مجلة الرسالة/العدد 969/نفس كبيرة ثائرة وعقل راجح حكيم:

مجلة الرسالة/العدد 969/نفس كبيرة ثائرة وعقل راجح حكيم:

مجلة الرسالة - العدد 969
نفس كبيرة ثائرة وعقل راجح حكيم:
ملاحظات: بتاريخ: 28 - 01 - 1952



السيد جمال الدين الأفغاني

للأستاذ حمدي الحسيني

- 1 -

كنت في مجلس من أصحابي الشباب وكنت أتحدث إليهم عن السيد جمال الدين الأفغاني فأعجبوا بروحه القوية المتدفقة نحو الحياة والحرية. وكيف لا يعجب شباب العرب بروح جمال الدين وهم يتحفزون للوثبة الكبرى وراء الحياة والحرية؟ وكيف لا يتخذون من روحه القوية المتدفقة الوثابة حافزا لهم في جهادهم العظيم للحرية والاستقلال والوحدة. فطلب مني بعض أولئك الشباب أن أكتب كلمة عن هذا الرجل العظيم في مجلة الرسالة الغراء ليتعرف عليه أكبر عدد ممكن من شباب العرب. وهاأنذا أحقق رغبتهم راجياً أن أوفق إلى تصوير روح جمال الدين تصويراً يجعل منها نوراً يستضيء به الشباب العربي في جهادهم القومي، وناراً تأكل هذا الاستعمار الغاشم فتقوض دعائمه وتذهب بكيانه وعيانه.

يقسم علماء النفس الشعور الإنساني إلى ثلاثة أقسام، المعرفة والوجدان والنزوع. وهذه الأقسام الثلاثة للشعور الإنساني مترابطة متداخلة كتيار الماء الذي يدور على نفسه. ترى الوردة الجميلة مثلاً متفتحة الوجنات على غصنها الرطيب (هذه هي المعرفة) فتروقك تلك الوردة الجميلة ويلذك منظرها ورائحتها (وهذا هو الوجدان) فتقبل عليها فتقطفها لتستمتع بها لما وشما (وهذا هو النزوع). وتلمس يدك النار وهذه معرفة؛ فتتألم من حرها وهذا وجدان فتزيح يدك عنها أو تزيحها عن يدك وهذا نزوع. تعرف الشيء فتلتذ به أو تتألم منه فتنزع نحوه أو عنه جلبا للذة أو دفعاً للألم؛ وهذا هو الشعور الإنساني نوعاً، وأما كما فليس الشعور الإنساني بمتساو في أقسامه. وهذا الاختلاف في الكم هو الفارق بين أفراد البشر خيراً وشراً، كمالاً ونقصاً، قوة وضعفاً. والبشر بهذا الاختلاف في كمية أجزاء الشعور ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، قسم قويت فيهم المعرفة وضعف الوجدان والنزوع كالعلماء. وقسم قوى فيهم الوجدان وقلت المعرفة وضعف النزوع كالفنانين. وقسم قوى فيهم النز وقلت المعرفة وضعف الوجدان كالقادة والطغاة. والعجب في أمر السيد جمال الدين الأفغاني أنه مكتمل جوانب الشعور كيفية وكمية؛ فبينما نراه من ناحية المعرفة نابغة عصره وباقعة زمانه نراه قوى الوجدان مرهف العواطف يحس بالألم مع الإنسانية كافة أفرادا وجماعات، ويشمل السرور جوارحه إذا ما رأى الخير شاملا لبنى الإنسان. وبينما كذلك من كثرة المعرفة وقوة الوجدان في النزوع إلى العمل والتوجه إلى الهدف كالصاعقة المنقضة والشهاب الثاقب والسهم المنطلق والأسد الكرار، ينصب على هدفه انصبابا قويا عنيفا حازما لا يعوقه كل ما في الحياة من صعوبات ومتاعب، يقتحم ولا يبالي ما يعترضه من صعوبات وأخطار، أجيال حديد أم جبال نار.

أما تفاعل جمال الدين مع بيئة وأثر ذلك التفاعل مع تلك البيئة فهو ما أتحدث عنه الآن.

