مجلة الرسالة/العدد 991/جوته

مجلة الرسالة/العدد 991/جوته

ملاحظات: بتاريخ: 30 - 06 - 1952



للأستاذ يوسف عبد المسيح ثروت

تابع

حاجته للغضب والعنف:

طبيعي أن أقول جوته هذه هي عين التشاؤم، ولكنه أساساً كان راضيا بالوضع القائم؛ لأن روح المسالمة كانت بعيدة عنه. وعلى النقيض من ذلك كان يشعر شعوراً جارفاً بالقوة النضال (كي يتمكن الإنسان أن يتفوق على أخيه) وهذا يذكرنا بقول (فاكنر) عندما تتحرك القوة بدون خوف يعجبني المجلس الحربي كثيراً). زد على ذلك أنه كان يعترف بذلك جهاراً وهو القائل (أنني أشعر بالتعاسة عندما أكون متصالحاً مع الآخرين) وهناك شواهد كثيرة يمكن استنتاجها من قناعة وسروره بالعنف والعقاب واستعداده لإسكات الآخرين بالقوة الغاشمة (ونبذ إضراب هؤلاء الناس من المجتمع المتمدن)

إن الشيء التعس حقا والمزعج للوطنيين الذين كانوا يسعون لتثقيف ألمانيا وتحريرها سياسيا أن يكون الشاعر في طليعة لمناهضين لهم ولمقاومين لفكرتهم التحررية، وما أن واتاه الأجل المحتوم حتى شعر الناس براحة بالغة وتنفسوا الصعداء لخلاصهم من هذا الكابوس، وعلى الرغم من اعتقاده بان الحرية لا يمكن أن تعني شيئاً للأرقاء؛ فإنه سمح لنفسه بالمزيد منها بصورة لا محدودة ولا موصوفة ولا مدركة، حرية كاملة، حرية كانت تتشكل بجميع الأشكال وكانت تطالب بالاطلاع على كل شيء وان تدرك كل شيء، وعلينا أن نتذكر أنه لم يكن كتاباً بل إنسانا مفعماً بالتناقضات، إنسانا عظيماً ذا متناقضات هائلة وقد أحب أن يدعو نفسه (مناهضاً للمسيحية بعناد وتصميم). ولم يترك فرصة لا يظهر فيها بعاطفيته الشديدة ضد الأخلاق المسيحية، ولو أن ذلك لا يمنعنا من ملاحظة طبيعته الطيبة، وكذلك الحال مع غوته الذي ناصر الوثنية، وهذا الانتصار للوثنية لا يمكن أن يعارض حقيقة وجوده الروحي، والتي كانت تقر بالثورة الادراكية. ولعل خير دليل على ذلك قوله (أن كل نوع من الألم فيه عنصر إلهي). وطبيعي أن نقول أن الرجل بالرغم من أنه عارض ذلك مئات المرات وقال: (إن الإنخذال والتألم ليسا من طبيعته في شيء) وقد أعلن بلهجة شديدة قاسية ذات يوم (إن الإنسان له حرية في الحياة بأن يكون إما مطرقة أو سنداناً). . وقوله (يظهر لي أنه من الخير أن يكون الإنسان مطرقة من أن يكون سنداناً) وهو أمر مألوف منه، ولكن الذي يدعو إلى التمعن لرضاه (تحمل الضربات المتوالية الأبدية). والآن ننتقل إلى شعاره الجديد والمعروف ب (النفور) فقد ظل ملازماً لكتاباته كما كانت (الحرية) شعار (شلر) و (الفداء) شعار واكنر، وكل شيء يدعونا للتردد باعتبار هذا الشعار شعاراً وثنيا على الرغم من إيمانه بالقوة والنضال لأن قوله: (أن الحرب ف الحقيقة مرض عجز عن معالجته الأطباء وهي مخالفة للسنن الطبيعية) رد بليغ على إيمانه بالقوة. أما مسيحيته كعامل ذي أهمية كبرى في تكوين شخصيته فقد كانت فقد كانت تعود بالدرجة الأولى إلى تربيت البروتستانتية. . وقد أسترعي انتباهه بصورة جدية ترجمة لوثر للكتاب القدس فعلق على ذلك بقوله (أنني أتمكن أن أضيف على ترجمة لوثر ولكن بصورة أحسن) ولكن البروتستانتية لم تلبث أمام حدة نقده بل نراه ينبذ ذلك ويلتجئ مرة إلى مدح القوة البدنية أو يلتجئ إلى الكاثوليكية الموحدة للديمقراطية مرة أخرى فيقول (يجب أن يكون الإنسان كاثوليكيا كي يتمكن أن يشارك العامة في عيشه وأن يختلط بهم ويتعرف على مشاكلهم وأن يكون واحداً منهم يشاركهم في السراء والضراء.

