مجلة الرسالة/العدد 975/رد على رد:

مجلة الرسالة/العدد 975/رد على رد:

ملاحظات: بتاريخ: 10 - 03 - 1952



أجل. . ذو العقل يشقى!

للأستاذ محمد رجب البيومي

حين يكتب القارئ نقداً لمقال قرأه، يود من أعماق نفسه أن يصل إلى الحقيقة على ضوء ما يعقب المقال من حوار وحديث، وواجب المنقود أن يواجه الحقائق سافرة واضحة، ثم يجيب عنها واحدة واحدة، إذ أن القراء يتتبعون النقاش فقرة فقرة، ويوازنون بين الطيب والخبيث في دقة بالغة، ويصدرون الرأي عن ثقة واقتناع.

وقد ناقشت الأستاذ شاكر بما لا أستطيع أن أحيد عنه من الأدب والذوق، راجياً أن أجد لديه الإجابة الشافية المقنعة، فماذا وجدت؟! وجدت أن الأستاذ المهذب قد خصني بكثير من الزراية والجهل، وقلة المعرفة، وضعف المنطق، وسوء الأدب، وليته وقف عندي بشتائمه وسبابه، بل انتقل إلى الأستاذ الكبير سيد قطب، فرماه ظالماً بسوء الفهم، وولج إلى ضميره، فاتهمه بقبح المقصد، وخبث الطوية، ومعانة الحق لهوى في النفوس يعلمه الله، وبالحرص على تتبع المثالب القبيحة، واجتناب المناقب الفاضلة، وبالغلو الأرعن في سياق المثالب وتفسيرها، ثم ينضح إناؤه بهذه التهم الجاحدة ملقياً بها في عنف وحدة، إلى قراء الرسالة، وهم جميعاً يعرفون فضائل قطب فأين ذهبت عنه الحصافة والاتزان؟

وقد حاولت أن أجد لدي الأستاذ في رده الطويل العريض شيئاً يقنع المنصفين، فما وجدت غير التنقص والسباب!! وقد دعوته في مقالي السالف إلى هجر الوعظ والإرشاد في الجدل العلمي، فصاح يقول على رؤوس الأشهاد (من العسير أن أكتب في هذا الموضوع دون أن أتوشح بذيل من ذيول الوعظ والإرشاد)، واندفع مع ذيوله الضافية إلى أبعد مدى وأقصاه، وهكذا ضاعت الحقائق التاريخية لدى كاتب يزهي بنفسه، فيقول إنه (يعرف حق الكلام، ويلتزم مقاطعه ومطالعه وحدوده، وإن للعقل شرفاً لا يرضى معه بالتدهور في مواطئ الغفلة وسوء الأدب والخوض في العبث والجهالات).

ولا أريد أن أكيل للأستاذ صاعا بصاع، ضنًا بكرامتي، ولكني أحاول أن أجمع من مقالة العريض فقرات مبعثرة مضطربة في أنحائه، ساقها مساقاً مهلهلاً لا يعرف الدقة والحدود! لأستطيع دحضها بالرأي الموجز الصريح، جزعاً على الحقيقة العلمية من الغرق في إطناب المنابر وإسهاب الخطباء.

لقد سطر الكاتب خمسين سطراً من مقالة تبدأ من قوله (دعني أيها السيد أعيد عليك، إلى قوله من قلبي بلا مسوح وعظ وإرشاد)! سطر هذه السطور ليقول (إن أخبار معاوية وعلي جاءت عن طريق الرواية فحسب، ولكلا الرجلين شيعته التي تنسج الحوادث وتلفق الأخبار) وقد كنت أقرأ سطوره الطويلة وأنا أسأل نفسي أذلك نقاش أم مجرد كلام؟ ولو كانت النتيجة التي وصل إليها الكاتب صحيحة لعذرناهوسكتنا عنه، ولكنها باطلة كل البطلان، ولو جاز لإنسان أن يأخذ بها في شيء لمزقنا جميع صحف التاريخ الإسلامي من أول عام في حياته إلى مائة عام أنت عليه، فلا نتكلم عن أبي بكر وعمر وعلي ومعاوية ويزيد والحسين وعمر بن عبد العزيز!! حتى يعرف الأستاذ شاكر، اسم الراوي وأباه وأمه، ولحسن الحظ أن كتاب التاريخ ورواته لم يستمعوا لهذه الضجة، وقدموا إلينا مدداً وفيراً من الأحداث التاريخية!! ولم تسجل حوادث معاوية وإضرابه عند مؤرخ واحد حتى يتهمه الأستاذ بالافتراء والهوى، ولكنها أنباء متواترة، رواها جميع المؤرخين دون استثناء، ولو أن شيعة على وحدهم الذين اختلقوا مثالب معاوية، لسكت عنها بعض المؤرخين؛ ولكن هيهات هيهات!.

