مجلة الرسالة/العدد 947/الملك الشهيد عبد الله بن الحسين

مجلة الرسالة/العدد 947/الملك الشهيد عبد الله بن الحسين

ملاحظات: بتاريخ: 27 - 08 - 1951



تعقيب على مقال (الرسالة)

بقلم الأستاذ أحمد رمزي بك

القنصل العام السابق لمصر بفلسطين وشرق الأردن بين

1935 و1937

- 1 -

حينما بدأت هذه الكلمة كان أمامي ديوان البحتري مفتوحاً فوقع نظري على بيتين من الشعر لا أدري من الممدوح فيهما، ولكني رأيتهما ينطبقان على عبد الله بن الحسين، رحمة الله عليه:

لو أن كفك لم تجد لمؤمل ... لكفاه عاجل وجهك المتهلل

وتصرفت بك في المكارم همة ... نزلت من العلياء أعلى منزل

رحم الله الملك الراحل! لقد مات ميتة الشهداء وانتقل إلى الرفيق الأعلى. ولقد (كانت قوة مؤثرة في سياسة الشرق والغرب) كما قال عنه الأستاذ أحمد حسن الزيات بك في مقاله الافتتاحي الذي أثار شجوني، ودفعني إلى الكتابة. وأنا الذي آليت أن أعتكف في المسائل العربية منذ أمد طويل، فجاء مقال الأستاذ الكريم وذكريات الملك الراحل، الذي تشرفت بمعرفته عن كثب، وعاشرته وحظيت بوده وكرمه وبعطفه، مدة من الزمن، فحملني كل أولئك على أن أتكلم. لقد أنهى عبد الله بن الحسين، ولم يعد يرهب الناس ولا يجتذب لصفه أحداً يقال أننا نخدم سياسته وندعو إلى عترته ونحاول إعطاءه لوناً براقاً إنها كلمة الحق، وصورة واضحة، لا نقصد منها سوى تسجيل حياة عاهل عربي عظيم، قد أصبح بين يدي الله وفي ذمة التاريخ

إنني لا أزال أذكر أول لقاء معه في قصره بعمان في حجرته التي كان يخلو فيها مع بعض أخصائه، ليقرأ الكتب ويلعب الشطرنج، وكان ابن عمي ضابطاً في الجيش العربي، إذ لنا فرع من عائلتنا استوطن هذه البقاع منذ أكثر من أربعين عاماً، وهو الذي قدمني للعاهل كأحد موظفي السفارة المصرية في أنقرة. وكان هذا اللقاء في صباح يوم الأحد 6 مايو سنة 1934 وكان يشاركنا في الجلسة فؤاد باشا الخطيب، الشاعر الأديب

ودار الحديث عن تركيا وحالتها السياسية والاقتصادية، وقد حاول الملك الراحل أن يجعل الحديث بالتركية، فاعتذرت بقلة بضاعتي فيها. ولما تحدثت كنت أتكلم بصراحة تامة: إذ كانت تعاليم الثورة الكمالية وأهدافها نبراساً أسير في هداه، وكانت كلمات الأتاتورك مصطفى كمال لا تزال ترن في أذني وتحرك نفسي، وكنت أؤمل في شيء واحد أن أعيش وأكافح لأرى مصر قد حققت استقلالها التام وحطمت قيودها التي تحول دون تقدمها، ولذلك تحمس فؤاد الخطيب باشا وأنشد (السيف أصدق أنباء من الكتب. . .)

وكنت أمضيت خمسة أعوام أقرأ عن أحوال الدولة العثمانية وعوامل تأخرها وعلة تفككها، فجئت من أطراف الأناضول: إلى قيصرية - الوقيشلة - بوزانتي فوزي باشا - حلب - حماة - حمص - دمشق. هناك حيث تقوم فرنسا بانتدابها، لأكتشف في نهاية سوريا الجنوبية جزءاً صغيراً من الأرض يمثل أثراً حياً من آثار الدولة العثمانية - تلك هي دولة شرق الأردن - لقد كنت أقول لنفسي أفي حلم أنا أم في يقظة؟ للآن ما هو الأثر الذي تركته في نفس الملك عبد الله، إذ لا بد أنه قال هذا شاب قد افتقدته المدينة الكثير. ولكن تحمس فؤاد الخطيب باشا جعله ينقل الحديث لناحية أخرى ويوجه إلى السؤال الآتي: هل تقدر الجمال التركي؟ والحقيقة أنى لم أشغل نفسي كثيراً بالجمال التركي أو المصري أو الشامي حتى أجيب على مثل هذا السؤال؛ لأن المرأة في الشرق قد تلقت الكثير من المديح في الصحف والمجتمعات وعلى السنة القادمة لدرجة أنه أصبح من الخطر مواجهة الرأي العام بأفكار لا تتفق مع الدعاية القائمة في صالحها، وأن كنت من أنصار تحريرها، ولذلك أجبت العاهل العربي بجملة غريبة قلت له (يجب أن تنتظر جيلاً جديداً حتى تحكم على جمال المرأة التركية). ففهم أنني لا أعير المرأة اهتماماً كبيراً في نظرتي إلى الحياة. . وأن كنت أعد أولى واجبات الدولة إعداد جيل قوي من النساء القادرات على زيادة النسل؛ بشرط أن يكون الجيل قوياً. . زيادة تستحق الأمة أن تكون بها موضع احترام الأمم الأخرى