سريان التناقض في جميع أعماله ومؤلفاته:

ضعه أينما شئت من طبقات التفكي أو الوجود - استناداً على الشواهد التي لا تقبل الجدل - فستجده حتما في الطبقة المناهضة المعارضة، وهذا من مميزاته حتى في مواقفه الخلقية مثلا، وموقفه فيما يتعلق بالزمن نفسه لا يختلف عن ذلك في شيء فتراه متباطئاً متكاسلا حيناً وتراه مراعيا جهده الوقت حيناً آخر تحت شعار المألوف (ما أغنى إرثي وما أروعه. أن الوقت هو ملكي وأرض حصادي). أما من الناحية الفنية فقد كانت مؤلفاته تناقضاً غريباً بحد ذاتها، فبينما نراه يمثل نفسه تمثيلا موضوعيا (أيوليا) في سخريته، نجده في الوقت ذاته غنائيا واعترافيا، يرسم بأغانيه صورة نفسه ويعبر عنها أحسن التعبير.

ولعلنا بوصفنا إياه كمعترف ومكفر عن ذنوبه نصيب كبد الحقيقة من أن نصفه بأية صفة أخرى، ولنا الآن أن نتصرف على ذلك بصورة إجمالية، كيف كان يشرح حياته ويبين الأهواء التي كانت تتنازعه؟ يمكننا الإجابة على هذا السؤال باطلاعنا على نقاط الضعف في حياته وكتبه: - فانتحار (فرتر) وخيانة (كلافيكو) وهسترية (تاسو) ودعارة (إدوارد) وخبث (فرناندو) في مؤلفه (استيلا) دلائل ناطقة على سلوكه

إن الإنسان عندما يلاحظ تهوره وسخريته من أدب (المستشفي) ورغبته في تغيير ذلك بأدب روحي سام عوضاً عنه. ومع ذلك فقد كان له (مستشفاه) الخاص، وفي (مستشفاه) هذا يجد اعترافه وضعفه الإنساني باديين بكل جلاء. حتى أن مؤلفيه (مايستر) و (فاوست) يبدوان وكأن الوهن قد أصابهما في جوهريهما وهما لا يعدان شيئا بالقياس إلى الرجولة المثالية التي امتلكت على الشاعر مشاعره.

وعلى الرغم من أن ميزة الرجولة لا تظهر بوضوح في كل هذا النتاج المتنوع كما هي الحال مع (شلر) إلا أن النزعة الروحية الإنسانية بادية في كل ما كتبه بصراحة تدعو إلى الإعجاب وبأمانة تفوق الوصف وبدقة لا متناهية، وفي كل ما كتبه يظهر طابع سحر سخصيته بصورة بارزة، بحيث يمكننا أن نقول وبحق أن الإبداع الأدبي جميعاً قديمه وحديثه لا يوازيه بقوته وسحره.

وكمثال على ذلك أحب استعرض تمثيليته (أكمونت). هذه التمثيلية التي كانت مثاراً للنقد من الناحية الدراماتيكية وحتى من الناحية الفنية المحضة. ومع خروج هذه التمثيلية على جميع نظم المسرح إلا أنها تتسم بجمال فتان، بأخلاق بطلها، ذلك البطل صاحب النزعة الأرستقراطية والشعبية معاً. وما من شك أن روح اللامبالاة الرقيقة التي تسري في مسارب هذه التمثيلية تظهر غوته على حقيقيته بجميع رغائبه وشخصيته، والتي هي في نظري أوج الكمال التي ارتقى إليه سحر غوته - نجد ذلك في أكثر مؤلفاته في علاقته اللاعاطفية مع (كلارجن)؛ تلك الفتاة الصغيرة التي كانت من عامة الشعب وأخت (كرجن) التي عرض لها نفسه بلباسه الملكي الأسباني وهو يحمل الميدالية الذهبية لمجرد غرامه بآهاتها وواهاتها. . وهنا نجد (نرجسيته) التي تتمثل في حبه للفتيات السذج اللائى كان يعتقد بأنهن يمثلن عالم الروح والحب، ولم يربط نفسه بهن إلا برباط الغرام المؤقت، هذا الرباط الذي لم يكن إلا طارئاً ينثره غبار الزمن فينحل وكأنه لم يكن. أما فكرة الزواج فكانت فكرة خيالية عابرة كحبه ,

