مجلة الرسالة/العدد 942/القصص

مجلة الرسالة/العدد 942/القصص

ملاحظات: بتاريخ: 23 - 07 - 1951



أشجار السنديان

للكاتب الروسي الكبير ايفان بوتين

للأديب حسن فتحي خليل

كنت حينئذ في الثامنة والعشرين من عمري، ولقد حدث هذا منذ زمن بعيد، أيام القيصر نيقولا الأول، وكنت قد عينت ضابطاً في الحرس القيصري

وفي تلك السنة التي لن أنساها منحت إجازة أسبوعين لزيارة عائلتي في أملاكنا القريبة من ريازان حيث تقيم والدتي بمفردها بعد وفاة والدي

وما أن وصلت البلدة حتى وقعت في شباك الحب فلقد ذهبت لتفقد أملاك جدي بالقرب من قرية بتروفسكوي التي لا تبعد عن ضيعتنا كثيراً، ومنذ ذلك اليوم وأنا أحاول أن أجد عذرا لمعاودة الذهاب إلى هناك دائما، فالريف الروسي ريف مقفر وخاصة في فصل الشتاء، ولكن قرية بتروفسكوي قد أحسنت الطبيعة وضعها، يقوم على أطرافها متنزه صغير يطلقون عليه (أشجار السنديان) فهو يتاخم مجموعة من أشجار السنديان الضخمة العتيقة_يقبع تحتها كوخ قديم في محاذاة الحديقة المغطاة آنئذ بالثلوج، ويتناثر بقربه حطام مالك المقاطعة القديم المتداعي

هناك. . وفي هذا الكوخ القابع تحت كوخ أشجار السنديان كنت أذهب يوميا لأبادل لامز محضر المحكمة الذي يقطن هناك أحاديث تافهة لا معنى لها، محاولاً أن أكسب صداقته، وأنا أبعث نظرات دافئة إلى زوجه الصامتة أنفيسا التي تبدو وكأنها امرأة أسبانية أكثر منها فلاحة روسية ساذجة. كانت في نصف عمر لافر، ذلك الفلاح القاسي بوجهه الأحمر ولحيته النحاسية كأنه زعيم عصابة من اللصوص

كنت أقرأ في الصباح أي شيء يقع تحت يدي ثم أقوم إلى البيان فأعزف وأنشد أغنية (أيتها النفس. . هل تلتمسين الحب أو الفناء؟) وبعد تناول الغذاء أستعد لقضاء الغروب في (أشجار السنديان) بالرغم من الرياح والعواصف

وهكذا انقضت عطلة عيد الميلاد وقرب ميعاد عودتي إلى عملي، وقد أخبرت لافر وأنفيس يوما في عدم مبالاة بقرب سفري فقال لافر، إن خدمة الإمبراطور طبعا مقدمة على كل شيء. ثم استدار خارجا من الكوخ ليحضر شيئا ما، وكانت أنفيسا تجلس وعلى ركبتيها ثوب تخيطه، فتابعت زوجها بعينيها الأسبانيتين. وفي اللحظة التي أغلق فيها الباب خلفه رفعت إلى عينيها الدافئتين وقالت في همس:

(يا سيدي. . إنه سيقضي ليلته غدا في القرية، فتعال هنا لنقضي أمسية الوداع، لقد كنت أخفي ذلك في قلبي. ولكني الآن أصرح لك بكل شيء. . فإن أشد ما يؤلمني هو أن أفترق عنك)

ولقد غمرني هذا التصريح بالغبطة طبعا ولكني حاولت أن أهز رأسي موافقا إذ دلف لافر بعدها إلى الكوخ

ويمكنك تخيل اللهفة التي كنت أشعر بها وأنا أنتظر ذلك الموعد. لم أدر ماذا أفعل لأقطع الوقت حتى غروب اليوم التالي. وكنت أفكر في شيء واحد فحسب، سأترك كل شيء وسأستقيل من فرقتي وأقضي بقية عمري في الريف وأربط حياتي بها حين يموت لافر. . وهكذا كنت أحدث نفسي (أنه رجل عجوز. . . ويجب أن يموت وشيكا) بالرغم من أني لم أضع في إعتباري أنه ما زال في الخمسين من عمره فقط

وأخيرا انقضى الليل، فجلست أدخن في غليوني وتناولت بعض الشراب وأثملتني تخيلاتي الحارة حتى انقضى النهار الشتوي القصير، وابتدأ الظلام يهبط، وقامت عاصفة هوجاء في الخارج. وتساءلت كيف أغادر المنزل وأي عذر أنتحله لوالدتي؟ فلم أحر جواباً حتى خطرت لي فكرة مفاجئة ز سأتسلل سرا. . . وهذا كل ما في الأمر

وتظاهرت بأني متعب فلم أتناول العشاء وأويت إلى فراشي. وما أن انتهت والدتي من تناول عشائها ودلفت إلى حجرتها حتى أسرعت بارتداء ملابسي في خفة وأسرعت إلى الإسطبل وطلبت من الخادم أن يجهز لي المركبة الخفيفة

