن معناها وترشد الطالب إلى مقتضاها، فضمنت كل آية تتضمن حكما أو حكمين فما زاد مسائل نبين فيها ما تحتوي عليه من أسباب النزول والتفسير والغريب والحكم فإن لم تتضمن حكما ذكرت ما فيها من التفسير والتأويل وهكذا إلى آخر الكتاب.) ٍ

وأشتغل بدراسة الحديث رواية ودراية في ذلك العصر طائفة كبيرة عرفت منهم زهاء ثلاثمائة

ولما كانت أمهات كتب الحديث قد وضعت قبل ذلك العصر فإنها قد جعلت أساس دراسة الحديث يومئذ يقرؤها الأساتذة في دروسهم، ويحفظها المحدثون في صدورهم ويدور حوله المؤلفون. فرأينا طائفة من العلماء قد تصدت لشرح هذه الكتب أو اختصارها أو للجمع بينها أو إعرابها أو معرفة ما أتفق عليه مؤلفوها

وظهر في هذا العصر ولوع بأن يجمع العالم من مختاراته أربعين حديثا، فمنهم كن اختارها قدسية، ومنهم من اختارها في الأحكام، ومنهم من جمعها في فضائل القرآن، ومنهم من اختارها متعلقة بالطب، كما تنوعت اتجاهات رجال الحديث في ذلك الحين: فمنهم من جمع أحاديث ترتبط بموضوع معين كما جمع ضياء الدين المقدسي أحاديث الحرف والصوت، والنووي أحاديث الترغيب والترهيب، ومنهم من جمع الأحاديث التي ترتبط بالأحكام الشرعية ورتبها على أبواب الفقه كما فعل ابن دقيق العيد في كتابه: الإمام في أحاديث الأحكام، صنفه في عشرين جزءا، جمع فيه متون الأحاديث المتعلقة بالأحكام مجردة عن الأسانيد ثم شرحه، وجمع في هذا الشرح ما جعله مؤلفا حافلا لم يصنف مثله، ولكنه لم يكمله، ولو كملت نسخته لأغنت عن كل مصنف في هذا الباب.

أما علوم الحديث وتسمى مصطلح الحديث، وهي ما تبحث في أحوال السند، من حيث اتصاله وانقطاعه، وقوة رجاله أو ضعفهم، وفي نقد المتن من حيث صحته أو شذوذه أو تحريفه أو تصحيفه، فقد ظفرت في هذا العصر بكتاب عد مرجعا في هذا الشأن منذ تأليفه، وهو كتاب ابن الصلاح الذي بين أحكامه، وفصل أقسامه، وأوضح أصوله، وشرح فروعه وفصوله

ومن أشهر رجال الحديث المؤلفين فيه حينئذ ابن عساكر، والسلفي، وعبد الغني المقدسي، وابن الصلاح، وعبد العظيم المنذري، ومحي الدين النووي، والشرف الدمياطي

أما الفقه فكان المذهب المعمول به في مصر عندما شبت الحروب الصليبية مذهب الشيعة، فلما ولي صلاح الدين تظاهر الناس بمذهب مالك والشافعي، ولما كان نور الدين محمود حنفيا نشر مذهب أبي حنيفة ببلاد الشام، وقدم منهم عدة إلى مصر

وكان مذهب الشافعي له قصب السبق في مصر ويليه مذهب مالك وأبي حنيفة فأحمد بن حنبل. وكانت المكانة الأولى في الشام لمذهب أبي حنيفة ثم للشافعي، ويحتل مذهب ابن حنبل الرتبة الثالثة بينما يقل مذهب مالك في تلك الربوع

