مجلة الرسالة/العدد 967/وجه للمقاطعة

مجلة الرسالة/العدد 967/وجه للمقاطعة

ملاحظات: بتاريخ: 14 - 01 - 1952



لتاجر أديب

لنترك الفدائيين الذين وهبوا حياتهم لله والوطن يصولون في ميادين الجهاد ويجولون. ولنترك الحكومة تعمل أعمال التؤدة والترصن حسبما تقتضيه ظروف الحال وتقلبات السياسة. ولنترك الغرف التجارية في سيرها السلحفائي تتدارس أمر مقاطعة التجار الإنجليز والتحول عنهم إلى أسواق أمم تجارها أقل ضررا علينا من أعدائنا. ولندع الأمة جانبا فإن الهبة التي تهبها بين فترة من الزمان وفترة، إنما مردها الآن إلى عدوان جديد يقترفه الجيش البريطاني ضد البلاد وأهلها في القنال، إلى انتقام يقوم به أبنائنا البررة فيذيقون أجناد الإنجليز مرارة الموت، ويعلمونهم معنى القتال بين مؤمن بالله وبوطنه وبالرغبة في الحياة، وبين مؤمن آخر إيمانا وثيقا بأن مصير إمبراطوريته إلى الانكسار والزوال لأنها أدركت سن الشيخوخة وهي آيلة إلى الموت القريب، سنة الله في الشيوخ الفانين. أيقنت بعد أن أهبت بغرفتها التجارية أن تحرض التجار المستوردين أن يلغوا الطلبات التي طلبوها من التجار الإنجليز. وأن يقفوا التعامل معهم، وأن يفعلوا ذلك دفعة واحدة وفي يوم واحد حتى تكون مظاهرة التجار أبعد أثرا وأكثر نفعا من يوم اشتركت فيه جميع طبقات الأمة في التظاهر والاحتجاج على عدوان الإنجليز. أقول أيقنت أن الحكومة ستظاهر الغرف التجارية وتعضدها في إبراز فكرة المقاطعة إلى حيز الوجود؛ لكنها - سامحها الله - سلكت سبيل الدبلوماسية أو سبيل المواربة في عمل كان يجب أن يكون عاجلا، لأن اجتماع تجار مصر المستوردين على رفض جميع الطلبات من إنجلترا لا يساوي فقط حبس ستين مليون جنيه تدفعها مصر ثمنا لسلع تشتريها من أسواقها التجارية، بل هي تدفع مئات من التجار الإنجليز إلى الوقوف في وجه حكومتهم يسألون عن معنى إقفال هذه السوق التجارية في وجوههم وهم يتضورون جوعا ويطلبون غذاء يستردون عافيتهم ومركزهم المالي المزعزع.

لنترك الغرف التجارية على إشراك غرف تجارة الدول العربية معها في كيفية إحكام حلقة المقاطعة، ولنقنع أنفسنا بأن رجال الغرفة التجارية حسنو النية، وأنهم لا يقلون وطنية في ميدان المال عن وطنية أنبائنا الذين يجودون بأرواحهم، ومن أبناء الإسماعيلية والسويس الذين يحملون العبء بجلد المؤمن وصبر المجاهد. لنترك هؤلاء جانبا لنطالب - أستغفر الله - فأني كدت أطاوع قلمي فيسطر مطالبة الأغنياء بأن يمدوا يد المعونة إلى عائلات الشهداء أو إلى مساندة رجال الكتائب الفدائية، ولكني أستدرك هذا الأمر العظيم لعلمي بأن أغنياءنا - حفظهم الله - قد استنفذت مصا يف أوربا وموائدها الخضراء والحمراء في صيف هذا العام أكثر ما ربحوه من بيع أقطانهم، وأن ما تبقى لهم من أثمان محاصيلهم الأخرى قد تسدد مطالبهم الضرورية من إشباع المعد وإمتاع الجسد وسواهما، ولكني أطالب طبقة متوسطي الحال من موظفين وتجار وأطباء ومن يضارعهم ومن السيدات والآنسات من الطبقة الوسطى أيضا، إني أطالبهم بل أطلب منهم أن يلقوا نظرة على صوان ملابسهم فيجدون فيه أكثر من بدلة واحدة لفصل الشتاء وأكثر منها لفصل الصيف؛ أما السيدات فإن لديهم فساتين لكل فصل وكل صبح وكل مساء وحفلات. فما ضر هؤلاء السادة والسيدات لو عقدوا العزم الاكتفاء بما لديهم من ملابس؟ ما ضرهم لو صمموا فيما بينهم وبين نفوسهم على الاستغناء عن الكماليات فضلا عن الضروريات؟ ما ضرهم لو يعلنون هذا التصميم على الاكتفاء بما لديهم من لباس بين إخوانهم ومعارفهم وأندادهم فتسري عدوى حب المقاطعة الأجنبي بين الجميع؟

ليس عارا أن أظهر أمام الناس ببدله واحدة ألبسها طوال العام، ولكن من الحقارة لنفسي أن أعمل عملا واحدا يشعرها بأني أشارك جميع طبقات الشعب في إظهار العداء لمغتصبي بلادنا، وسارقي خيرات أرضنا، وقاتلي أولادنا.

إن قرشا واحدا أضن به على الإنجليزي إنما هو لقمة أنتزعها من حلقه، فما بالك بستين مليونا من الجنيهات تدفعها مصر ثمنا لبضائع تشتريها من مصانع الإنجليز؟

ليس في الطبقة الوسطى والحمد لله من مستوزر أو طامع بكرسي الوزارة حتى يجن جنون ذلك الرجل الذي قيل لنا أنه لما نزلت به نازلة الوزارة وتبوأ أريكة الحكم ذهب إلى أحد مشاهير الخياطين فأمره أن يخيط له ستين (بدله).

أي والله ستون بدله اشتراها صاحب المعالي لأن مقام الوزير لا يبرز في العظمة إلا ببدلات تستبدل في ساعات الصباح والمساء مرة ومرات!!

لي كلمة أخرى وأخرى أوجهها إلى الأطباء والصيادلة وتجار المستحضرات الطبية والكيميائية وتجار الآلات الزراعية والبخارية وأدوات الري على أنواعها أرجئها إلى فرصة قريبة.

تاجر.