حياته الغرامية: كانت حياة غوته في الحب فصلا غريبا، والمتتبع للثقافة العامة مجبر على التصرف بشؤونه الغرامية لكي يكون انطباعه عنها صحيحاً لا تشوبه شائبة، فألمانيا في الأيام - التي نحن بصددها - كانت مثاراً لهذه الحوادث، وليس لدارسي غوته إلا تعداد هذه الحوادث كما كان يفعل (زيوس). أن هذه الحوادث أضحت الآن تماثيلفي (كاتدرائية) الإنسانية، وأما ركوعه وخضوعه أمام (فردريكة) و (ومريانه) و (لوته) وتذلله أمام أقدامهن - وهن ما فيه عليه من سيطرة ونفوذ - فلم يدم طويلا لأنه رأى العواطف الهوج وخرج مما تورطه به مفعماً شهامة وبأساً، وربما كان في هذا الحوادث ما يعوض عن تناقضه الذي كان ينتابه وولاؤه الذي كان أبداً مائلا إلى الانهيار. لأن حبه - في الحقيقة - لم يكن إلا ضرورة ووسيلة لغاية، تلك الغاية التي تتمثل في عمله الأدبي.

كتب مرة على (لوته) قائلا. . . إنك لا تشعرين بفرتر كما يجب وإنما الذي تشعرين به هو أنا ونفسك. وإذا كان في إمكانك أن تشعري بواحد من ألف مما يعنيه فرتر إلى آلاف القلوب لقدرت المتاعب التي تحملتها في سبيل التعبير عنه)

وطبيعي ألا تفهمه النساء ولكنهن تحملن عبئه اضطرارا.

ونظم غوته الشعر منذ البداية على الطريقة الفرنسية والإيقاع اليوناني القديم، وكان شعره موهوبا منسجماً مع روح العصر، فيه خفة ورقة وعذوبة. وقد أصبح بتطور الزمن شاعراً يشار إليه بالبنان في دستراسبورغ، بتأثير هردر. وكان لاتصاله بهوميروس واسيان وشكسبير، وخصوصاً بالأخير الذي كان معجباً به أشد الإعجاب في جميع أدوار حياته، وولعه بالكتاب المقدس وبالغناء الشعبي أثر هائل في توجيه حياته الأدبية وتنمية روح الطلاقة والانطلاق والصفاء فيه. أصبح هردر بفضل تعلمه وعمق إدراكه وغريزته النقدية القائد الأدبي للثورة التي طفت على ألمانيا سنة 1770؛ ولكنه كان يعوزه سر العظمة الملهمة والسحر الأدبي واللطف الإنساني، التي كان تلميذه غوته يتمتع بها جميعا، وهذا هو الذي جعل الشاب اليافع يبز أستاذه ويتفوق عليه. وإني أعتقد أن هردر شعر بذلك ولم يتمكن من مغالبته المرارة التي أحدثتها تصاريف الأيام في نفسه. ليس في إمكاننا الآن أن نشعر بمقدار الاستفزاز الذي حدث في ربيع العبقرية، والعاصفة التي أثارتها قصيدته (مرحباً وإلى اللقاء) وكيف أن سياق القوافي وتيارها الجارف بعثر ما تبقى من رماد زيف الشاعر الواقعي هردر، كما أن قصيدته (غوتس فون بيرلنجن) كان لها الوقع نفسه، تلك القصة التي هزت المسرح بأسلوبها الشكسبيري وبعرضها الألماني القديم، وقد وصفها فردريك الكبير بقوله (إنها جنون لا شكل له) ونبذها، ولكنها مع ذلك حازت سمعة هائلة باستفزازها وتحديها لجميع النظم الشعرية وسخريتها بما تواطأ عليه الشعراء، فوصفها غوته نفسه بأنها أحدثت رضا شعبيا شاملا وذلك في كتابه (الشعر والحقيقة). ثم نأتي بعد ذلك إلى بعض المشاهد الأولى من (فاوست) فنجد أصدقاءه يصفقون والمداد لم يكد يجف، ويتحدثون بفرح متزايد (عن الشخص الذي ينمو بصورة منظورة)

