مجلة الرسالة/العدد 933/البند في الأدب العراقي

مجلة الرسالة/العدد 933/البند في الأدب العراقي

ملاحظات: بتاريخ: 21 - 05 - 1951



للأستاذ محمود العبطة

طلعت (الرسالة) الزاهرة في عددها (رقم: 924) بمقالة الأديب الصديق الأستاذ عبد اللطيف الشهابي عن الشاعر العراقي (ابن خلفة الحلي) وقد أستطرد الأستاذ الشهابي في ذكر حياة ابن الحلفة، وأدبه وشعره حتى وصل إلى ذكر (بنده) المشهور، وهنا قال (وأول من أخترع هذا النوع هم أهالي (الحويزة) وهو منوال غريب قد يخرج على أو زان الشعر وقد وقد يخالفها.) وقد رأيت في هذا بعض الشطط، فجئت في مقالي هذا لتصحيح أخطائها وإبانة حقيقتها. . . فما هو البند، ومن أخترعه، ومن برع وأجاد فيه؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة يحسن بنا الإشارة إلى خصائص وميزات الشعر العربي عموماً، والشعر العراقي منه على وجه الخصوص، لأن (البند) نوع من الشعر العربي، وإن امتاز بميزات وأتصف بصفات لا يشبهها الشعر العربي على وجه العموم، ثم إن هذا النوع من الشعر لم ينشأ إلا في العراق ولم يبرع فيه العراقيون. . . عرف نقاد الأدب من العرب الشعر بأنه (الكلام الموزون المقفى) وهذا التعريف البسيط يميز الشعر عن النثر، وهو تعريف شكلي، لأنه لم يذكر الميزات الرئيسية التي تخالف الشعر عن النثر، وهي مميزات الموسيقى والنغم وسحر العبارة، وهي بالإضافة إلى اتقاد الشعور وشبوب المخيلة. وقد استمسك الشعراء العرب بهذا التعريف، فنسجوا على منوال الشعراء القدماء بالأخذ بالوزن الواحد والقافية الواحدة على طريقة العمود الشعري، ولكن هذا الاستمساك، وهذا النسج، يحولان دون بلوغ الغاية والوصول إلى هدف، من حيث تصوير لواعج القلب، وخطرات الروح، لأنه يجعل قصارى الشاعر النظم على وزن واحد وقافية واحدة، دون تصوير شعوره الذي هو الهدف الأسمى من نظم الشعر، ثم لا ننسى التحشيات والجوازات والضرورات، التي تفسد الشعر، والتي جعلها الشاعر العربي وسيلة للتغلب على الوزن الواحد والقافية الواحدة، هذا بالرغم من مرونة الشعر العربي، واتساع محوره، وغزارة مفرداته وغنى ألفاظه، وبالرغم أيضاً من وجود (المجزومات) التي هي اختصار البحور الشعرية، ووجود (الأبحر الممتزجة) التي تتركب من الأجراء الخماسية والسباعية ومنها (بحر الطويل) و (بحر البسيط) كل هذه العوامل والأسباب من جهتها الموجبة والسالبة دفعت الموهوبين من شعراء (الأندلس) إلى اختراع (الموشحات) التي انتشرت من (الأندلس) في الخانقين، والتي أصبحت وسيلة جديدة للتعبير الشعري، ولكنه التعبير الحر المنطلق الذي لا يتقيد بوزن واحد ولا قافية واحدة، وإن اتصف بالوزن والقافية أيضاً! والذي فعله الأندلسيون قديماً فعله العراقيون في القرون المتأخرة، فأخذوا (البند) عن الشعر الفارسي وجعلوه وسيلة طريفة وطريقة جديدة للتعبير الشعري. والذي دفع الشعراء العراقيين إلى هذا الصنيع، فسبقوا إخوانهم في الأقطار العربية الأخرى، هو مجاورتهم لفارس ثم دراستهم لعيون الأدب الفارسي وروائعه الشعرية، إذ نبغ كثير من الشعراء العراقيين بنظم الشعر الفارسي إضافة إلى نبوغهم بنظمه بلغتهم القومية. ولا ننس في هذا المجال ميزة أخرى لا تقل أهمية عما ذكرنا، وهي ميزة الغناء، إذ (البند) يغني في مجالس الأنس والطرب، وصفة الغناء هذه كما دفعت العراقيين إلى اقتباس البند من الفرس؛ ودفعت الأندلسيين إلى اختراع (الموشحات) والغناء هو السبب الأول في اختراع (الكان ما كان) و (القوما) و (الزجل) الخ. . . وهذه كلها أفانين رائعة في الشعر العربي الشعبي فما هو البند إذاً في اللغة والشعر؟

جاء في (القاموس) البند: العلم الكبير وقال (الجوهري) (البند العلم الكبير فارسي معرب) وقال الشاعر القديم

(وأسيافنا تحت البنود الصواعق)

