مجلة الرسالة/العدد 933/جولة في الأدب العربي

مجلة الرسالة/العدد 933/جولة في الأدب العربي

ملاحظات: بتاريخ: 21 - 05 - 1951



للأستاذ حمدي الحسيني

أدب الجاهلية أدب شخصي وجداني يمثل غرائز الفرد ومشاعره ووجدانه. ولا يمتد هذا التمثيل لأكثر من القبيلة التي ينتسب إليها الشاعر ويرتبط بها ارتباطاً وثيقاً بحكم النظام القبلي القائم على التعاون للدفاع عن النفس وحفظ الحياة.

والأدب الجاهلي يتميز عن الأدب العربي في العصور الأخرى التي تلته بالصدق والصراحة وهما الفضيلتان اللتان كان يتحلى بهما العربي في ذلك العهد، فإذا وصف الشاعر شجاعته أو شجاعة فارس من قبيلته لأنه إنما يصف شعوره الخاص وبشجاعته أو ما وقع تحت حسه وإدراكه من شجاعة ممدوحة. وإذا وصف نفسه أو قبيلته بالكرم فهو صادق كل الصدق في الوصف لأنه يصف حقيقة واقعة لا يعتريها شيء من التدليس أو الادعاء الكاذب. وإذا وصف نوعاً من الجمال فإنما يصف ما يحس به شعوره بهذا الجمال، وإذا باح بعواطفه في حبه فلا يخالجنا شك في أنه محب حقاً بالقدر الذي وصفه وباح به.

وأنك لترى في الأدب الجاهلي هذا النزوع القوى للمقاتلة وهى الغريزة التي أثارها في نفس العربي النظام القبلي وما يقتضيه هذا النظام من المزاحمة على اللقمة والجرعة وما إليهما من أهداف الرغبات الغريزية التي لا غنى عنها في هذه الحياة. وقد كانت هذه الغريزة عنها من الانفعالات والعواطف والنوازع، المنبع القوى للفضائل والأخلاق التي مثلها الأدب في ذلك العهد.

وقد ظل هذا الأدب ممثلاً للنفسية العربية الخالصة ومرآة تنعكس عليها هذه النفسية بقوتها وحرارتها وبساطتها فتبدو فضائلها ومساوئها ظاهرة واضحة، فترى الصدق والإخلاص والصراحة والعفة والشجاعة والمروءة والكرم، وترى الأنانية وسرعة الغضب وحدة المزاج والقسوة والانتقام.

ظل العرب في جاهليتهم كما ذكرنا، وظل أدبهم كذلك حتى اشرف عليهم وعلى العالم نور الإسلام القوى فانبهرت عيونهم من قوة النور، وانزعجت نفوسهم من شدة المفاجأة، أغمضوا عيونهم في أول الأمر لأنها اضعف من تحتمل هذا النور القوى، وانكمشوا عن الإسلام لأنه فوق ما تحتمل النفوس البسيطة الوادعة على رمال الصحراء، وفوق م تستوعبه عقولهم الساذجة المحدودة بحدود تلك الحياة الضيقة، ولكن نور الإسلام قد غمرهم عمراً ونفذ إلى عيونهم ونفوسهم وعقولهم، وحولهم في بوتقته العظيمة المقدسة إلى مؤمنين بالله ورسوله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. فاطمأنت نفوسهم بالإيمان وامتلأت بالفضائل الإسلامية، فدفعهم الإيمان من جزيرتهم القاحلة الضيقة إلى العالم الواسع الزاهر هداة مبشرين وقادة فاتحين فتحولت من قول الشعر إلى تلاوة القرآن، ومن الفرقة الجاهلية إلى الوحدة الإسلامية ومن المفاخرة بالأحساب والأنساب إلى المفاخرة بالسبق في دخول الإسلام. ومازال العرب كذلك حتى بردت حرارة الإيمان في نفوسهم فبدت ميولهم الكامنة ورغباتهم المستورة تطل من عقولهم الباطنة حتى أصبحت الخلافة الإسلامية ملكاً عضوضاً، وانقسموا على أنفسهم ورجعوا إلى عصبياتهم النائمة فبعثوها بمفاخرتهم بالأحساب والأنساب وبالسبق للإسلام، أيضاً ليتخذوا من هذا وسائل لتعضيد الملك وتعزيز السلطان، فنشأ من هذا أدب سياسي ولكنه حزبي، فهناك علي بن أبي طالب وهناك معاوية بن أبي سفيان، وعزز كل منهما نظريته بالسيف والقلم واللسان، فكان النضال العنيف الذي أنتج هذا الأدب السياسي الحزبي، وأنتج هؤلاء الخوارج الذين تركوا هم الآخرون ظلهم واضحا على صفحة الأدب العربي، كما تركوا أثرهم قوياً على صفحة التاريخ الإسلامي، فأخذ الأدب العربي في عهد بني أمية هذا الاتجاه الذي عيناه ولكنه على كل حال كان أدباً قوياً، بصور العزة العربية لابسة ثوب الإسلام ناعمة ببلاغة القرآن، ولم يستتب الأمر لبني أمية حتى انقسموا في أمورهم الدنيوية وأصبح الأدب أداة لتسليتهم وتبرير سياستهم وتصرفاتهم الحزبية، ولكن كان في هذا الوقت للخوارج أدب يمثل قوة عقيدتهم وقوة دفاعهم عن هذه العقيدة رغم انصباب بني أمية عليهم ورغم القسوة التي عاملهم بها قواد بني أمية ولاسيما الحجاج بن يوسف الثقفي وستر أدب الخوارج القوى ضعف أدب الأمويين. فقد كنت تسمع لشاعر الخوارج أو قائدهم القطعة من الشعر التي تحمل من قوة الإيمان وقوة النزوع في سبيل هذا الإيمان ما يجعلك تحس بسر البطولة والعبقرية وهاك هذه القطعة من هذا الأدب الخارجي:

