مجلة الرسالة/العدد 923/البريد الأدبي

مجلة الرسالة/العدد 923/البريد الأدبي

ملاحظات: بتاريخ: 12 - 03 - 1951



رحلة معالي وزير المعارف إلى الدقهلية

حركة بعد سكون، ونشاط بعد خمود، وإشراق بعد عبوس، وبشر بعد قطوب؛ وجود بعد بخل، وسخاء بعد شح، وبذل بعد ضن؛ تلك هي حال إقليم الدقهلية وحاضرته (المنصورة) في الأسابيع الماضية، لما استفاضت الأنباء بأن الدكتور طه حسين باشا سيزور هذا الإقليم ليبث فيه العلم وينشر منه العرفان. ولقد كنت ترى الناس جميعا في القرى والمدن لا يجري على ألسنتهم غير اسم طه حسين، ولا يتحدثون إلا عن علم طه حسين، ولا يشيدون إلا بفضل طه حسين

ولم يكن هذا الانقلاب الذي شمل الحياة والناس في هذه الأيام الطيبة، لأن وزير المعارف سيزورهم، أو لأنه سيأتيهم ليفتتح معاهد للعلم في بلادهم! فهذا شيء قد ألفوه من قبل كثيرا وأصبحوا لا يهتمون به، ولا يلتفتون إليه. وكم من وزير قد زارهم وأحيطت زيارته بضجيج المظاهرات، وعجيج الهتافات؛ مما لا يهز إلا الهواء ولا يخط إلا على الماء، ولا يبقي له أثر في الأرض ولا في السماء

ولكن هذا الانقلاب قد كان لأن الذي سيزورهم، ويشرف بلادهم هو الدكتور طه حسين، ذلك الرجل العجيب في علمه وإرادته، وفي عزمه وفي ثورته، والذي إذا أردت أن تجمل وصفه قلت صادقا - بفراء تخشى معارضا - إنه قوة متحركة جبارة، لا تني ولا تضعف ولا تخشى في العلم أحدا

جاء ديارهم - لا ليفتتح - كغيره - مدارس للعلم وهو لا يدري شيئا فيها ولا هم له إلا أن يمر عليها أو يشاهد مظاهرها ثم ينقلب مسرعاً من حيث أتى! لا يذر وراءه أثرا، ولا يترك بعده ذكرا - وإنما جاءهم يمثل عصا موسى ففجر الخزائن المصونة، واستخرج الأموال المدفونة، وألان القلوب القاسية، وعصر النفوس العاتية، ليشيد الآثار الخالدة من المعاهد العلمية والكليات الجامعية، وينفخ فيها من روحه لكي تبقى على وجه الدهر، وتؤتى ثمرها في كل عصر. ومعاهد العلم كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها. وهل أبقى على وجه الأرض من أماكن العلم وأثبت من صروح العرفان؟ ومن كان يظن أن رحلة صغيرة مثل هذه الرحلة تؤتي مثل هذه الثمرة المباركة؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يجمع في يوم واحد من مثل بلادنا المصروفة عن المكارم المغلولة اليد عن الخير - مئتي ألف من الجنيهات ليبني بها معاهد للعلم - وليس في يده قوة مادية ولا سلطة إدارية! حقا إن هذا لعجيب. ولكنه طه حسين وقوته الجبارة!

ولو أنت شهدت إقليم الدقهلية وحاضرته في اليوم الثاني من شهر مارس سنة 1951 أبهرك ما ترى، ولأدهشك ما تسمع؛ فقد أخذت الأرض زخرفها وازينت وانبعث الناس جميعا كأنهم في عيد محتشدين على جوانب الطرق التي اتخذها طه حسين لمروره في بلادهم من جنوب الإقليم إلى شماله، لم تدفعهم رجة ولا ساقتهم قوة - كما جرت العادة في مثل هذه الزيارة - ولكن دفعتهم الرغبة المشبوبة بين جوانحهم ليرحبوا به أجمل الترحيب، وليؤدوا ما يجب له من مظاهر التكريم، وليسعدوا برؤية موكب وزيرهم الذي ملأ البلاد علمه، وعم الأكوان فضله، وكأن هذا اليوم هو الذي عناه الصاحب بن عباد بقوله:

قدم (الوزير) مقدما في سبقه ... وكأنما الدنيا سعت في طرقه

وما ظنك بما تكن القلوب المخلصة وتظهر الجوارح الصادقة لرجل لا ينفك بعمل للعلم، ويسعى في نشر العلم، ولا يفتأ برجل في سبيل العلم حتى صدق فيه قول المتنبي:

كل يوم لك ارتحال جديد ... ومسير للمجد فيه مقام

وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام

وإن هذا اليوم المبارك الذي ازدهت الدقهلية به، ولم تشهد مثله على مد التاريخ كله، له ما بعده، وما بعده إلا العلم ينبعث ضوءه الباهر لينير هذا الإقليم، ثم يرسل أشعته إلى من حوله ومن يؤمه من سائر الأقاليم

وإن التاريخ ليسجل هذا اليوم على صفحاته ويجعله من الأيام التي تفاخر الأجيال بمثله، وتتحدث القرون بفضله

فهنيئا لإقليم الدقهلية بما فر من مجد وبما نال من فخر، وأهلا ومرحبا بالزائر الكريم في الحل والترحال، وحقق الله على يديه كل ما نصبو إليه من آمال