أما (الآم فرتر) تلك القصة التي انطبعت بطابع الرسائل فلم تقتصر على أصدقائه والمقربين إليه أو مدرسته الخاصة ولا حتى بلاده ألمانيا، بل تعدتها إلى العالم فاحتضنها كما احتضنته هي. ولا ريب أن العاطفية الواهنة الخجلة التي أبدع في جلائها هذا الكتاب الصغير، هي التي جلبت إلى مؤلفه مقت الأخلاقيين بالرغم من إخلاصها الطبيعي، وأثارت في الوقت نفسه عاصفة من الاستحسان اللامحدود من قبل الشباب. إنها كانت كالشهاب الذي سقط في مستودع مفرقعات فأحدث انفجاراً للقوى الخطرة التي كانت متحفزة للانطلاق. ويبدو أن الرأي العام في جميع الأقطار كان ينتظر - وبصورة سرية - هذا الكتاب من شاب ألماني مغمور في المدينة الإمبراطورية. . ومن الغريب أن نابليون نفسه كان يحتفظ بالترجمة الفرنسية لهذا الكتاب في الحملة المصرية. لم يتمكن غوته أن يجرب نجاحاً عاصفاً كما جربه في هذا الكتاب، فإنتاجه الذي شغله طوال حياته لم يقابل بمثل الحماسة التي قوبل بها هذا الكتاب.

أما كتابه (ولهلم مايستر) فقد لاقى رواجا كبيرا وعد من وجهة النظر الفنية - أي من وجهة النظر الرومانسية - بمصاف الثورة الفرنسية ونظرية (فخته) في العلوم. وعلى أي حال فإن هذا التأثير يمتد إلى (سترفتر) و (كلر) و (الجبل السحري) ولكنه يعد الثاني بالنسبة إلى (فرتر) في مدى نجاحه، وهذا ينطبق بالفعل وبصورة أوسع على كتابه (القرابة المنتخبة) وأشخاص روايته هذه يمثلون رموزاً وبيادق في لعبة ثقافية تدعو إلى التفكير العميق. . أما كتابه (الديوان الشرقي للمؤلف الغربي) والذي احتوى على مالا يثمن من جواهر غوته فقد ظلت طبيعته الأولى في المكتبات مكدسة بدون أن تلقى رواج يذكر.

أنهى غوته القسم الثاني من فاوست تجهد جهيد وتعب شديد، لأن قوته البدنية كانت في تدهور مستمر؛ وقال بخصوص ذلك ما يلي: (إن هذه الأوقات سخيفة جدا لدرجة أنها أقنعتني بان جميع مجهوداتي المضنية المخلصة سوف لا تجازى، بل سيرمى بها على ساحل البحر! وستحطم هناك إلى أن تتغطى برمال الشرف). .

تأثير فاوست العالمي

نشرت بعض القطع من القسم الثاني من فاوست في حياة غوته وخصوصاً ملحمته (هيلين) التي نشرت في جميع المجلات الفرنسية والأسوجية والروسية، وقد علق على ذلك غوته بقوله: (إن الأدب الوطني لم يعد له مكان يذكر في عصر الأدب العالمي، وإن كل شخص يجب أن يبذل جهده للإسراع بإيصال هذا العصر إلى ذروة قوته)

كيف أدمج العالم بذاته؟ وكيف أثر فيه؟ ماذا أعطته كل من إنكلترا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا والشرق الأقصى وأمريكا؟ وكيف أثر في الحياة الثقافية لهذه البلدان جميعا؟ كل ذلك وأكثر من ذلك يشرحه لنا المؤرخ الأدبي (فرتر سترخ) في كتابه (غوته والأدب العالمي) (والذي لا يزال أكبر مصدر في دراسة غوته.) وقد قال أمرسون بخصوص فاوست ما يلي: وإن الشيء البارز في هذا الكتاب هو الذكاء الهائل. أن ذكاء هذا الإنسان محلل جبار للعصور القديمة والحاضرة على السواء، بما فيها من الأديان والسياسة وأساليب التفكير؛ محلل لها إلى عناصرها وأفكارها المبسطة). فهذا الذكاء هائل وهذه الإحاطة الشاملة والتنظيم الدقيق والعقل الممتزج بالشاعرية، كانت تمثل فكره الجبار الذي كان ينبض بمشاعر المستقبل بشجاعة خارقة. ومن الغرابة أن نتصوره وقد تحدى الموت بإدراكه للمستقبل وبتوقه له، وهو لا يزال في دور الصيرورة والتكوين، وليس في الناحية الأخلاقية والظاهرية وحسب، بل حتى في الناحية العملية، هذا التوقع الذي كان واجب كل شخص الإسراع بإعداده والتهيؤ لاستقباله والعمل على برازه إلى حيز الوجود وفي الحقيقة فإن كتابه (رحلة ولهلم مايستر) الذي وضعه في أواخر أيامه - يتضمن فكرته الأساسية وهي (النفور). أما مثله الأعلى المتقمص في فكرة (الشخصية الكونية) فنراها تذبل تدريجياً حتى تسقط نهائيا من مؤلفاته الأخيرة فيحل محلها العصر الإجماعي، وأما ما نجده في هذا الكتاب فهو عدم أهلية الفرد للقيام بما يتطلبه المجتمع منه كفرد، ولذا فاجتماع الناس هو الذي يكون مفهوم الإنسانية، وعلى ذلك يصبح الإنسان بمثابة عمل وأهميته تبرز لكونه يقوم بدور فعال في سبيل الثقافة الاجتماعية، وكذلك يظهر مفهوم الجماعة بوضوح وجلاء عن طريق إحلال العلاقة الاجتماعية محل الفردية الضيقة.