والحقيقة التي لم أشأ أن أبوح بها، وكانت تدور بمخيلتي ساعتئذ، هي انحطاط الأمم الشرقية والإسلامية يعود إلى ضعف المرأة جسمياً وعقلياً، ولكنني لم أشأ أن أثير مشكلة كهذه في أول لقاء. .

وكتبت في مذكرتي (عاهل الأردن أمير شرقي لا يفهم ضرورات ومستلزمات العصر الحالي التي قذفتنا الأقدار لنعيش فيه. وسط أمم قوية راقية تسير على هدى مدنية جبارة دافعة زاحفة ونحن نيام. . فالويل لنا والويل للمغلوب على أمره ممن هم على شاكلتنا. أننا نسير حتماً بخطوات واسعة إلى الفناء العاجل. . . كما سارت آشور وبابل وفرعون وثمود وعاد. . . أن الصمت والسكون والبيداء هي كل ما لدينا، وسيستمر هذا طويلاً حتى ننقرض وتذهب ريحنا كبعض الحيوانات التي تشغل بهياكلها العظيمة أركاناً في المتاحف وقاعات العرض. . . إذا لم نعمل عملاً حاسماً

وتناولت الغذاء بفندق فلادلفيا ثم دعيت عند الجنرال بك باشا الذي دعاني إلى زيارة مركز الجيش العربي والمدرسة الخاصة بأبناء الجنود والمسجد الذي أنشأه، كما دعيت إلى نادي ضباط الجيش ولقيت الكثير من الترحاب. وفي اليوم التالي توجهت إلى مدينة القدس، وأمضيت اليوم بالقنصلية المصرية مع أصدقاء عباس حلمي وحسين عزيز وأحمد عبد المجيد. .

وزرت الممرض العربي فلفتت أنظاري صور خالد بن الوليد وطارق بن زياد والمجاهد الطرابلسي عمر المختار، وهنا اغرورقت عيناي بالدموع إذ شعرت بأن الوسط العربي بالقدس أقرب إلى مشاعري وإحساسي من الوسط في مصر، ولكن نفسي كانت حزينة حتى النهاية. كان كل شيء يظهر أمامي كأنه مؤقت، وكان يبدو على العرب وهم يسيرون في الطرقات ويجلسون في المجتمعات أو يتحادثون في منازلهم وكأنهم على سفر منزل كسكان منزل قد أنذرهم صاحبه بالإخلاء السريع وهم يستعدون في أي وقت للرحيل العاجل. . .

ولم أنم تلك الليلة رغم تقليبي صفحات نسخة إنجليزية من الكتاب المقدس. لقد نسيت كل ما مر بي، في شرق الأردن وعلى جسر النبي وأجنحة المعرض العربي وحديث أخواني، وترحيب رجال العرب وتناول العشاء في مطعم يهودي وسماع تلك الموسيقى الغربية التي تقدمها فرقة من الفتيات المهاجرات في أواسط أوربا. لقد جعلني كل هذا أسرح في المستقبل البعيد، وكان كل ما حولي يدعو إلى التأمل والتساؤل. . .

أما أنا فوجدت في تلك النغمات الأوربية الإجابة على سؤال العاهل العربي العظيم. ما رأيك في الجمال التركي؟

إننا أمام زحف جارف أيها الأمير الخطير. . .

ويقول أستاذنا الجليل أحمد حسن الزيات بك في مقالة البديع (لا أستطيع أن أتحدث عنه ولا أن أحكم عليه إلا من وراء ما يرى ويسمع)

وإني أحاول أن أنقل لقراء الرسالة صورة من آراء الملك الفقيد وأقواله كما جاء في بعض ما كتبه وبعض ما تحدث به

لقد وضع الفقيد كتاباً تحت اسم (من أنا) كتبه على طريقة الأسئلة والأجوبة: بدأه بقوله:

من أنت؟

أنا عربي أنتسب إلى العرب وبهم أفخر

ما هي مفاخرك؟ ديني ونسبي

ما هو دينك؟ ديني الإسلام وربي الله ونبيي محمد عليه الصلاة والسلام

وقال عن العرب: (انهم بالهداية ألا لاهية والرسالة النبوية والمؤهلات العنصرية، أسسوا المجد العظيم في سنوات معدودة)

وأراد تبرير ثورة العرب ضد الأتراك فقال:

عندما شاخت دولة بني عثمان وسلك رجالها مسلكاً يتعارض مع المبادئ العربية دنيا وديناً بدأ الخلاف المسلح بين الأمتين

