مجلة الرسالة/العدد 953/تعقيبات

مجلة الرسالة/العدد 953/تعقيبات

ملاحظات: بتاريخ: 08 - 10 - 1951



للأستاذ أنور المعداوي

إلى معالي وزير المعارف:

سيدي الأستاذ

حديث اليوم إليك كلمات تنوء بالألم وتفيض بالمرارة، وما أجدر حديثاً كهذا الحديث أن تنصت إليه بقلبك قبل أن تنصت إليه بإذنك، لأطمئن إلى أنه قد هز منك منافذ الشعور قبل أن يهز منافذ الأسماع!

هذا الألم الذي يلهب القلم في يدي مرجعه إليك، وهذه المرارة التي تلفح الأفكار في رأسي مرجعها إليك أيضاً. . . ومعذرة لهذه البداية الثائرة أو لهذه الصراحة السافرة، لأنها حق (رسمي) تفضلت يوماً فسمحت لي به، وأعربت لي عن تأييدك له، ما دام شاهده الصدق ورائده الضمير!

لقد كنت أنتظر بعد ذلك اللقاء الذي تحدثت فيه إليك ذات مساء ثم طالعت به الناس على صفحات الرسالة، أنك ستقف من الأدب والأدباء نفس الموقف الذي وقفته من التعليم والمعلمين: عناية ورعاية، وتأييد واهتمام، وعطف على كل أمل مظلوم وكل حق مهضوم. كنت أنتظر هذا كله وينتظره معي الناس، ولكن الأيام تمضي وعجلة الزمن تدور، وأنت مشغول عن تلك الحقوق والآمال. . . وتذهب مع الريح كل صرخة جازعة، ولهفة ضارعة، وكل أمنية جميلة كان لها في النفوس وقع وفي القلوب مكان!

أليس عجيباً حقاً أن تشغل عن حقوق فئة تجمع بينك وبينها قرابة الروح، وعن آمال طبقة تربط بينك وبينها صلات الأدب؟! صدقني إذا قلت لك إن عجب الأدباء لا ينتهي، وإن أسفهم لا ينقضي، وإن كل مظلوم بينهم قد بات ينظر إلي وهو يردد قول الشاعر القديم:

وأرى الأيام لا تدني الذي ... أرتجي منك وتدني أجلي!

أتحب يا سيدي أن تسمع قصة واحد من هؤلاء المظلومين في عهدك؛ عهدك الذي ترقبوه كما يترقب الممحل قطرات الغيث، وتلقوه كما يتلقى الغريق أسباب النجاة، وعاشوا على الأمل فيه كما يعيش المحروم على حرارة الرجاء؟!

إن لدى بضعة أسماء أود أن أقدمها إليك، ولكني أكتفي اليوم بتقديم اسم واحد هو على التحقيق شهيد هذا الأسبوع. . هذا الاسم الواحد هو النموذج الصارخ الذي يشير إلى غيره من النماذج، أو هو المثل الواضح الذي يدل على غيره من الأمثال، وأستمع يا سيدي لقصة هذا الشهيد:

شاب من هؤلاء الشباب المخلصين لنشر التراث العربي القديم: يسعى إلى نوادر مخطوطاته في كل مكتبة هنا وكل مكتبة هناك، ويمنحها من وقته وجهده وماله فوق ما يحمل طوق أمثاله ممن يجودون في سبيل العلم بالوقت والجهد والمال. . عمل جليل كما ترى، ومع ذلك فقد ظلمته وزارة المعارف حين نسيت جهده أو تناسته، أو حين جهلت قدره أو تجاهلته! ظلمته حين وضعته في مكان غير مكانه، هناك حيث ترهق الأعصاب وتخور الهمم وتخمد الأنفاس، وهناك حيث قدر له أن (يلقن) أطفالاً أكثرهم من أبناء الأجانب (مبادئ) القراءة والكتابة باللغة العربية. . أرأيت يا سيدي الأستاذ؟ أرأيت كيف تجبر وزارة المعارف أديباً على أن يقضي أكثر وقته مع (أطفال) يقوم منهم نطق اللسان، ثم لا تتيح له من هذا الوقت إلا أقله ليقضيه مع (رجال) من طراز أبي الفرج أو أبي حيان؟!