اختلف مؤرخو حياة جمال الدين في تعيين موطنه الأصلي هل هو إيران أو أفغانستان؛ فبعضهم قال أنه إيراني الأصل أفغاني النشأة، وبعضهم جزم بأنه أفغاني الأصل والنشأة، ولكنهم اتفقوا اتفاقا تاما على أنه ولد في مدينة أسد آباد أو أسعد آباد من أعمال كنر في الأفغان وذلك سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة وألف ميلادية أي في أواخر النصف الأول من القرن التاسع عشر. وأن أباه يدعى السيد صفتر أو صفدر ومعناه بالفارسية الشجاع المقتحم، وأن عائلته ذات حول وطوال ونفوذ وسلطان في مقاطعة كنر خصوصا وبلاد الأفغان عموماً لانتسابها إلى السيد علي الترمذي المحدث المشهور الذي يتصل نسبه بالحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

ولد السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني وأهله وعشيرته في ذروة العز وسامت المجد فقضى ثماني سنين يتقلب بين أعطاف العز والمجد ويرتع في أحضان العظمة والسلطان. حتى امتدت إليها يد الأمير دست محمد خان آل إليه الأمر في الأفغان بعد انقسامات وحروب طويلة وعريضة، فسلب من تلك العائلة الكريمة ملكها وسلطانها وأجلاها عن أرضها وموضع عزها ونقلها إلى مدينة كابول عاصمة الملك لتظل تحت سمعه وبصره فيأمن انتفاضها ويضمن خروجها عليه ومزاحمتها له. قضى جمال الدين الطفل في مدينة كابل عشر سنين تلقى فيها العلوم العربية: التاريخ والشريعة والتفسير والحديث والمنطق والتصوف والرياضيات والفلك والطب وغيرها من العلوم النظرية العلمية. ثم عرض له أن يذهب إلى الهند لاستكمال علومه على الطريقة العصرية فذهب إليها وقضى فيها ردحا من الزمن عبء فيه من العلم ما وسعه عقله الكبير وهمته العالية. فهل يرجع إلى كابول وفي نفسه منها حزازات وجروح:

واحتمال الأذى ورؤية جانبه ... غذاء تضوي به الأجسام

أم يذهب لأداء فريضة الحج، يؤدي فرضاً لله عليه ويسري عن نفسه الكبيرة ما تحس من الألم لما أصاب عائلته من تغريب، ووطنه من فوضى واضطراب؟ ذهب إلى الحج ولكن بعد أن رسم لنفسه خطة سفر تمكنه من زيارة أنحاء الجزيرة العربية لدراسة بلاد العرب دراسة علو ودراسة سياسية. درس جزيرة العرب وأدى فريضة الحج فهفت به نفسه قائلة: لابد مما ليس منه بد. لابد من العودة إلى الأفغان. عاد إلى الأفغان وشاء الله له أن يصبح في سلك رجال حكومة دوست محمد خان، وما لبث أن نال إعجاب الأمير واحترامه وأصبح أشد لزوماً له من الهواء والماء، فصحبه في حروبه وغزواته كما صحب شاعر القوة أبو الطيب المتنبي سيف الدولة في حروبه وغزواته مع الفرق بين صحبة الرجلين لصاحبيهما، فأبو الطيب صحب سيف الدولة لأوقات الفراغ وساعات التسلية. وأما جمال الدين فصحب دوست محمد لأوقات الشدة وساعات الخطر. سار دوست محمد إلى مدينة هراة ليفتحها وسار معه جمال الدين فحضر المدينة وضيق عليها ابتغاء فتحها، وكان جمال الدين العقل المدير لدوست محمد واليد الحازمة له في عمله الحربي؛ ولكن شاء الله أن يموت الأمير قبل فتح المدينة ففتحت على يد جمال الدين. وهناك ولى الإمارة بشير علي خان أصغر أولاد دوست محمد فأشار عليه وزير من وزراء السوء أن يقبض على أخوته ويعتقلهم خوفاً من مزاحمتهم له، وكان من أولئك الإخوان في جيش هراة الفاتح ثلاثة وهم محمد أعظم ومحمد أسلم ومحمد أمين. فأنتصر جمال الدين لمحمد أعظم ودافع عنه عند الأمير فلم يفلح، فعلم الأخوة بما يبيته لهم أخوهم فذهب كل واحد منهم إلى ولايته التي كان يلها من قبل واعتصم بها فاندلعت نار الفتنة في البلاد واشتدت وطأة الحروب بين الأخوة المتقاتلين حتى آل الأمر إلى محمد أعظم فارتفعت منزلة جمال الدين عنده فأحله محل الوزير الأول وعظمت ثقة الأمير به حتى أصبح لا يورد ولا يصدر إلا عن رأيه. ولكن هيهات أن يستتب أمن في بلاد يجاورها الإنكليز. فقد أخذ الإنكليز يمدون أصابعهم إلى هذه البلاد فاتفقوا مع (بشير علي) ضد أخيه محمد أعظم لقاء منافع لهم فنثروا الذهب في البلاد يمنة ويسرة شأنهم في كل حال تشبه هذه الحال، فبيعت أمانات، ونقضت عهود، وتجددت خيانات. وبعد حروب هائلة تغلب بشير علي بذهب الإنكليز ودسائسهم على محمد أعظم، ففر محمد أعظم إلى بلاد إيران ضحية من ضحايا الاستعمار الإنكليزي الغاشم.

للكلام بقية

حمدي الحسيني