وذكر والده الحسين بن علي فقال:

(وبإرادة الله تعالى اتحدت كلمة الأمة مرة أخرى مقتدية بالمنقذ الأعظم رحمه الله)

ولما تقطعت أوصال البلاد العربية قال: (إن البلاد العربية تقسمت زعامتها فئة من الناس تضع نصب العين الحرص على الحكم والتحكم، مرة بالعصبية وأخرى بالحربية، وأحيانا بالقوى الأجنبية)

وله رأي في الأمة العربية يؤمن به إذ يقول: (أمة واحدة في بقعة واحدة تحدها آسيا الصغرى في شمالها، وبلاد فارس في شرقها؛ والخليج المعروف بها، ومن الجنوب يحدها بحر الهند، ومن الغرب حدها البحر الأحمر فالحدود المصرية ثم بحر الروم)

وهو الرأي الذي أخذ به نوري السعيد في مذكرته المشهورة إلى المستر كايزي، وكان يؤمن به رياض الصلح ويصرح به كثير من زعماء العرب للإنكليز والأميركيين، أي أنهم لا يعدون المصريين عربا. . .

وللفقيد آراء صريحة في الحكم إذ يقول:

(ليست الأمة بميراث يورث، وليست مصالح الشعب منحة للمتغلبين، وليس القول لمن يحسن القول، ولكن جل هذا تراث للأمين بعد الأمين، من يظهره الله سبحانه وتعالى، ويثبت هو جدارته في تأدية واجبه بأمانة وإخلاص)

ورأيه هذا يتلخص في أن العروبة والهاشمية صنوان لا يفترقان، وأن هذا الأمر في هذا البيت من قريش. أنه يؤمن إيماناً لا يتزعزع برسالة بني هاشم وزعامتهم وقيادتهم للعرب كافة، ويشاركه في ذلك كثيرون من أبناء بلاده وأتباعه وأنصاره

وكان الكونت جاك دومال قنصلا عاما لفرنسا بالقدس، أمضى هناك سنوات عدة، وكتب كتابا سماه (أصوات من الشرق، وذكريات دبلوماسي) تحدث في خاتمته عن مقابلة له تمت مع صاحب السمو الأمير عبد الله بن الحسين عاهل المملكة الأردنية وكان ذلك في يوليه 1937، وكان مع القنصل الفرنسي صديقان، وجه أحدهما السؤال الآتي: أتعتقد بنهضة العرب وأن تعود الخلافة إلى الوجود بعد أن ألغيت باستنبول؟

والإجابة التي وضعها، الكونت دومال عن لسانه هو، تكاد تنطق بأن الكثير منها من وحي الحديث الذي دار في ذلك الاجتماع مع الأمير. اقرأ معي (الخلافة في ركن من أركان الإسلام، والخليفة في الشريعة حامي الدين وخادم الشرع، إذن يجب أن تكون بلاده حرة وقوية، مهيبة الجانب، تتمتع بكامل سيادتها واستقلالها حتى تقوى به كلمة الحق والدين)

(الخليفة هو أمير المؤمنين الذي يتولى أمور المسلمين للعمل بالكتاب والسنة والمشورة العامة والخروج في الجمع، وتلقي الأسئلة على منبر الخطابة، والإجابة عليها - هذه هي الخلافة النبوية الغير الوراثية، والمشترط فيها القرشية)

وهي كما ترى غير الملك والسلطان، ولقد استشهد مرة الملك الفقيد بقول عمر بن الخطاب الذي قال: (أما ولي سلطان فلا. . .)

وبعد فهذه كلمات مأخوذة عن الملك عبد الله بن الحسين، الذي كان أقرب الأبناء شبهاً بوالده الحسين بن علي، وأشدهم تمسكا بالتشبه به، أضعها أمام القارئ ليعلم أنه آمن منذ البدء بتعاليم والده، قائد الثورة العربية والنهضة الهاشمية فكان يعد نفسه وارث هذه الحركة، والأمين عليها والحارس على اتجاهاتها، وأنه ليس في بني هاشم من هو أحق بها منه، ولذلك قال: (هي تراث للأمين بعد الأمين)

لقد تأثر الحسين بن علي بالبلاط الحميدي وبالتربية التركية وكذلك كان الملك عبد الله بن الحسين. لقد كان أثر الناحيتين ظاهراً عليه، كان مثال الحاكم الشرقي الذي يعنى بملبسه ومظهره، والذي تحيط به هالة من الاحترام والحشمة، وكان كذلك متأثراً بالحجاز تتجه أنظاره إليه ويحبه من أعماق قلبه، فكان ينزل إلى مكتبه ويفتح بابه ليقابله من يشاء من رعيته. . . وتلك نفحة حجازية

وسنرى في العدد القادم ذكريات سنتين قضيتهما في القدس أعمل كقنصل عام لمصر وفلسطين وشرق الأردن، وما لقيته من كرم الأمير وما قيدته من أحاديثه مع كبار الساسة

أحمد رمزي