لقد قضت وزارة المعارف أن ينفق الأستاذ السيد أحمد صقر سبع سنوات من عمره في مدارس الليسيه الفرنسية. . وكأنما أرادت بعد هذا العمر الطويل أن تكافئه على ما قدم من جهود وما بذل من تضحيات، فأمرت منذ أيام بنقله إلى أقاصي الصعيد ليستقر مرة أخرى بين أطفال مدرسة (كوم أمبو) الابتدائية! أعذرني يا صاحب المعالي إذا تعثر القلم في يدي وتنزت الأفكار في رأسي واستحالت الكلمات إلى صرخات: من المسئول أمام الله حين تفرق وزارة المعارف بين هذا الأديب وبين أولاده الصغار الذين يتعلمون في مدارس القاهرة، وهو يقوم منهم مقام الأب والأم التي فارقت الحياة وتركتهم وديعة بين يديه؟! ومن المسئول أمام التاريخ - تاريخ الأدب على الأقل - حين يلقى الأدباء على يد وزارة المعارف مثل هذا الغبن ويتعرضون لمثل هذا الهوان؟! إن الحياء يمنعني من اتهامك، ولكن الحق يدفعني إلى هذا الاتهام. لماذا؟ لأنك لو شملت الأدباء بعطفك، وأفضت عليهم من برك، وقربتهم منك حتى تعرف من منهم مهضوم الحق ومن منهم مظلوم المصير، لما أهملت وزارة المعارف شأنهم وجحدت فضلهم وتركتهم نهباً لمتاعب الأيام. . من هنا يا سيدي - وأغفر للشعور ثورته وللقلم جرأته - تأتي مسئوليتك أمام الله وأمام التاريخ، لأنك في الطليعة من هؤلاء الذين يعنيهم هذا القول الكريم: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته!!

ماذا أقول لك يا صاحب المعالي بعد هذه الكلمات؟ أقول لك إن هذا الأديب يجب أن ينصف وأن يوضع في مكانه. . إن مكانه هناك في دار الكتب، أو في مجمع اللغة، أو في تلك الإدارة التي تسميها وزارة المعارف (إدارة نشر التراث القديم) أقسم لك إنها تسمية ظالمة؛ ظالمة لأن تلك الإدارة موجودة حقاً ولكنها لا تفعل شيئاً. . وتسألني لماذا فأقول لك: لأن الذين يصلحون لها ويستطيعون أن ينهضوا بها قد قدر لجهودهم أن تذهب هباء مع الريح، بين مدرسة فرنسية هنا ومدرسة مصرية هناك!

يا سيدي رحمة بالأدب ورفقاً بالأدباء، ومعذرة لهذه الكلمة الثائرة لك لا عليك، وحسبك منها أن شاهدها الصدق ورائدها الضمير!!

بين شوقي والرصافي:

أعرف فيك إخلاصك للفن، وصدقك في النقد، وجرأتك في الحق، وترفعك عن المجاملات. . . ولهذا كله أود أن أعرض عليك هذه القضية الأدبية التي أوغرت على الصدور في العراق وأثارت من حولي ضجيج الأقلام! أود أن أعرضها عليك لتشارك فيها برأيك، هذا الرأي الذي أحتكم إليه لينصفني أو لينصف غيري من المعترضين والمتهجمين:

لا شك أنك تذكر أنني كتبت في الرسالة الغراء بضع مقالات أبديت فيها رأيي حول شعر الشاعرين: شوقي والرصافي. . ولقد قلت إن شوقي قمة شامخة من قمم الشعر في العربية، وإن الرصافي لا يمكن أن يلحق بغباره مهما قال القائلون، لأن شوقي شاعر العبقرية والرصافي شاعر القريحة، وشتان بين المطبوعين على قول الشعر وبين النظامين!