المنصورة

محمود أبو ريه بين شيبوب ومطران

يبدو أن ما كتبته في (الرسالة) عن تفضيل شعر خليل مطران، قد أثار مرارة في بعض النفوس مظهرها هذه الرسائل الصاخبة التي ألقى إلى بها البريد، وهذه الرسائل الشفوية العاتبة صبتها في أذني المسرة صبا

وأحب أن ألقي هؤلاء العاتبين الصاخبين بقول أكثم بن صيفي (إن قول الحق لم يع لي صديقا) ليفهموا أني رجل أحمل رأسي على كفي، وليفهموا أيضا أن المجاملات الفارغة هي التي أضاعت تراثنا الأدبي، فنبه الخامل وخمل النبيه، وانحط الرفيع، وارتفع الوضيع

وكذلك شاء القدر الساخر أن يجعل الناشرون والمسيطرون على دور الصحف من خليل مطران (ثالثا) لشوقي وحافظ، وهو لم يلحق بغبارهما، بل إنهم لم يكونوا ينشرون قصائد شوقي وحافظ في صحفهم إلا من خلال نشرهم لقصائد مطران! وكذلك خمل ذكر أحمد محرم ومحمود الكاشف وهما من القدر والمكانة عند أهل الأدب الصحيح في المنزلة العليا والمكان الرفيع!

وبعد، فإننا رجعنا إلى مقال (الرسالة) في خليل شيبوب فلم نعثر على أننا أتينا أمرا؛ وكل ما سجلناه هو الحقيقة الواضحة التي ى تخفي على ذي عينين، وإن كانت تخفي على ذوي الوجهين وذوي اللسانين! فأن كان أحد من العاتبين الصاخبين يرى غير هذا الرأي، فدونه فليعاود قراءة المقال، ثم ليقرع الحجة بالحجة إن استطاع إلى ذلك سبيلا. وما هو بمستطيع إن شاء الله

أما الصحب والخلصاء الذين حسبوا أني قصدت إليهم بتجريح أو نكاية، فحسبي أن يعرفوا أني أدين بدين الصراحة. وإن وقع في أذهانهم أن اتجاها بعينه هو الذي حملني على أن أقول ما قلت، فما أراهم عرفوني ولا أدركوا شيئا مما رضنا به النفس في متاهات الحياة!

منصور جاب الله

رسائل بين مصر وملوك المغرب

كتب ملك مصر السلطان صلاح الدين الأيوبي إلى المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن سنة 585 هجرية أحد ملوك المغرب يستحثه على الجهاد.

(فتح الله بحضرة سيدنا أمير المؤمنين وسيد العالمين وقسيم الدنيا والدين، أبواب الميامين وأسباب المحاسن، فقد كان من أوائل عزمنا، وفواتح رأينا، منذ ورودنا الديار المصرية مفاتحة دولة سيدنا، وأن نتيمن بمكاتبتها، ونتزين بمخاطبتها. . لكي نمسك طرفا من حبل الجهاد يكون بيد حضرة سيدنا العالية طرفه، فنتجاذب أعداء الله من الجانبين، لا سيما بعد أن نبنا عنه نيابتين، الأولى في تطهير الأرض العربية واليمنية، والثانية في تطهير بيت المقدس، ممن كان يعارض برجسه تقديسه، ويزعج ببناء ضلاله تأسيسه، وما كان إلا جنة إسلام فخرج منها المسلون خروج أبيهم آدم من الجنة. فوفقنا الله وما كانت لنا بذلك قوة بل لله القوة، ولا لنا على الخلق منة بل لله المنة)

وتحدث عن معركة ثغر عكا مع الإفرنج فقال: (ونزلنا عليهم وعليه فضرب معنا مصاف قللت فيه فرسانه وجندلت شجعانه). .

وذكر عودة الإفرنج في منسلخ الشتاء ومستهل الصيف، بقوله (فلا يؤمن على نفوذ المسلمين أن يتطرف العدو إليهم وإليها ويفرغ لهم ويتسلط عليها)

(وإذا قسمت القوة أضر بالإسلام انقسامها، وثلمه والعياذ بالله انثلامها)

وطلب إليه أن يبعث بأسطول المغرب ليحاصر صقلية ويصف سفيره بقوله: (أوفدنا إلى باب حضرة سيدنا وهو الداعي المسمع والمبلغ المقنع، علمناه أمرا يسرا، وبوأناه الصدر فكان وجها، وأودعناه الأسر فكان صدرا

ويقول صاحب صبح الأعشى إن رسول صلاح الدين كان اسمه ابن منقذ ولا بد أنه وضع كتابا عن رحلته. فدليل نقله عنه أنه زار بستانا بجوار فاس يقال له البحيرة علم أن إيراده بلغ كل سنة خمسة وأربعين ألف دينار، وبه بركة ماء مربعة قاس كل ضلع منها فإذا به مائتان وستة عشر ذراعا وبها ما هو أكبر من ذلك

أحمد رمزي

تصويت لغوي

قرأت في العدد 917 من مجلة الرسالة الزاهرة كلمة عن طول العمر وقصره في البريد الأدبي للدكتور حامد الغوابي وجاء في ثنايا كلمته (أرأيت إلى من يدهسه ترام) ولم يسمع عند العرب استعمال دهس بهذا المعنى فالصواب أن يقال (داسه) مستعاراً من الدوس بالأقدام ولعل دهسه محرف من دعسه أي وطئه شديدا

بغداد

عبد الخالق عبد الرحمن