وقال الشاعر العراقي المرحوم جميل صدقي الزهاوي (إن كلمة البند فارسية الأصل وهي بمعنى العقد والربط) وذكر الزهاوي أيضاً (والبند الحلقة الوسطى بين النظم والنثر وهو مستعمل عند الفرس والترك) وجاء في كتاب (الملحق بالمعاجم العربية) لدوزى (البند مشتق من بنود الرمح وهي ألاعيب تكون بواسطة الرمح ومنها البنود الفكرية وتكون ملاعب بالبدع والفكر.) وجاء في المعجم الفارسي اللاتيني (فوليرز) (البند مشتق من (بتستند) ويراد به الرباط وكل ما يوصل به، ويطلق مجازاً على الخيال والفكر والملاحظة والتوقع.) وقال اللغوي الأب الكرملي (ومن معاني (البند) الحيلة والفن والتوصل إلى شيء باحتيال.) ومن معانيه أيضاً (البيت ينظم بعدة أبيات ويعاد وله قافية تختلف عن قوافي سائر البيوت وله رديف يسمى (بند ترجيع) و (تركيب) كما جاء في (البرهان القاطع).

وجاء عن (الليث) (فلان كثير البنود كثير الحيل) وجاء في كتاب (حاشية التحفة) للشيخ عمر البصري أن البند (يطلق على المحابس التي تجعل بين حبات السبحة ليعلم بها على المحل الذي يقف عنده المسبح.) وقال القاضي الأديب محمد الهاشمي البغدادي (البند ضرب من الكلام المسجع الموزون أشبه بما نسميه في هذه الأيام بالشعر النثري، وبعض أساجيعه آتية على وزن بحر (الهزج).

يتلخص لنا منكل هذه التعاريف التي أوردها أهل اللغة والأدب من عرب ومستشرقين، ومن قدماء ومعاصرين أن لفظة (البند) فارسية معربة وأن معانيها العلم والعقد والربط ونوع من الألاعيب، وحيل الفكر. . وكل هذه المعاني المختلفة المنطبقة على هذه اللفظة لا تهمنا في هذا الموضوع، ولكن الذي يهمنا معنى الكلمة وهو هذا النوع الطريف من الشعر العربي، المأخوذ من الشعر الفارسي، والذي يأتي (كله) على بحر الهزج، وهو:

مفاعيلن مفاعيلنمفاعيلن مفاعيلن

ولا يأتي بعضه فحسب، على ما يقول الأستاذ الهاشمي، ولكن ضرب البيت الثاني منه يأتي مطرداً. . . وهنا بعد أن ذكرنا لك هذه النبذة عن منشأ البند وسبب وجوده وانفراد العراقيين، به لابد وأن نذكر لك نموذجا لتتذوق هذا النوع الشعري الطريف، وهذا النموذج هو وصف حصان عربي أصيل لحد شعراء (الحلة) المجهولين، قال:

أيا مرتقياً سرج جواد ... من جياد الخيل جماح

رباعيا من الصخر في ... غرته النجم إذا لاح

طويل العنق والساق ... سريع الخطو سباق

قصير الأذن والظهر ... وسيع العين والجهة والصدر

فلا الريح يباريه إذا غار ... ولا السهم يجاريه إذا سار

ولا الطير يحاذيه، وإن طار

ولا يسبق إن مر ... ولا يلحق إن فر

ولا يصعبه الحر ... ولا يتعبه السكر

والشاعر يمضي في بنده هذا واصفاً حصانه هذا الوصف الفني البليغ، حتى يصل (بغداد) من (الحلة)، فيمدح واليها سعيد باشا وكانت ولايته في بغداد سنة 1228 هجرية وهو كما مدح الوالي فقد مدح أدباء بغداد كالألوسي الكبير والأخرس والعمري. . . والبند العراقي، قد نبغ في نظمه شعراء كبار كثر أشهرهم - عدا ابن الخلفة - عبد الغفار الأخرس وحسين العشاري ومحمد سعيد الحلي واحمد الجصاني وعباس العبدلي ومير علي أبو طبيخ؛ وللأخير بند بديع فيه (طائرة) حمات بعض أقاربه إلي (لبنان)، وصفها خيالياً وهو في بلدته (النجف) قعيد السقم والمرض، ولعله في حياته لم يركب الطيارة، كشاعرنا الذي وصف الحصان بعد أن قطع به طريقه، بل ولعله لم يرقى في حياته الطيارة أيضاً! قال

أيها الراكب في طائرة تحتفل السفر ... وتطوى سبل الجو فما قادمة الصقر

بخفاق جناح ذات تصويب وتصعيد ... وألحان وتغريد

كأن البرق في حيز ومها حل ... فلا وعر يغاديها ولا سهل

ولا غرق إذا تسترق السمع ... فتأتي بنبأ قاطنة السبع

فسبحان الذي أنشأ منشيها فسواه ... وأسنى سبل العلم لذي الجهل فأغناه

أرح نفسك إن أصبحت في ضفة (لبنان) ... وروحها يرشف من لمسي حور وولدان

ففيها صفوة العيش ... ولا منكر للطيش، الخ

وبعد، فلعلني أفصحت في مقالي هذا عن معنى (البند) وعمن أقتبس، ومن أجال فيه، وأن مقتبسيه هم العراقيون لا أهل (الحويزة) على ما يقول الأستاذ الشهابي، وأنه نوع من الشعر ومن بحر (الهزج) وليس هو النثر الشعري، أو من السجع على ما يقول الكثيرون.

بغداد

محمود العبطة