قلت هذا فهاجمني بعض الأدباء هنا على صفحات الصحف وهاجمني البعض الآخر بالرسائل واللسان، وهاأنذا أنقل إليك ألوانا من هذا الهجوم الأخير:

كتب إلي صديق من (الموصل) يقول: (إنك قد تجنيت على الرصافي حين فضلت عليه شوقي، لأن الرصافي أشعر من شوقي ولأن المصريين يسوؤهم أن يؤمر عليهم شاعر عراقي، ولذلك أهملوه. . ولولا أنني أعرف نزعة (الرسالة) الإقليمية لكتبت رداً عنيفاً حول هذا الموضوع، ولكنني أعرف الناس بأنانية المصريين! ولهذا فأنا عاتب عليك تفضيلك شوقي على الرصافي وأنت شاعر عراقي)! وكتب إلي أديب آخر من (البصرة) يقول: (ما كنت أحسب أن المجاملة للمصرين تصل بك إلى هذا الحد الذي تفضل فيه شوقي على الرصافي! ترى هل أنت مصري أم عراقي؟ وكيف تزعم أن شوقي أعظم من الرصافي؟ والله إن ذلك ليسوؤني منك. . ولولا أنني أخاف ألا تنشر الرسالة ردي لبعثت إليها بهذا الرد في المفاضلة بين الشاعرين)!

وقال لي أحد الشعراء العراقيين في معرض الحديث عن مقالاتي حول شوقي والرصافي: (إنني أعجب منك يا أستاذ، لأنك تريد أن تنال الشهرة بواسطة مصر، ولهذا لم تجد طريقة سوى أن تحطم الرصافي لترفع من شوقي! لا يا أستاذ! إن الرصافي عظيم عظيم حتى لا يفضل عليه أحد)!

وهكذا كان أسلوب النقد الذي وجه إلي من الأدباء والشعراء. . وبقي أن نسمع رأيك الفاصل في المشكلة، رأي الكاتب الحر والناقد النزيه.

بغداد

عبد القادر رشيد الناصري

أنا والله في حيرة من أمر الأدباء العراقيين؛ إذا تحدث ناقد مصري عن أديب مصري صاح أكثرهم فيما يشبه الغضب والعجب والاستنكار: نزعة عنصرية وعصبية إقليمية! وإذا سكت الناقد المصري وأحتل مكانه في التحدث عن الأدباء المصريين ناقد عراقي، صاح أكثرهم مرة أخرى فيما يشبه التأنيب والتثريب: متنكر للعراق ومجامل لمصر وكافر بالقيم!

ونحن بعد ذلك في رأيهم أنانيون متعصبون، نحيد عن الحق ونميل مع الهوى حين تحدد للأدب المعايير وتقام الموازين!

ومن العجيب حقاً أن يوجه إلينا مثل هذا الاتهام وما أكثر ما نفيناه، مقدمين الدليل القاطع والبرهان الناصع على أننا فوق الظنون والشبهات، ويا ظالماً حاربنا تلك العصبية البغيضة على صفحات الرسالة، ودعونا إلى نبذها بالقلم واللسان، ورفعنا الصوت عالياً بأن ليس في الأدب والعلم والفن مصري ولا عراقي، وإنما هناك كلمة واحدة نعتز بها ونطالب بأن تكون لنا خير شعار وعنوان. . هذه الكلمة الواحدة هي أن تنتسب جميعاً إلى (العروبة) التي تشمل هذا الوطن الكبير، وتنثر ظلالها السمحة على كل اسم من أسماء أهل الأدب والفن هنا وهناك!

قلنا هذا وكررناه، حتى مللناه! ومع ذلك فالأدباء العراقيون غير راضين ولا مقتنعين، حتى نسبح بحمدهم ونشيد بذكرهم ونقيم لأدبهم المعابد والمحاريب. . وإن لم نفعل فالويل لنا من ألسنتهم وأقلامهم، والويل كذلك لكل عراقي يشير إلى الأدب المصري من بعيد أو قريب! من يصدق بعد هذا كله أننا أصحاب تعصب وأنانية أو أصحاب أهواء وأغراض؟! ألا فليرجعوا إلى كلماتهم التي وجهوها إلى الأستاذ الناصري وليراجعوا أنفسهم ليعلموا - إذا أنصفوا الحق والواقع - إلى أي فريق يجب أن يوجه الظن أو يقدم الاتهام!