لا أستطيع أن أرسم صورة صحيحة للجهود العلمية التي بذلها علماء الشيعة، فكثير منها قد أندثر بانتهاء العهد الفاطمي لحرص الدولة الأيوبية على محو رسومهم وآثارهم؛ وفي مذهب الشافعي عني العلماء يومئذ بشرح كبريات كتب المذهب الوافدة عليهم، ككتابي التنبيه والمهذب لأبي إسحاق الشيرازي، وكتابي الوسيط والوجيز للغزالي، والمحرر للقزويني. وكان من أهم مختصراته كتاب منهاج الطالبين للنووي ولم يقف جهد العلماء عند حد شرح الكتب الوافدة واختصارها بل ساهموا بإنتاجهم الخاص المستقل، فوضعوا كتبا كثيرة كان من أهمها كتاب القواعد الكبرى لعز الدين بن عبد السلام، قال عنه صاحب كشف الظنون: وليس لأحد مثله، وله القواعد الصغرى أيضا، وساهم ابن أبي عصرون في الإنتاج مساهمة كبرى فوضع مآخذ النظر، وكتاب الذريعة في معرفة الشريعة، وكتاب الانتصار لمذهب الشافعي وهو كبير في أربع مجلدات، وكتاب المرشد في مجلدين، وهو أحكام مجردة بلفظ وجيز كانت الفتوى عليه في مصر قبل وصول الرافعي الكبير إليها، وكتاب التنبيه في معرفة الأحكام، كما وضع مجلى بن جميع كتاب الذخائر، وعبد الله الفهري كتابه المجموع، وابن شداد كتابه الموجز، وابو شامة المقدسي أرجوزة في الفقه وكتابا سماه المذهب، وموسى القشيري كتابه المغنى

وعني رجال أبي حنيفة يومئذ بكتب أربعة وفدت إليهم هي الجامع الكبير والجامع الصغير لمؤلفهما محمد بن الحسن الشيباني ومختصر القدوري وكتاب الهداية، فشرحوا بعضها ونظموا البعض الآخر. ولم يقف جهدهم عند دراسة هذه الكتب وخدمتها ولكنهم أضافوا ثروة جديدة إلى ثروة الأقدمين؛ ذكر ابن خلكان أن المعظم عيسى أمر الفقهاء أن يجردوا له مذهب أبي حنيفة دون صاحبيه فجردوه له في عشر مجلدات، وسموه التذكرة المعظمية نسبة إليه، وكان لا يفارقه سفرا ولا حضرا ويديم مطالعته. ووضع كثير من العلماء كتبا، فرأينا الغزنوي يضع كتابا عرف بالمقدمة الغزنوية، والعامري يؤلف كتابه المبسوط في نحو ثلاثين مجلدا، ولعل أكبر ما وضعه علماء هذا العصر كتاب المحيط للسرخسي في أربعين مجلدا، وللعلماء حديث طويل في صحة نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه

وفي مذهب مالك كان كتاب المدونة لعبد الرحمن بن القاسم المالكي المتوفي سنة 191 من أعظم ما عني به في عصر الحروب الصليبية، درسها العلماء وشرحوها وهذبوها، ومن أشهر من هذبها يومئذ البرادعي، وقد صار تهذيبه من أجل كتب المالكية فقام العلماء على شرحه حينا واختصاره حينا آخر

أما ما وضعه العلماء في فقه المالكية حينئذ فمن أهمه كتاب الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة؛ وقد عكفت عليه طائفة المالكية بمصر يدرسونه ويحفظونه. أما الكتاب الذي وضعه ابن الحاجب وعرف بالمختصر، فقد ظفر من العلماء بعناية خاصة وأصبح مرجعا لهم وشرحوه. كما وضع القرافي كتابيه الذخيرة والقواعد

وكان مختصر الخرقي لعمر بن حسين الدمشقي المتوفي سنة 334 مما يدرس في ذلك العصر، ويعنى به شرحه موفق الدين ابن قدامة المقدسي في كتاب سماه المغنى وهو من أهم كتب الحنابلة، كما ألف المقنع الذي شرحه ابن أخيه عبد الرحمن بن محمد في عشر مجلدات وألف العمدة واختصر الهداية

ولا عجب أن نرى هذه العناية بالفقه فقد كان مصدر التشريع يومئذ، وكان السلاطين أنفسهم يدرسونه لحاجتهم إليه في الفصل فيما يعرض عليهم من القضايا وهم جالسون بدار العدل مع القضاة