كان الجو في الخارج قاتماً حتى أنه يتعسر عليك أن ترى ما هو أمام أنفك بالرغم من الثلوج المتساقطة العاصفة. ولكن الحصان كان يعرف الطريق جيدا، وما أن مرت نصف الساعة حتى ظهرت أشجار السنديان حول الكوخ، ولمع الضوء الخافت في النافذة، فربطت الحصان وألقيت عليه غطاء ثم ركضت نحو الكوخ وهناك وجدتها في أكمل زينتها ووهج شعلة الخشب يلقي على وجهها ظلالا جميلة وقد جلست على مقعد بجوار المائدة. كانت تنتظرني بكل ما في عينيها من حرارة. كانت الظلال المرتعشة تغطي جوانب الحجرة بالنسبة لذلك الضوء الخافت، ألا أن عينيها كانتا أكثر لمعانا من كل شيء. . . عيناها الواسعتان العميقتان. وكانت على الموائد أطباق بها جوز وبسكويت وإناء مملوء بالخمر المعتقة وكوبان صغيران، بينما جلست هي وقد أولت ظهرها إلى النافذة الصغيرة المغطاة بالثلوج وقد ارتدت فستانا حريريا بأكمام واسعة وحول رقبتها عقد من المرجان وتركت شعرها الناعم يموج على كتفيها بينما يتدلى من أذنيها قرطان من الفضة، وما أن وأتني حتى هبت واقفة وأسرعت تخلع قبعتي المغطاة بالثلج ومعطفي وسترتي ودفعتني إلى المقعد، وفي نشوة حارة، لم أكن أعتقد أنها قادرة عليها، وكنت أظنها من قبل امرأة مترفعة صعبة المنال ألقت بنفسها علي واحتضنتني وهي تمسح وجهي بخديها الناعمتين فقلت (كيف أخفيت كل ذلك حتى الوقت الذي حان فيه فراقنا؟)

فأجابتني في عاطفة دافقة (أه. . . ماذا أفعل؟ لقد استوليت على قلبي منذ مجيئك إلى هنا لأول مرة وكنت أشعر بآلامك، ولكني شريفة ولم يسبق لي أن زللت، أضف إلى ذلك أنه لم تكن هناك أية فرصة تسمح لي تأن أطلعك فيها على مكنون قلبي، فلقد كان هو دائما بيننا، ولم أتمكن حتى من مجرد مبادلتك نظراتك، فهو حاد البصر كأنه النسر، ولو لاحظ شيئا لقتلني للتو)

وعادت تحتضنني وهي تضغط يدي بين ركبتيها، وأحسست بحرارة جسدها على فخذي فكدت أفقد توازني، وإذا بها تقفز فجأة وتنظر إلي في اضطراب وهي تقول: (أتسمع؟ فأرهفت أذني ولكني لم أسمع شيئا سوى زئير العاصفة. ولكنها همست قائلة: (لقد وصل. . .)

وأسرعت تجلس إلى الوائدة وهي تحاول ضبط أنفاسها المتلاحقة، ثم قالت في صوت طبيعي مرتفع وهي تفرغ الإناء بيدها المرتعشة (لتشرب قليلا من خمرنا المعتقة يا سيدي ولتأكل فإنك ترتعش)

ودخل هو في هذه اللحظة وثيابه وقبعته مغطاة بالثلوج، ونظر حوله ثم قال في صوت خفيض (مساء الخير يا سيدي) وخلع ملابسه ثم نفض عنها الثلج وعاد يقول (حسناً) يا له من جو، لقد وصلت حتى بولش وتوري ثم وجدت أنه لا فائدة ترجى إذ سأفقد طريقي لا محالة، فذهبت إلى الخان وتناولت بعض الطعام ووجدت أنه من الأوفق أن أعود أدراجي، فما قيمة العمل في مثل هذا الجو الثائر المجنون)

بقينا صامتين ونحن نجلس مذهولين مضطربين فقد لاحظنا أنه أدرك كل شيء من أول نظرة، فلم ترفع عينها إليه، أما أنا فقد كنت أنظر نحوه من وقت إلى آخر، ويجب أن أعترف أنه كان مهيبا وهو واقف بقامته الطويلة وكتفيه العريضتين وحزامه الخضر حول وسطه وحذائه العالي ووجهه الأحمر من لسع الريح ولحيته تلمع فيها حبات الثلج وعينيه تفصحان عما يدور في رأسه من أفكار مخيفة

وتقدم فأشعل قطعة أخرى من الخشب ثم جلس إلى المائدة وأمسك بإناء الخمر بأصابعه الغليظة وأفرغ منها في الكوب ثم شربها حتى الثمالة ثم قال دون أن ينظر حوله (لا أدري كيف ستعود يا سيدي، لقد تأخر الوقت بك وجوادك غارق في الثلج، ولكن أرجو ألا تغضب مني إذا ما اعتذرت عن مصاحبتك فإني جد متعب من رحلتي، أضف إلى ذلك أني مشوق إلى زوجتي التي لم أرها طيلة النهار. . وعندي من الأحاديث ما أريد أن أبثها إياها)

وفي الصباح حين لاح ضوء النهار وصل أحد الفلاحين من بتروفسكوي وأخبرنا أن لافار شنق زوجه مساء الأمس بحزامه الأخضر وعلقها بخطاف في الباب. وفي الصباح ذهب إلى بتروفسكوي وأعلن الفلاحين صائحا (يا جيراني) لقد وقعت بي مصيبة فإن زوجتي شنقت نفسها، لقد أصابها مس من الجنون، فلقد عدت في الفجر فوجدتها معلقة هناك، وجهها أزرق ورأسها مدلى على صدرنا، كانت في كامل زينتها لسبب ما وقد طلت خديها الحمراوين. . وهاهي هناك معلقة وقدماها تكادان تلامسان الأرض (اشهدوا معي يا إخواني) فنظروا إليه وقالوا (ما الذي فعلته أنت بنفسك أيها المحضر. كيف تأتي للحيتك أن تنتف هكذا. . وما هذا الخمش في وجهك من أعلاه إلى أسفله. وما زال جرح عينك يدمي. . هيا أوثقوه أيها الإخوان)

وكان نصيبه الجلد. . ثم أرسل إلى سيبيريا ليعمل في المناجم

أحمد فتحي خليل