وليس من شك في أن عمره الطويل - على وقاره - لم يتطرق إليه الجفاف ولا التصلب، فقد كان مفعما بالحساسية والدهشة والاستماع بالحياة ورفع شان الأفكار العصرية، وقد كان الحديث الدائر على مائدة سيد القرن الثامن عشر لا يتعدى نطاق الأفكار الطوبائية والمشاريع العمرانية، كحفر قنال لإيصال المحيط الهادي بخليج المكسيك وحفر قناة أخرى لإيصال البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر. وقد كان يؤكد دائماً ذلك بقوله: (وإن تحقيق هذه الأشياء يستحق مني العيش خمسين سنة أخرى). أما ثقته بالمستقبل فقد كانت تحتضن العالم كله، وأما حماسته فكانت نتيجة لشعوره بالقيمة العملية للحقائق العلمية وتأثيرها في نبذ الأفكار الغيبية التي كان العالم متأثراً بها ومريضا بسبها فسعى جهده لتخليصه منها. وقد نظم كل هذه المشاعر ببيته التالي (إي أمريكا! أن حياتك أحسن من حياتنا هنا في القارة، فأرضك لا تعوقها الصخور ولا القباب القديمة الخربة) وجميع هذه القباب هي من آثار (السخافة القديمة) التي يمقتها أشد المقت، وكان يصر على تهديمها كي يحب الإنسان الحياة على اعتبار هذه الآثار من الناحية المعنوية - كانت تمثل في نظره الرجعة العاطفية (السخافة) التي كانت تقف حجرة عثرة في سبيل التقدم البشري، وقد ناضل شاعرنا من فجر حياته لتحطيم أحزاب هذه السخافات لما لها من تأثير في العقول؛ يبدو ذلك من قوله في كتابه ولهلم ما يستر (إنهم لا يخافون شيئا كخوفهم من الفطرة السليمة، ولكن عليهم أن يخشوا السخافة التي هي الهول بعينه: ولكن الفطرة السليمة تعرقل مسعاهم لتحقيق مآربهم فعليها السلام ولتترك جانبا، ولتقدم السخافة ما يحلو لها وما عليك إلا أن تجلس وتنتظر)

ومع ذلك فجوته لم يحبس ولم ينتظر بل صمد (وقف) بشجاعته وبأسه ويجلد ويناضل في سبيل إبادة هذه السخافة، وفي سبيل أركان الفطرة السليمة. أليس اتجاه السخافة هذه بذاته يهدد الإنسانية اليوم؟

أجل أن ذلك لم يخف على بصيرة جوته فعرفها وشعر بها وهي تنمو؛ ولذا وجدناه بطلا مغموراً في مقارعته لها، وهذه القوة هي التي جالدها لا الثورة ولا الدستور ولا حرية الصحافة ولا الديمقراطية. ولقد قيل أن آخر كلمة صدرت من فمه قبل أن يغمض عينه الإغماضة الأخيرة (دعوا ضياء أكثر يدخل علي) ولكن هذا القول لا يمكن الاعتماد عليه بصورة قطعية، ولكن الشيء الذي قاله حقيقة في كلمته الأخيرة، والكلمة التي ناضل طول حياته في الدفاع عنها هي (وأخيراً أن الشيء المهم هو التقدم!)

بعقوبة

ترجمة - يوسف عبد المسيح تروت