أقول لها وقد طارت شعاعاً ... من الأبطال ويحك لن تراعي

فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لن تطاعي فصبراً في مجال الموت صبراً ... فما نيل الخلود بمستطاع

وما حل العهد العباسي الفخم بسعة الملك وامتداد السلطان ووفرة الغنى وتلون الملاهي وتمدد اللذات حتى أصبح لأدب العربي أدب ضعف وخنوع، وانقياد وخضوع أدب خلاعة وتهتك وفجور، واستهتار وزندقة وإلحاد، فأصبحت ترى قصائد المدح الذليل تساق للأمراء والعظماء، ووصف النساء والغلمان والخمر يملأ مجالس الأدب، والمفاخرة بالزندقة والإلحاد والشعوبية تدور على الألسنة في كل مكان.

بينما كان المجتمع العباسي حافلاً بكل هذا كانت الحوادث تنسج لأكفان لهذا الملك الضخم فمدت فيه الفساد وامتدت أيدي النساء والمماليك والعبيد إلى صولجان الحكم فأخذوا يستعملونه أداة لإشباع شهواتهم، وإرضاء رغباتهم، فتزلزل الملك ثم انهدم. وأما الأدب في هذه الأيام الضاحكة الباكية الحافلة بالملذات والملاهي الاجتماعية، المترعة بالآلام والمصائب السياسية والحزبية، فقد كان صورة قائمة لحياة هذا المجتمع القائم يورث النظر إليه الهم والألم لولا ومضات من نور القوة كانت تلمع في سماء ذلك الأدب الحزين الباكي ثم تنطفئ، وكان مصدر هذه الومضات نفوس متألمة مما حل بالعرب والإسلام من النكبات كنفس المتنبي الكبيرة الثائرة التي انفجرت بالشعر القوى المدوي المجلجل في سماء الأدب، ونفس أبي فراس الشاعر البطل الذي أبلى في ميدان الشعر بلاءه في ميدان الحرب. بينما هذا كان يقع في الشرق كان ملك بني أمية في الغرب قويا قاهراً والأدب في ظله زاهياً زاهراً، حتى عصف الدهر على الملك العربي الإسلامي في الشرق والغرب، فانقرض ولم يبق للسلطنة العربية صولة، ولا للأدب العربي دولة وأصبح العرب أشتاتاً في كل أرض وأوزاعاً تحت كل سلطان، وأما الأدب فانمسخ انمساخاً حتى اصبح معه علالات النفوس الضعيفة والعقول الفارغة من الجدل اللغوي العقيم والنقاش البياني الفارغ، حتى جاء القرن التاسع عشر بما فيه من أحداث فبدأ الأدب العربي يتململ في مرقده ويتماثل للنهوض من كبوته.

حمدي الحسيني