وفي أصول الفقه كان كتاب المحصول لفخر الدين الرازي أشهر ما يدرس في مصر والشام، اختصره العلماء أحيانا وشرحوه أحيانا أخرى، وجمعوا ما فيه من المعلومات وزادوا عليها ما نقصه منها

وقدمت البلاد في هذه المادة كتبا عدت من أصول كتبه ومن أهم مراجعه، ومن ذلك كتاب الإحكام للآمدي، واختصر ابن الحاجب هذا الكتاب في مصنف سماه منتهى السول والأمل، ثم عاد فاختصر المنتهى في كتاب عرف عند الأصوليين بمختصر ابن الحاجب، قال عنه صاحب كشف الظنون: هو مختصر غريب في صنعه، بديع في فنه؛ وظفر هذا المختصر بعناية العلماء حتى فاق في ذلك كتاب المحصول

وظفرت المكتبة العربية في مادة أصول التربية بمحصول ضخم، فقد عني في هذا العصر بعلم الكلام لتصحيح العقيدة الدينية والدفاع عنها، في وقت كان من أشد الأوقات اصطداما بالعقيدة المسيحية. وكثيرا ما كانت المناظرات تجري بين رجال من الصليبيين ورجال من المسلمين، ويروي ابن شداد في كتابه النوادر السلطانية (ص 80) بعض هذه المناظرات

ويضاف إلى هذا العامل ما كان بين الشيعة وأهل السنة من الخلاف في بعض العقائد، وما كان بين الأشاعرة والحنابلة من خلاف دفع كل فريق من هؤلاء إلى أن يدافع عن عقيدته

وكان الإنتاج في هذه المادة ممثلا لتلك الحركة وصدى لها، فرأينا كثيرا من العلماء قد تصدى للرد على النصارى والدفاع عن عقيدة الإسلام كالوزير القفطي، والقرافي الذي سمى كتابه: الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة، والديريني في كتابه: إرشاد الحيارى في روع من مارى

وفي عصر سيادة السلطان الشيعي رأينا طلائع به رزبك يؤلف كتاب الاعتماد، في الرد على أهل العناد، وعندما زالت دولة هذا المذهب رأينا العلماء يتصدون للرد عليه، فرأينا مثلا بهاء الدين الففطى يؤلف كتاب النصائح المفترضة في فضائح الرفضة، ولما ساد المذهب الأشعري تصدى العلماء لنصرته والدفاع عنه، فكتب ابن عساكر رسالة يرد فيها على من انتقص الأشعري، وأخذ الأشاعرة يردون على من خالفهم من المعطلة والحنابلة، وحاول بعض العلماء التوفيق بين المذهبين كما فعل ذلك عبد الغني النابلسي في كتابه التوفيق الجلي بين الأشعري والحنبلي

وضع علماء ذلك العصر كتبا تتناول مسائل علم الكلام من إلهيات ونبويات وسمعيات، وعرفت من هذه الكتب زهاء عشرين، منها ما وضعه ابن دقيق العيد، والعز بن عبد السلام.

وأكثروا من كتابة عقائدهم التي يدينون الله بها، ونستطيع أن نرى نموذجا لما كتب من هذه العقائد في عقيدة العز بن عبد السلام، وهي برمتها في كتاب طبقات الشافعية للسبكي (ج 5 ص 85)

وعالج بعض العلماء كثيرا من المسائل الجزئية التي كانت موضع جدل في ذلك العصر، مثل مسألة القضاء والقدر، وقد نالت رجال هذا العهد حظا موفورا، ومسألة الثواب والعقاب وهي ترتبط بالمسألة السالفة ارتباطا وثيقا، كما أثار الحنابلة موضوع صفات الله، ومعنى ثبوتها له، والقرآن وقدمه وحدوثه، فرأينا كتبا تتناول هذه المسائل بالبحث والتفصيل

ومن أشهر متكلمي هذا العهد شهاب الدين الطوسي، وسيف الدين الآمدي، وعلاء الدين الباجي

للكلام صلة

أحمد أحمد بدوي