مجلة الرسالة/العدد 923/القصص

لعناوين أخرى، أنظر مقهى سورات

مجلة الرسالة/العدد 923/القصص

ملاحظات: بتاريخ: 12 - 03 - 1951



مقهى سوراط

قصة عن ليوتو لستوي

للأستاذ رمزي مزييغت

كان في مدينة سوراط في الهند مقهى يؤمه خليط من مختلف الأجناس والأديان، وفي ذات يوم وفد إلى المقهى رجل مهيب الطلعة وفي صحبته عبد أسود يقوم على خدمته، وكان هذا الرجل عالما روحانيا من بلاد فارس قضى جل عمره في قراءة كتب اللاهوت ودراستها والبحث عن ذات الله وسر وجوده. وكانت نتيجة بحثه أن اختلطت عليه الأمور وأنكر وجود إله يدير هذا الكون على الإطلاق. ولما علم الشاه بأمره نفاه من البلاد، فراح يرتحل من بلد إلى بلد حتى انتهى به المطاف إلى هذا المقهى في مدينة سوراط

طلب العالم لنفسه كوبا من شراب الأفيون بينما جلس العبد على حجر خارج الباب يذب عن أنفه الذباب ولما استقر الأفيون في جوف العلم وسري في عروقه مفعوله، التفت إلى عبده وسأله:

- قل لي أيها العبد التعس، هل تؤمن بوجود الله؟ فقال العبد - نعم أومن. ثم مد يده إلى حزامه وأخرج من تحته تمثالا صغيراً من الخشب - وقال هذا هو الإله الذي حرسني منذ ولدت. ونحن جميعاً في بلادنا نعبد الشجرة التي نصنع منها هذا الإله. وكان في المقهى خليط من مختلف الأجناس والأديان فأدهشهم سؤال العلم وجواب العبد، ثم انبرى لهما رجل من أتباع براهما وقال مخاطبا العبد - يالك من تعس أحمق. . كيف تعتقد أن رجلا مثلك يمكنه أن يحمل الله تحت حزامه؟ ليس هناك إلا إله واحد هو براهما خالق هذا الكون. إن براهما هو الإله الأعظم الذي من أجله أقيمت الكهنة الورعون. ولقد مضى على ظهور براهما عشرون ألف سنة جرت خلالها ثورات وثورات ومع ذلك فان شيئا لم يستطع أن يعصف بأولئك الكهنة لأن براهما - الإله الواحد الحق - كان يحميهم طوال هذه السنين

وما انتهى البرهمي من حديثه حتى رد عليه صيرفي يهودي قائلا - ما هذا الذي تقوله؟ إن معبد الإله الحق ليس في الهند وليس الإله الحق بإله الهنود. وإنما إله إبراهيم وإسح ويعقوب. . . وهو لا يحمي إلا بني إسرائيل شعبه المختار. . وإذا كنت ترانا اليوم مشردين في أنحاء الأرض فما ذلك إلا لتجربتنا وامتحان إيماننا. . ولقد وعدنا الله أن يجمع شملنا في القدس مرة أخرى، ومنها سوف نبسط سلطاننا على العالم بأسره. قال اليهودي هذا وانفجر باكيا يريد الاسترسال في حديثه فقاطعه مبشر إيطالي كان حاضراً - إن ما تقوله غير صحيح. . وأنت إنما تنسب الظلم إلى الله بدعواك هذه. فالله لا يفضل شعبا على شعب وإنما يدعو الذين يبتغون الخلاص أن ينتموا إلى كنيسة روما الكاثوليكية إذ أنه لا خلاص لمن لا ينتمي إليها. وكان من جملة القوم قسيس بروتستانتي فساءه قول المبشر وقال له بصوت مرتجف - إن ما تقوله خطأ محض، فليس الخلاص مقصورا على اتباع كنيستكم، بل هو من نصيب كل من يخدم الله حسب تعاليم الإنجيل. هكذا قال السيد المسيح

وكان من بين الحاضرين تركي من موظفي الجمرك فنظر إلى هذين المسيحيين شزرا وقال بترفع - إن إيمانكم بالديانة المسيحية أصبح باطلاً منذ أن حل محلها الدين الإسلامي الحنيف. إن هذا الدين هو دين الله الحق وليس أدل على صحته من تلك السرعة الهائلة التي انتشر بها في ربوع أفريقيا وأوربا وحتى في بلاد الصين المستنيرة إنه لا خلاص إلا لأتباع محمد آخر المرسلين