فهل وجد من المؤرخين من أنكر أن معاوية قد أحال الخلافة إلى ملك عضوض مخالفاً بذلك تعاليم الإسلام؟ وهل وجد من المؤرخين من أنكر أن يزيد بن معاوية قد فرضه أبوه مدفوعاً إلى ذلك بدافع لا يعرفه الإسلام؟ وهل وجد من المؤرخين من أنكر أن معاوية قد جعل جزءاً من بيت المال للرشوة وشراء الضمائر في بيعة يزيد).

لم يوجد من أنكر ذلك من المؤرخين، ولكن الأستاذ شاكر ينكره ويدعي أن المؤمنين قبله قد أنكروه، وهو بحمد الله لم يكن مؤرخا، ولا نعلم أنه خط كتابا في التاريخ، فلم ينسب نفسه إلى قوم ليس منهم؟.

ويدعى الأستاذ أنه لم يفهم شيئاً مما كتبته في تحديد معنى الصحابي، فإذا وجدني أستدل بحديث الرسول عن عبد الله بن أبي لجأ إلى مخرج ينقذه مما واجهته به فذكر أن الرسول قال معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، خشية أن تدور على ألسنة المشركين الذين لا يميزون مؤمنا عن منافق، وكلهم عندهم من أصحاب محمد !! وأنا أقول للأستاذ إن المشركين كانوا يميزون المؤمن عن المنافق، ويعرفون نفاق ابن أبي كما يعرفه المؤمنون سواء بسواء، بل إنه تعاهد معهم على التنكيل بالدعوة المحمدية ولمسوا من نفاقه ما شجعهم على التعاون معه، وكان إذا خلا إليهم يقول (إنا معكم إنما نحن مستهزئون) فليس هناك مشركون لا يميزون مؤمنا عن النفاق، وعلى الأستاذ أن يبحث له عن مخرج آخر، لو يستطيع!!.

وإذا كان الأستاذ بصمني بالجهل وسوء الفهم وقلة المعرفة، ثم ينقل فقرات طويلة من مقالة ليبين لقراء الرسالة حقيقة ما قال، ومن هذه الفقرات قوله (فإذا أخطأ أحدهم فليس يحل لهم ولا لأحد من بعدهم أن يجعل الخطأ ذريعة إلى سبهم والطعن عليهم) إذا كان الأستاذ ينقل ذلك، فلم لميجب عما وجهته إليه بشأن هذه الفقرة، فقد قلت إن الصحابة قد طعن بعضهم واستباحوا ما حرمه عليهم، أفيكونون بذلك قد خرجوا عن منهج الإسلام، أم أن الأستاذ شاكر يرسل كلامه في الهواء فإذا ناقشه كاتب متواضع مثلي لجأ إلى الشتائم والسباب!!.

ولقد دعوت الأستاذ إلى النقد الموضوعي فقال في الرد فقال في الرد على ذلك (إن النقد الموضوعي ينبغي أن يسبقه التحقق من صحة هذه الحوادث تحققا ينفي كل ظنه) وأنا أقول له ما دمت تنكر هذه الأحداث المتواترة لدى المؤرخين، فلن تقدم للقارئ ما يقنعه ويشفيه، وأنا أعلم أن الطعن في رواية الآثار الفردية سائغ ومقبول، أما الوقوف في وجه التاريخ وتفنيد ما أجمع عليه المؤرخين بلا دليل، فلم يجد من يصغي إليه في كثير أو قليل.

ولقد نصحني الأستاذ شاكر أن أضع عن يدي عبء القلم، فإنه ثقيل ثقيل، وذكر أن الحياء يمنعه أن يترك كلامي بلا مجيب!! وأنا أعجب للحياء الذي يمنع صاحبه من الصمت المريح، ثم يدفعه إلى السب المقذع والطعن الجارح في كاتب كبير كالأستاذ سيد قطب!! فضلا عما وجهه إلي من قذائف ظالمة، ثم ما الفرق بيني وبينه حتى يطلب إلى أن أكف عن الكتابة، وما هي مؤلفاته التي تبيح له أن يتقدم إلي بمثل هذا الأمر، لأحفظ له حقه في الإرشاد والتوجيه؟! أخشى أن يكون استياؤه المفزع من نشاط الأستاذ قطب وإنتاجه قد دفعه إلى الهجوم علي بألفاظه الحداد!! وإني لأستغفر الله له رغم ما أصابني من كلوم!!.

(أبو تيج)

محمد رجب بيومي