وأعود إلى الأستاذ الناصري لأقول له إن فكرة المقارنة بين الشاعرين (العربيين) باطلة. . باطلة في رأي الحق والذوق والمنطق السليم! إن المقارنة مثلاً بين شوقي والمتنبي أو بين شوقي وأبن الرومي أو بين شوقي وأبي تمام شيء معقول ومقبول. . معقول لأن الطاقات الفنية هنا متقاربة، ومقبول لأن الملكات الشعرية هنا متشابهة، (معدنها) واحد وإن اختلفت مظاهرها تبعاً لاختلاف الذوق بين (الصائغين)! لهذا كله أقبل المقارنة بين شوقي وهؤلاء وأطيق المفاضلة، أما أن يقارن بين شوقي والرصافي فهي المقارنة بين النهر الكبير والجدول الصغير، أو بين الذهب والقصدير. . وليغفر لي الأدباء العراقيون (ضعف) الملكة الناقدة أو (غلبة) العصبية الإقليمية!!

ولا حيلة لي بعد ذلك فيمن ينكرون شوقي ويعترفون بالرصافي وأمثاله من الشعراء، إنهم أشبه بذلك الذي يذهب إلى سوق الفاكهة فتقع عينه على الكمثرى والتفاح ثم لا تقع يده إلا على الجميز والجوافة. . أمثال هؤلاء لا ينتظرون مني جدلاً ولا مناقشة، لأنني لا أطيق أن أناقش أذواقاً تجهل فنون الطعم والمذاق، حين تعرض عليها أنواع الفاكهة في كل سوق من الأسواق!!

شاعر يودع الحياة:

كنت أقرأ شعره فأعجب به وأثنى عليه، ومن أضواء هذا الشعر وظلاله رسم له الخيال على لوحة الشعور صورة إنسان، إطارها الحس المرهف والفكر النقم والشجن المقيم. . لم أكن قد رأيته بعد، وحين رأيته عدت إلى الصورة التي رسمها الخيال فلم أجد فارقاً بينها وبين الصورة التي رسمها الواقع: كلتاهما تنقل عن الحياة ألوانها الحزينة القاتمة، تلك الألوان التي تترك أثرها العميق في قسمات الوجه ونبرات الصوت وطريقة الأداء. . . وهكذا لقيت الشاعر المصري الراحل، صالح شرنوبي رحمه الله!

قال له أحد الأصدقاء الأدباء إنني أذكر شعره بما يرضي الحق ويرضيه، وإذا هو يسعى إلى ذات مساء ليقدم إلى شكره بعد أن قدم إلى نفسه، في صوت يقطر حياء ورقة؛ حياء الإنسان ورقة الفنان. . وحين أكدت حرارة اللقاء صدق ما بلغه متن ثناء، تبسط اللسان الحيي وتهلل الوجه الحزين، وأنطلق الشعور الملتاع يقص علي فصولاً من رواية طويلة، كتبها بمداد الشجن تجهم الحياة وعقوق الناس!

وودعت صالح شرنوبي في تلك الليلة. . ودعته وأنا أؤكد له سروري بلقائه، وأكرر له إعجابي بشعره، لتطمئن نفسه إلى أن له عند الحرصاء على القيم مكاناً في الأدب العربي الحديث!

ومضت الحياة بصالح شرنوبي حتى علمت يوماً أنه قد حورب في رزقه، حين فصل من عمله في إحدى المدارس الأجنبية وكان يحصل منه على أجر زهيد. . فصل من عمله كما قيل لي، لأنه كان كريماً على نفسه فلم يرض لها أن تضام، ومخلصاً لمصريته فلم يرد لها أن تهان؛ ومن هنا ثار على القائمين بأمر المدرسة دفاعاً عن كرامة وطنه. . وطنه الذي لم يلتفت يوماً إلى حقه عليه كأديب أو حقه عليه كإنسان!

وتناولت القلم لأعرض مأساته على الدكتور طه حسين، باشا ولكن معاليه كان قد غادر مصر إلى فرنسا فأمسكت القلم عن الكتابة إلى حين. . ويعود الوزير الأديب إلى أرض الوطن وأوشك أن أتناول القلم مرة أخرى لأتحدث إليه، ولكن صالح شرنوبي يعفيني من أداء هذا الواجب، ويودع الحياة والأحياء ويمضي في طريقه إلى لقاء الله. . فإلى قبره في ذلك المكان المقفر حيث قدر لهذا الجسد المكدود أن يستريح، أقدم عزاء القلب ورثاء القلم!. .

أنور المعداوي