وأثار قول هذا التركي ضجة بين الحاضرين فاشتبكوا في جدال حامي الوطيس. ولم يبق أحد لم يشترك في الجدال غلا رجل واحد صيني من تلاميذ كونفوشيوس كان قابعا في ركن من أركان المقهى يشرب الشاي ويصغي إلى ما يقوله المتخاصمون. ووقعت عينا التركي عليه صدفة فاستنجد به قائلا - أراك ساكتا لا تتكلم، ولكني أعتقد أنك في قراراتك توافقني على رأي. فأنتم معشر الصينيين على الرغم من كثرة الأديان في بلادكم ترون أن الديانة الإسلامية هي أفضل الأديان وتعتنقونها عن طيب خاطر. فهلا أنجدتني أبت لنا عن رأيك في الله وفي رسوله؟ فهتف الجميع قائلين - نعم، نعم، أسمعنا عن رأيك في الموضوع. . فأغمض تلميذ كونفوشيوس عينيه وفكر قليلا ثم فتحهما وطوى يديه على صدره وقال بصوت هادئ رزين:

(يبدو لي أيها السادة أن التعصب أو العصبية وحدها هي التي تحول دون اتفاق الناس في أمور الدين. سأروي لكم قصة توضح ما أعنيه) لقد قدمت هذه البلاد على ظهر باخرة إنكليزية ومررنا بطريقنا على مختلف البلدان. ولما وصلنا إلى جزيرة سومطرة نفذ منا الماء فنزلنا إلى الشاطئ لنتزود بحاجتنا منه. وكان الوقت ظهراً فجلسنا تحت ظل أشجار جوز الهند على مقربة من إحدى القرى. وكنا خليطا من مختلف الأجناس. . ولم نلبث قليلا حتى اقترب منا رجل أعمى علمناه فيما بعد أنه فقد بصره لكثرة ما كان ينظر إلى الشمس لمعرفة كنهها وكيفية انبثاق النور منها. فكانت نتيجة بحثه فقدان بصره وعقله في آن واحد. وجلس الأعمى إلى جوارنا وأخذ يحدث نفسه بصوت مرتفع - أن نور الشمس لا يمكن أن يكون سائلا وإلا كان من الممكن صبه من وعاء إلى آخر. وهو لا يمكن أن يكون نارا وإلا أطفئه الماء. ولا يمكن أن يكون الضوء روحاً لأنه يرى بالعين. كذلك فهو ليس مادة لأن مادة يمكن تحريكها. وما دام ضوء الشمس ليس سائلا ولا نارا ولا روحا ولا مادة أذن (لا شيء). وكان في رفقة الأعمى خادم، وكان منصرفا عن حديث سيده إلى عمل المصباح من جوزة الهند، ففتل فتيلا من قشرتها وعصر الزيت من اللب وصبه في القشرة وأدلى الفتيل فيها. وألتفت أليه الأعمى بعد قليل وقال - قل لي أيها العبد، ألم أكن محقا حين قلت لك أنه لا وجود للشمس؟ إلا ترى هذا الظلام يلف العالم بردائه؟ ومع ذلك فأن الناس يزعمون أن الشمس موجودة. . فإذا كانت موجودة فعلا فما هي وما كنهها؟ فرد عليه الخادم بقوله - أنا لا أعرف ما هي الشمس ولا يهمني أن أعرف، فليس هذا من شأني. ولكنني اعرف ما هو النور وها أنا قد صنعت مصباحا أستطيع على ضوئه أن أقضي لك حاجاتك عندما يحل الظلام. قال هذا ثم رفع المصباح بيده وقال - هذه هي شمسي. وكان إلى جوارنا رجل أعرج فلما سمع ما دار بين الأعمى وخادمه أنفجر ضاحكا وقال مخاطبا الضرير: يبدو لي أنك ولدت أعمى وإلا عرفت ما هي الشمس. أن الشمس يا صاحبي كرة من النار ترتفع كل صباح من البحر ثم تعود فتتوارى بين جبال جزيرتنا كل مساء. أن كل سكان الجزيرة يعرفون ذلك ولو كنت مبصرا لأمكنك التحقق بنفسك من صدق الخبر

وما انتهى الأعرج من كلامه حتى انبرى صياد سمك قائلا - يظهر لي أنك لم تغادر جزيرتك هذه قط. فلو أنك لم تكن أعرج وطفت البحار مثلي في قارب للصيد لعرفت أن الشمس لا تغرب بين جبال جزيرتنا أبدا، ولأدركت أنها كما تشرق من البحر كل صباح فهي تغرب فيه كل مساء. ولك أن تصدق ما أقول لأني أرى ذلك بعيني كل يوم

وكان بيننا هندي من عبدة الشمس فقاطعه قائلا - يدهشني أن أسمع شخصا عاقلا مثلك يهذي بهذا الكلام. كيف يجوز أن تغطس كرة من النار في الماء دون أن تنطفئ. أن الشمس ليست كرة من النار قطعا وإنما هي الإله المعروف باسم (ديفا) الذي يركب عربته ويدور بها باستمرار حول جبل فيدو الذهبي ويحدث في بعض الأحيان أن تهجم عليه الحيتان اللعينتان (راجو) و (كيتو) وتبتلعانه فيسود الأرض الظلام. فينصرف الكهنة إلى الصلاة لخلاص الإله يلبث أن تقذفه الحيتان ويبدد ضوء الظلام من جديد. أن الأغبياء الجهلة من أمثالك الذين لم يبرحوا جزيرتهم قط، هم الذين يعتقون أن الشمس لا تضيء إلا بلادهم وحدها فقط. وهنا انبرى للهندي ربان سفينة مصري كان معنا وقال له أنك مخطئ أيضا. إن الشمس ليست إلها ولا هي تدور حول الهند وجبلها الذهبي فقط. لقد طفت أنا في مختلف البحار ومررت بجميع البلاد وكنت أرى الشمس في كل مكان. فهي لا تدور حول جبل معين ولكنها تشرق من أقصى الشرق وراء جزر اليابان وتغرب من أقصى الغرب وراء الجزر البريطانية. وكان المصري يرغب في مواصلة حديثه لولا أن قاطعه بحار إنجليزي من سفينتنا بقوله - ما من بلد تعرف عن الشمس وحركتها اليومية أكثر من بلاد الإنجليز. فنحن معشر الإنجليز نعرف أن الشمس لا تشرق من أي مكان وإنما هي تدور حول الأرض باستمرار. وكل من معي في هذه السفينة يمكنه أن يؤكد لكم هذه الحقيقة. فلقد طفنا بجميع أطراف العالم ومع ذلك لم نصطدم يوما بالشمس في أي مكان. بل كنا أنى اتجهنا نجدها تشرق في الصباح وتغرب في المساء كما هو شأنها هنا في هذه الجزيرة. قال البحار هذا وألتقط عصا وأخذ يرسم على الرمل أشكالا يشرح بها حركة الشمس في قبة السماء ولكنه لم يستطع أن يوفي الشرح حقه فألتفت إلى ربان السفينة الإنجليزي وقال - إن هذا السيد يعرف عن الشمس أكثر مني وهو يشرح لكم أمرها. وكان الربان طيلة الوقت ساكناً يصغي إلى ما يقال فلما طلب إليه البحار أن يتكلم واتجهت إليه الأنظار تنحنح وقال - الواقع أنكم تضللون بعضكم بعض وجميعكم مخطئون. إن الشمس لا تدور حول الأرض وإنما الأرض هي التي تدور حول الشمس وهي تدور في الوقت نفسه حول نفسها مرة كل يوم وبذلك يتعرض كل بلد على سطحها لضوء الشمس على التعاقب. فمخطئ من يقول أن الشمس لا تضيء إلا جبلا واحدا أو جزيرة واحدة أو بحرا واحدا. فهي في الواقع تضيء كل الكواكب ومن جملتها الأرض التي نعيش عليها. ولو أنكم نظرتم إلى السماء متأملين لاتضحت لكم حقيقة الأمر ولما عدتم إلى القول بأن الشمس تضيء لكم وحدكم أو لبلدكم دون غيرها. . وتوقف تلميذ كونفوشيوس قليلا عن الكلام ثم استطرد - وكذلك أيها السادة في أمور الدين، فإن الكبرياء أو التعصب وحده هو سبب هذه الخلافات بين الناس، والذي ينطبق على الشمس ينطبق على الله. . فكل واحد يريد إلها خاصا به أو إلها خاصا ببلده على الأقل. . وكل أمة تريد أن تحصر في معابدها الخاصة ذلك إلاله الذي لا يتسع له الكون بأسره. . هل هناك من معبد يضاهي ذلك المعبد الذي صنعه الله ليجعل الناس فيه على دين واحد لا غير. .؟ إن جميع معابد البشر قد بنيت على نمط معبد الله الأكبر، ولكل منها حوض وقبة ومصابيح وصور وتماثيل ومخطوطات وأنظمة ومذابح وكهنة. . ولكن أي حوض من هذه الأحواض يضاهي حوض الأوقيانوس؟ وأي قبة تضاهي قبة السماء، وأين هذه المصابيح من الشمس والقمر والكواكب. . وأين تلك التماثيل الجامدة من بني البشر الأحياء الذين تربط بينهم المحبة والتعاون. وأين قوانين البشر من قوانين الله، وأية تضحية أعظم من تضحية بني البشر المحبين بعضهم لبعض، وأي مذبح أعظم من قلب الرجل الطيب المؤمن؟ أن المرء كلما تعمق في فهم الله أزداد به علما، وكلما أزداد علما به أزداد منه قربا وبات مثله حنونا طيبا ومحبا لأخيه الإنسان. . فليكف إذن من يرى ضوء الشمس يغمر الكون بأسره عن لوم ذلك الأحمق الذي قعد به خموله عن أن يرى سوى شعاع واحد من ذلك الضوء الباهر. وليكف أيضا عن احتقار الكافر الذي فقد بصره ولم يعد يرى الشمس المنيرة.

بهذا خاطب الصيني تلميذ كونفوشيوس - رواد المقهى - فسكت الجميع وأفحموا، وكف كل منهم عن الادعاء بأن دينه أفضل الأديان.

رمزي مزيغيت